«إم شريف ديلي»: تذكرة عبور إلى السياحة الطبقية

تُغمَر البيضة في وعاء ماء مغليّ، وتلقى إلى جوارها قطع البطاطا. يُرَش فوقهما القليل من الملح والبهار لإضفاء نكهةٍ استثنائية، لا تُنسى، على هذه المكونات الغذائية الخامّ والمتواضعة.
تأخذ الوجبة المطبوخة وقتها الكامل حتى تنضج: البيض ليشتد والبطاطا لتلين، إذ تُعرَّض لـ«أنقى» أشكال الطهو: السلّق. فلا لون زائداً هنا ولا دهون، بل غذاء صحّي، ونظيف حدّ الطهارة، كما يشتهي البرجوازيون الطعام.
يوضع المطبوخ في خبزة «توست» عند استوائه ويخرج على هيئة سندويش: بطاطا وبيض. ثم يُقدَّم إلى الزبون لا كوجبة عابرة، بل كسندويش لبناني «أصيل»، «صحي»، و«فاخر»، واحد من «أبهى» ما تنتجه الذائقة اللبنانية، مُحضَّر في أحد أهم المطاعم البيروتية: «إم شريف ديلي»… بسعر 11 دولاراً.
المطبخ الذي افتتحته «إم شريف» تحت اسم «إم شريف ديلي»، والرامي إلى تقديم بعض الأطباق اللبنانية في قالب معاصر ينسجم مع السندويش السريع والجاهز، تحوَّل بفضل مناورة ذائقية محسوبة إلى حدثٍ ينتظره اللبنانيون لينقسموا في ما بينهم. يطرح «إم شريف ديلي» في مطلع كل شهر وجبة جديدة مستمدة من تراث الأكل اللبناني، ويضيفها إلى قائمته على شاكلة سندويش: طماطم، أو بيض وبطاطا، وفي الشهر الفائت، كان السندويش جبنة ومربى.
تأتي هذه السندويشات بأسعار باهظة. نتكلم عن 9 دولارات لسندويش الطماطم، 11 دولاراً لسندويش البيض والبطاطا، و15 دولاراً لسندويش الجبنة والمربى. يشيد بعض «خبراء» الطعام و«المتذوّقين» على وسائل التواصل الاجتماعي بفلسفة الطهو هذه. وجب التذكير بأنّ معظمهم متعاقدون مع المطاعم للترويج لمنتجاتها، في حين تذمّ الآراء «الشعبية» ما تعتبره سرقةً صريحة.
غير أنّ أسعار السندويشات عند «إم شريف ديلي» كافية لإحداث عسر هضم: إنها تفضح كواليس هذا المطبخ الذي حوّل الطعام البسيط إلى ذائقة امتياز، وقدَّم مائدة الفقراء كتجربةٍ شهية. القول إنّ «إم شريف» لا تُدخل هذه الوجبات إلى قائمتها بقدر ما تُدخِل عليها علامتها التجارية، أي إن ما يؤكل ليس طعاماً إنّما علامة أي ماركة هو دقيقٌ لكن ليس جديداً، إذ ينطبق على الكثير من المطاعم الأخرى. يتجاوز «إم شريف ديلي» ذلك، ويصبو إلى مطبخ ثقافيّ: إنه يعجن الثقافة من جديد، بحيث يخبز طحين الفقراء ليقدمه عجيناً للأغنياء.
نشوء «إم شريف ديلي»
في 2022، نالت ميراي حايك (صاحبة سلسلة مطاعم «إم شريف») وساماً للجمهورية من الرئيس السابق ميشال عون تقديراً لـ«جهدها الذي أوصل المذاق اللبناني المميز إلى العالمية ونشر المطبخ والمأكولات اللبنانية بإتقان وفن». لم تكن حايك قد أوجدت «مفهومها» الجديد بعد، أي مطعم «إم شريف ديلي» المختص بالوجبات السريعة الأنتي «فاست فوودية»، بيد أنّها نجحت في مسرحة المطبخ اللبناني وتقديمه، محلياً وعالمياً، بوصفه أرشيفاً تراثياً مثل قلعة بعلبك، ومخزناً عجائبياً مثل مغارة جعيتا. غدت «إم شريف» فإذن، دليلاً سياحياً. يكتشف السياح لبنان أنثروبولوجياً على مائدتها، فيما يجد اللبنانيون المغتربون في قضمة واحدة من طبقها، دواءً لداءِ الحنين الذي يعتريهم.
