«وقائع زمن الحصار» من اليرموك إلى غزّة
في «مهرجان برلين السينمائي»، طرح المخرج عبدالله الخطيب الحصار كأداة لكسر الإرادة الفلسطينية من اليرموك إلى غزة.


في «مهرجان برلين السينمائي»، طرح المخرج عبدالله الخطيب الحصار كأداة لكسر الإرادة الفلسطينية من اليرموك إلى غزة. يتجاوز الفيلم رصد معاناة الجوع ليحلل أثر القمع في تفتيت المجتمع، مقدماً صرخة سياسية تربط مآسي اللجوء والشتات برغبة الشعوب في البقاء والتحرر رغم محاولات الإبادة المعنوية والجغرافية
ينشغل «وقائع زمن الحصار» بلقطات قصيرة محمّلة بما يكفي من المشاعر لتفتح باباً على سردية أكبر من المكان والحدث. بعد فيلمه الوثائقي الأول «فلسطين الصغرى، يوميات حصار» (2021)، يعود المخرج الفلسطيني السوري عبد الله الخطيب إلى اليرموك ولا يعود.
بين اليرموك وغزة
بينما كان المخيم في فيلمه الأول مركز الثقل، يختار في فيلمه الروائي الأول المشارك في مسابقة «وجهات نظر» في «مهرجان برلين السينمائي» الحالي، أن يحرّر الحكاية من الجغرافيا. ظلّ اليرموك حاضراً، كما تتسرّب أصداء غزّة إلى الإطار، لكن الفيلم يصرّ على أن الحصار ليس موقعاً، بل حالة وجودية. هذا الانتقال من الوثائقي إلى الخيال ليس مجرّد تبديل في الأدوات، بل محاولة لإيجاد لغة أوسع لما يريد قوله. الخطيب، الذي عاش حصار اليرموك ووثّقه، يذهب في عمله الجديد نحو ما يشبه التأمل في معنى البقاء داخل عالم يتقلّص أخلاقياً وجغرافياً.
«وقائع زمن الحصار» ليس استكمالاً لعمل سابق، بل توسعة له، إعادة صياغة للذاكرة الجماعية الفلسطينية، ولتجربة الشتات التي تتكرر بأشكال مختلفة عبر العقود، «من كفر قاسم إلى غزّة، من تل الزعتر إلى حنين، من بيروت إلى اليرموك»، كما يقول الخطيب في آخر الفيلم.
الحصار وصل إلى الصورة
يتقدّم الفيلم عبر سلسلة من المقاطع، كلّ واحدة منها تلتقط شكلاً مختلفاً من أشكال النجاة، تظهر فيها الشخصيات وتختفي وتعود، كأنها تدور في مدار واحد. بعدما تعرفنا إلى عرفات (نديم ريماوي)، الذي لا يجد في منزله أي شيء يأكله بعدما سُلب منه كيس الخبز، نكتشف أنه صاحب محل أشرطة أفلام، حيث تمكث ليلى (سجى كيلاني) ويوسف (سامر بشارات) وأصدقاؤهما لبعض الوقت هرباً من القصف الذي يقترب.
من هناك ينتقل الخطيب إلى رجال يساومون على أدوات منزلية محطمة مقابل نفخة سيجارة. ثم نذهب إلى بيت فارس (عماد عزمي) الذي ينتظر حبيبته هدى (ماريا زريق). يحاولان بعناد شبه عبثي، تنظيم لحظاتهما الحميمة، قبل أن تتقاطع الشخصيات جميعها في مستشفى منهك يفتقر إلى كلّ شيء.
قبل أن يظهر أي مشهد، يضع الخطيب المشاهد في حالة انتظار خانقة، كأن الحصار نفسه يسبق الصورة. لا يدعنا ندخل الفيلم من الخارج، يريدنا أن نختبر الاختناق معه، وأن نبحث عن مخرج كما يبحث عنه أبطاله. هناك لحظات رقة مفاجئة وتضامن يلمع وسط العتمة، تقابلها لحظات انهيار جماعي، حيث يتآكل الحس الأخلاقي تحت ضغط الجوع والخوف، وتظهر جرائم صغيرة ونفسيات متصدعة. الخطيب لا يريد بناء سردية محكمة، يريد أن يحاصرنا، أن يترك لنا مساحات ضيقة لالتقاط الأنفاس قبل أن يجرّنا إلى المشهد التالي. ينتقل الفيلم من مشهد إلى آخر بوعي كامل، كأنّ كل انتقال هو تذكير بأن الكرامة تتآكل تدريجاً تحت القصف، وأن النجاة ليست حدثاً، بل عملية مستمرة من التفاوض مع الواقع.
ما يوحّد الفيلم، هو الأداء المذهل للممثلين والواقعية الحيّة للمكان. تُستخدم الكاميرا المحمولة (تصوير اللبناني طلال خوري) بكثافة ووضوح، لتخلق لغة بصرية تُحاكي الارتباك والاختناق، بينما نحاصر بصوت (تصميم الصوت رنا عيد) الحرب وقصف الطيران.
ينجح الخطيب في تخفيف ثقل المشاهد عبر حس فكاهي خافت، يطلّ ثم يختفي. الكوميديا السوداء هنا ليست نفياً للرعب، بل تأكيدٌ عليه، تمنح الشخصيات مساحة لاستعادة إنسانيتها.
لا تخفّف من وطأة المعاناة، بل تجعلها أكثر قابلية للفهم عبر لحظات عبثية تُصبح جزءاً من مقاومة يومية. ينسج الخطيب هذه الخيوط المتشعبة، وإن أدّى الأسلوب الحلقي أحياناً إلى إضعاف الروابط العاطفية لمصلحة الصورة الكلية. لكن ربما هذا هو جوهر الفيلم، ليس حكاية شخصيات، بل تفكيك تجربة فلسطينية جماعية تُعاد صياغتها عبر وجوه مختلفة.
