
بين شاشاتٍ تُبقي الهواء مفتوحاً على القصف، وأخرى تخوض «حرب مصطلحات» حول توصيف الضحايا والعدوان، تكشف التغطية التلفزيونية للحرب على لبنان وإيران حجم الانقسام في الخطاب الإعلامي العربي. من بثٍّ مباشر يرصده «تلفزيون لبنان» من ضاحية بيروت الجنوبية، إلى سجالات الكلمات بين «الجديد» وmtv و«الجزيرة» و«الحدث»، يتحوّل الإعلام نفسه إلى جزء من معركة الروايات: ماذا يُقال، وكيف يُقال، ومن يُسمّى ضحية أو هدفاً
◄ «تلفزيون لبنان» حيّ يرزق
ينقل «تلفزيون لبنان» مجريات العدوان الصهيوني الحالي على لبنان مباشرةً وبشكل مستمرّ، مكملاً حتّى ساعات المساء المتأخّرة، بحيث يبقي هواءه مفتوحاً حتّى بعد إغلاقه على بعض القنوات الخاصّة. أمر جديد قياساً على العدوان الموسّع السابق عام 2024، كما سائر المحطّات المهمّة السابقة عندما توقّف التلفزيون عن البثّ باكراً أو حتّى تمنّع عنه، ما دفع كثر إلى مطالبته بالنقل المباشر. وحتّى بعد انتهاء البثّ من الاستديو، يترك «تلفزيون لبنان» بثّاً حيّاً لكاميرا موجّهة صوب ضاحية بيروت الجنوبية، مع وضع الأخبار العاجلة على الشاشة في حال أيّ اعتداء.
◄ «الجديد»: إجر بالبور وإجر بالفلاحة!
مثل mtv، يُلاحظ استخدام «الجديد» عبارات على غرار «إسرائيل» للإشارة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلّة، ولو بنسبة أقلّ بحيث ترد عبارة «فلسطين المحتلّة» كذلك. على سبيل المثال، نقلت «الجديد» خبراً عاجلاً الأربعاء مفاده أنّ «صفّارات الإنذار تدوّي في منطقة أفيفيم في الجليل الأعلى شمالي إسرائيل».
من جهة أخرى، ولئن تضع القناة جزءاً من اللائمة على «حزب الله»، إلّا أنّها لم تذهب كما شقيقتَيها إلى اتّهام الدولة والجيش بالتقصير في تلبية الإملاءات الأميركية. أوردت مثلاً في مقدّمة نشرتها مساء الأربعاء أنّ «النّصف الآخَر من المسؤولية يقع على عاتق اللجنة الخماسية الممثّلة بالـ«ميكانيزم» والمرؤوسة أميركيّاً.
وعلى مدى عام ونصف عام من اتّفاق تشرين لوقف الأعمال العدائية، لم يعدم لبنان ممثَّلاً برئاساته الثلاث زائداً قيادة الجيش وسيلةً ومناسبةً بالطرق المباشرة وغير المباشرة، إلّا وطالبوها بالضغط على «إسرائيل» لوقف اعتداءاتها. لكنّ صرخاتهم وتحذيراتهم من العواقب لم تكن سوى صرخة في برّية شريعة الغاب التي انتهجتها «إسرائيل» وتواصلها بحزام من نار وبارود يلفّ لبنان من أقصاه إلى أقصاه. وأمام الوضع القائم والمأزوم، اكتفت مصادر ديبلوماسية معنية بالتلويح والتهويل بأنّ ما هو قادم أسوأ وأصعب».
◄ «الجزيرة» تحت المجهر مجدّداً
دائماً ما واجهت قناة «الجزيرة» القطرية النقد حيال المصطلحات، إذ كانت تستخدم كلمات مثل «ضحايا» أو «قتلى» بدلاً من «شهداء» في الإشارة إلى الشهداء الفلسطينيّين واللبنانيّين بالجرائم الصهيونية، قبل أن يجبرها النقد الجماهيري على تصحيح «الخطأ». هذه المرّة، وصل الدور إلى الإيرانيّين، بحيث وصفت «الجزيرة» الفتيات اللواتي استشهدن في المجزرة الصهيونية-الأميركية على مدرسة ابتدائية، بأنّهنّ «قتلى» في منشور افتراضي عن جنازتهنّ، ما استدعى تعليقات غاضبة تؤكّد على أنّهنّ شهيدات وتطالب القناة بالتراجع عن خطئها.
◄ لا «اعتداء» في قاموس «الحدث»
لا تستخدم قناة «الحدث» التابعة لقناة «العربية» السعودية كلمات مثل «اعتداء» أو «عدوان» في توصيف المجازر الصهيونية، بل تعتمد بشكل شبه حصري على كلمة «استهداف»، إلى حدّ ينطق مراسلوها بكلمة أخرى ثمّ لا يلبثون أن يلاحظوا «خطأهم» ويعودون إلى الكلمة المطلوبة. وينطبق الأمر على الاعتداءات كافّة، أيّ تلك التي تضمّ «أهدافاً» عسكرية وتلك التي تنحصر بالمدنيّين، ما يطرح سؤالاً حول حرب المصطلحات والإصرار على هذه الكلمة، كأنّ المدنيّين هدف مشروع! من جهة أخرى، يُلاحظ نقل القناتَين المذكورتَين بعض ما ينشره «الإعلام الحربي» التابع لـ«حزب الله» من مقاطع لعمليّات المقاومة، ولو بطريقة عابرة، وهو تحوّل لافت في تغطيتهما قياساً على السابق.