هذا الاختلاط الميتروبولي الناجم عن انتشار فروع «إم شريف» في عواصم العالم، دفع بالسيدة حايك على الأرجح، إلى الانتباه إلى علاقة الثقافة بالسياحة، أو بكلمات أخرى برأس المال.
نجحت المائدة اللبنانية مع «إم شريف» في إحداث تأثير «بافلوفي» (من بافلوف)؛ حيث تستدعي أقراص الكبّة المشوية وأطباق الحمص والبطاطا المقلية، حين تقدم بزخرفةٍ رخامية وحين تتوسَّط الصحون، العلاقات «الراقية» داخل الفضاء المنكمش، استجابةً فورية تتمثل بسيل اللعاب.
لكن «إم شريف» أدركت أنّ النبش بالثقافة قد يوازي من حيث الجدوى النبش في مناجم الذهب. هكذا، سعت إلى تكثيف التأثير «البافلوفي» وجعل غدد البرجوازيين تتشدَّق بأطباقٍ جديدةٍ لا يعرفون مذاقها لأنهم لم يجربوها من قبل. في ضوء ذلك، فتّشت في «ثقافتها» اللبنانية عن المُهمل يعني عما لا تستقبله المطاعم في قوائمها، وعن المطرود كونه لا يُعدّ وجبة مائزة. وحين وجدته، حجزت له طاولة ثمينة في مطعمها.
«مثلث الطهو»: النيء الثقافيّ
بعد البحث والتنقيب، اكتشفت «إم شريف» المطبخ اللبناني الشعبي وجعلته طبقاً أساسياً في قائمة مطعمها «إم شريف ديلي». حوَّل طعام الحاجة إلى طبق فاخر. غدا أكل الفقراء، حتى النيء منه، كسندويش الطماطم وجبة طيّبة للأغنياء.
في دراسته عن الطعام وعلاقته مع الطبيعة والثقافة، رأى العالم الأنثروبولوجي كلود ليفي شتراوس أنّ الطعام ليس لتناوله فقط بل للتفكير عبره. إنه بمنزلة لغة تفكر بها الجماعات بالطبيعة والثقافة. وقد رسَم شتراوس مثلثاً سمّي بـ«المثلث الطهوي» وهو نموذج بنيوي لفهم الطعام بوصفه لغةً، ويقوم على ثلاث حالات أساسية: النيء المرتبط بالطبيعة، والمطبوخ الذي يمثّل تدخّل الثقافة أي التقنية البشرية، والمُتخمّر الذي يقع بينهما حيث تتعفن المادة بفعل الزمن.
يخبز طحين الفقراء ليقدمه عجيناً للأغنياء
لا تخضع التصنيفات في مثلث شتراوس لأي هرمية أو تراتبية، إنما تنتظم داخل مثلث علائقي، فالنيء ليس «أدنى» قيمياً أو أقلّ تطوراً، مثلما لا يدلّ المطبوخ على أنه «أرقى» أو على تقدم في الإبداع البشري.
يخلخل «إم شريف ديلي» هذا المثلث. ما كان نيئاً كالطماطم يلجأ إليه الفقراء لسدّ الجوع، ينظر إليه بوصفه واقعاً في أسفل الهرم. البنية غير الهرمية بنظر شتراوس، تُعد هرمية في «الحس العام» وثقافة المطاعم كـ«إم شريف».
