
أمهلت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) شركة «أنثروبيك» المطوِّرة لنموذج الذكاء الاصطناعي «كلود» حتى الساعة 5:01 مساء غدٍ الجمعة للاستجابة لمطالب تتعلق بتوسيع نطاق استخدام النموذج في التطبيقات العسكرية، ملوّحةً بإجراءات قد تشمل إدراج الشركة ضمن قوائم تقييد سلسلة التوريد أو اللجوء إلى «قانون الإنتاج الدفاعي» الصادر في خمسينيات القرن الماضي.
الخلاف لا يدور حول وقف التعاون العسكري بالكامل، إذ يعمل «كلود» بالفعل داخل شبكات أميركية «مصنَّفة» (أي تشغيله على شبكات مغلقة مخصّصة لمعالجة معلومات حساسة تتعلق بالأمن القومي، مثل خطط عمليات وبيانات استخباراتية أو تقارير ميدانية)، وأسهم في مهمات مرتبطة بمؤسسات دفاعية.
إنما يتمحور حول شرطين تضعهما «أنثروبيك»: رفض استخدام النموذج في أسلحة ذاتية التشغيل من دون إشراف بشري، ورفض توظيفه في أنظمة مراقبة جماعية تستهدف مواطنين أميركيين. ووفق المعطيات المتداولة، لم تحظر الشركة بقية الاستخدامات العسكرية الممكنة، ما يعني أن النزاع يتركز على بنود محددة تتعلق بالاستقلالية الكاملة في إطلاق النار وبالمراقبة الواسعة داخلياً.
وأقرّ مسؤولون في وزارة الدفاع، في تصريحات صحافية، بأن الاعتماد الحالي على «كلود» كبير، مشيرين إلى حاجة ملحّة إلى قدراته داخل الأنظمة «المصنَّفة». ويُعد النموذج حالياً الوحيد الذي يعمل بصورة واسعة ضمن بنية تحتية عسكرية سرّية، في وقت لم تُنقل فيه نماذج أخرى إلى المستوى نفسه من التصنيف، ما يجعل استبداله خلال مهلة قصيرة أمراً معقداً من الناحيتين التقنية واللوجستية.
اللافت أن القانون الذي يُستدعى للضغط على الشركة صُمم أساساً لإجبار مصانع على إنتاج عتاد حربي في أوقات الطوارئ. وجرى اللجوء إليه في مرحلة سابقة لفرض إلزامات تتعلق بتقديم تقارير حول أنشطة الذكاء الاصطناعي. واليوم يُطرح استخدام الأداة القانونية نفسها في سياق مختلف: دفع شركة برمجيات إلى تعديل قيود أمان تضعها على نظام يولّد مخرجات احتمالية قد تكون خاطئة أحياناً.
من جهتها، ترى «أنثروبيك» أن الإبقاء على إشراف بشري في قرارات الاستهداف ضرورة تقنية وأخلاقية، نظراً إلى طبيعة النماذج اللغوية التي قد تنتج معلومات غير دقيقة بثقة عالية. في المقابل، تؤكد وزارة الدفاع أن مسؤولية الالتزام بالقانون تقع على الجهة المستخدمة للنظام، وهو ما يكشف اختلافاً في تقدير طبيعة النظام وإمكاناته ومجالات مسؤوليته.
يتزامن هذا التصعيد مع إنهاء «أنثروبيك» جولة تمويل ضخمة رفعت تقييمها إلى نحو 380 مليار دولار، مع مئات العملاء من المؤسسات الكبرى. ويُقدَّر عقدها مع البنتاغون بنحو 200 مليون دولار على عامين، وهو مبلغ محدود قياساً إلى حجم الشركة، ما يجعل كلفة التراجع عن سياساتها أعلى من العائد المالي المباشر.
الموعد النهائي مساء الجمعة يكشف حجم التعقيد في العلاقة بين سباق الذكاء الاصطناعي في العسكر ومتطلبات الحذر الأخلاقي التي تتمسك بها بعض الشركات عند دخولها المجال العسكري. كما يُظهر كيف أن الإرادة السياسية الأميركية، التي تعاملت سابقاً بحزم مع شركة «هواوي» الصينية، تمارس اليوم ضغوطاً قوية على شركة من داخلها لدفعها إلى الاندماج في ترسانتها العسكرية.