يستثمر «إم شريف ديلي» من موقعه هذا في «طعام الحاجة»، في إسقاط قراءة هرمية على بنية غير هرمية. يعيد تدوير النيء كأنه يطهوه رمزياً، فيخرجه من جديد كدلالات اجتماعية. الوجبات البسيطة والمتواضعة، المقتطفة من الطبيعة صارت مصممة بتكلّف، وتزوّد الآكل بمكانةٍ أرستقراطية.
على هذا النحو، إنّ النيء عند «إم شريف» يكون نيئاً بفعل الثقافة لا بفعل الطبيعة (كما هو عليه)، أي بفعل تدخل الطاهي وزخرفة العلامة (المطعم). هو ليس نيئاً تماماً، لأن النيء غير مروّض، وغير مهذب، ويعرف الفقراء ذلك جيّداً. النيء برّي. في «إم شريف ديلي»، النيء هو كذلك بالفكرة/ الصورة.
حتى الطعام المسلوق، حيث السلق يحتلّ في مثلث شتراوس موقعاً وسطياً داخل «المطبوخ»، إذ يكون التدخّل الثقافي فيه محدوداً، حيث الطهو يتم بلا نار كالشواء وبلا عنف كالقلي. المسلوق كسندويش البيض والبطاطا، يُعزل في «إم شريف ديلي» عن اقتصاده الأصلي. يُطرَد من بساطته، يُزخرف، ويُزجّ به داخل فضاء الامتياز. السلق الذي يشبه الهمس، بات «عند إم شريف ديلي» سراً مفضوحاً. صار الطعام الذي تنتظره لأنه يستغرق وقتاً كأنه نميمة صاخبة، وكل ما يحتاج وقتاً في عين البرجوازيين، لا بد من أن يكون ثميناً.
أسطورة بارتية
الحال، أنّ مطعم «إم شريف ديلي» يكشف عن نزوع طبقي حاد بوسعنا وصفه بعارضٍ مرضيّ، من خلال طبخه لقصص الفقراء، وبيعها بأسعار باهظة لروّاده. تقدّم وجبات «إم شريف ديلي» نوعاً من السياحة الطبقية. البرجوازيون الذين ينعمون بالمال ويفتخرون بانتمائهم إلى رابطة «الذائقة الراقية»، صار بإمكانهم تذوّق أكل الفقراء والاستمتاع به كما لو أنهم يستجمون على شواطئ ميامي.
علمنا رولان بارت في كتابه «أسطوريات» أنّ أبسط الظواهر اليومية تحمل في طياتها أيديولوجيا تعمل بصمت. بارت الذي يميّز بين الدال (المعنى الظاهري) كسندويش البيض والبطاطا، والمدلول (الأسطورة بحسبه) يتوقف عند الأخير ليبيّن أثره كقوّة رمزية.
يحوّل «إم شريف ديلي» السندويش المتواضع إلى مدلول فاخر. يصير الطعام الشعبي الذي يغذي أجساد الفقراء غذاءً أيديولوجياً للبرجوازيين. لم يعد الطهو عند «إم شريف ديلي» تعاطياً مع مكوّنات غذائية بقدر ما هو طهو سرديات. في حالة النيء مثلاً، يحيل سندويش الطماطم المحضَّر عند «إم شريف ديلي» إلى بيانٍ جمالي (لأصحاب الذائقة الرفيعة) ضد المطبوخ المفرط، كالقلي أو الشواء. وبوسعنا قراءته بوصفه براءة مزيفة، إذ بالبرجوازيّ يتذوّق الطبيعة من دون أن يعرفها أو يخاطر بأن تطأ قدماه الوحل.
وفي حالة السلق، مثل سندويش البيض والبطاطا، فالمسلوق هنا يفسح المجال لدلالة اجتماعية حتى تتسلق: يتحوّل البيض من طعام صامت إلى علامة «طاه»، ترمز إلى الأكل «الصحي» و«النظيف»، أي إلى وعد بالعافية كما يهجس البرجوازيون دوماً. هكذا يفعل السلق فعله ليس في التحويل الحراري بل في التحويل الرمزي، في نقل طعام الحاجة/ الضرورة إلى طعام الذائقة. لم يعد السلق طريقة إعداد بل لغة تحمل الأسطورة.
يبيع «إم شريف ديلي» خيالاً (أسطورة) مشبعاً برموز «مقدسة» بثمن ماديّ باهظ، وبكلفةٍ عاليةٍ أخرى هي تجارب الحرمان. تسمع زبائنه يغمغمون أصوات «هممم...هممم»، ويتبادلون الإيماءاتٍ كتوكيد صارم على تلذذهم، غير أنّ ما يأكلونه كان يؤكل لإسكات خرخرة المعدة. حين تدفع 9 دولارات ثمناً للسندويش، أنتَ تشتري «أسطورة»: البساطة اللبنانية، الأصالة، محصول الأرض، ذكريات الأجداد، رائحة أيادي الجدات...
ثمة اختيارٌ واعٍ لتجريب البساطة، وللغوص العميق في النوستالجيا. ما يُؤكل في «إم شريف ديلي» ليس طعاماً بقدر ما هو أسطورة النقاء والطهارة؛ حيث يستهلك البرجوازيون حياةً لن يعيشوها، بعدما جرى تعقيمها من فقرها.
كما في المطبخ كذلك في الأزياء
استنباط الفقر وتعويمه فتدويره والاستثمار فيه استراتيجية معاصرة تنسحب على سياقات ثقافية مختلفة. أدخل بعض الفنانين المعاصرين إلى صالات العرض أعمالهم الفنية التي صنعت من خردوات ومخلّفات وما وجدوه في القمامة، بغرض نقد الحداثة وأحوال العالم المعاصر. فنانون آخرون اعتمدوا الاستراتيجية نفسها، فقدموا هراءً بحجة الفن المعاصر وجنوا منها أرباحاً طائلة. مفهوم «إم شريف ديلي» يتقاطع مع هذه السياقات، ولو أخذنا عالم الأزياء لوجدنا أنه يتماهى حدّ الامحاء مع ما يحدث هناك.
مصممو أزياء مشهورين يشتغلون مع ماركات عالمية مثل «إيف سان لوران» يتجولون في شوارع نيويورك بحثاً عن متسوّلٍ ومتشردٍ لا بهدف المساعدة بل لكي يسرقوا هيئته. يراقبون الجسد المعزول والمطرود والمهمل (كالمطعم الشعبي)، لا بوصفه إنساناً مهمشاً بل بوصفه مانيكاناً يحمل مسحة غرائبية مثيرة. المتسوّل هو عارض أزياء مؤجل. ما يرتديه من قماش مهترئ، وبنطال فضفاض، وقميص ملطخ ببقع الكاتشاب سيغدو الموضة القادمة.
في سياق مشابه، ظهرت العارضة كيم كارداشيان بعد السابع من أكتوبر، في مناسبة أزياء برفقة ابنها الذي كان يرتدي قميصاً رياضياً لإحدى أندية كرة القدم. قميص بنيّ اللون، شاحب و«متسّخ» على نحوٍ مقصود، في محاكاة متعمدّة للأطفال الغزيين القابعين تحت الأنقاض. تحوّلت الإبادة في مناسبة عرض أزياء إلى رداء معاصر، وقطعة الثياب التي يرتديها الطفل العربي والأفريقي الفقير (قميص النادي الرياضي) صارت خطاباً جمالياً.
«إم شريف ديلي» تسرق سردية الفقراء، وتطهو «جماليات» مع رشّة بلاغة والقليل من التوابل، فيتحوّل البسيط والخام إلى دسامة رنانة. لكن انظر إلى الجانب المليء من الكأس: هي تتيح لسكان العالم تذوّق فقر لبنان البادي للعيان. لقد دخلنا في شهرٍ جديد، من يراهن أن السندويش الجديدة ستكون سندويشة زعتر؟

