
في إطار الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، طلبت إدارة الرئيس دونالد ترامب من أوكرانيا أخيراً شيئاً يلخّص ما آل إليه العالم في جملة واحدة: مساعدتها في قتل المزيد من الإيرانيين. الدولة التي أُنهكت بحرب لم تخترها، وراحت تستجدي السلاح والمال والاهتمام لأربع سنوات، صارت اليوم مطلوبةً لتصدير خبرتها الدموية إلى حرب جديدة في غرب آسيا. ومثلما تُصدّر إسرائيل تقنياتها بعد نجاحها في «المختبر الفلسطيني»، ترى واشنطن في كييف مختبراً آخر.
على منصة «إكس»، كتب زيلينسكي: «تلقّينا طلباً من الولايات المتحدة للحصول على دعم محدد في مجال الحماية من شاهِد في منطقة الشرق الأوسط. أعطيت تعليمات بتوفير الوسائل اللازمة وضمان حضور اختصاصيين أوكران». وأضاف: «أوكرانيا تساعد الشركاء الذين يساعدون في ضمان أمننا وحماية أرواح شعبنا».
يعرف الجنود الأوكران الطائرات المسيّرة الإيرانية حق المعرفة. لأربع سنوات متواصلة، كانت «شاهد-136»، المسيّرة الإيرانية الصنع التي تستخدمها روسيا تحت اسم «جيران-2»، تسقط عليهم ليلاً. تعلّم الأوكرانيون كيف تسير، وكيف تخدع الرادار، وكيف تتكيّف مع التشويش. تعلّموا ذلك بثمن باهظ.
الجواب التقني الذي طوّرته أوكرانيا ضد «جيران-2» لم يُستورد من مختبرات وادي السيليكون. إنه خبرة شحيحة الموارد مبنية على الضرورة. طائرات اعتراضية سريعة، مثل «وايلد هورنتس»، تصل سرعتها إلى أكثر من 300 كيلومتر في الساعة، تطارد المسيّرات وتصطدم بها. شبكات تشويش إلكتروني تُعمي نظام تحديد المواقع في المسيّرات وتحرفها عن مسارها. رادارات صوتية تلتقط الصوت الخافت للمحرك قبل أن تظهر الطائرة على الشاشات. ويربط نظام إدارة ميدانية يُسمّى «ميشن كونترول» كل هذه العناصر في شبكة واحدة قادرة على تتبّع مئات المسيّرات في آن واحد وتوزيع مهمات الاعتراض على الوحدات المختلفة.
هل نجح هذا كله؟
من منظور تقني بحت، نعم جزئياً: أوكرانيا تُسقط نحو 80 في المئة من المسيّرات الروسية، وفق تقريرٍ لـ«آي بي سي نيوز»، نقلاً عن بيانات القوات الجوية الأوكرانية.
هذا رقم مذهل من الناحية التقنية. غير أن روسيا تعلّمت الدرس بسرعة وأطلقت، في بعض الأسابيع، أكثر من ألف مسيّرة خلال سبعة أيام، فكانت النسبة العشرون المتبقية كافية لإبقاء الملايين في الملاجئ وإلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية. المنطق القاهر في حرب مماثلة أنّ الكلفة غير متوازنة: صاروخ «باتريوت» يبدأ بمليون دولار ويصل إلى 4 ملايين دولار لإسقاط مسيّرة ثمنها 30 ألف دولار، وروسيا مستعدة لتقبّل خسارة 80 في المئة من مسيّراتها طالما أنّ الـ20 في المئة المتبقية تؤدي مهماتها.
اللافت أن الذكاء الاصطناعي لا يبدو، حتى الآن، هو قلب منظومة الاعتراض الأوكرانية. قرارات الاشتباك في كثير من الحالات ما تزال بشرية، من الرصد إلى لحظة الاعتراض. مع ذلك، لدى أطراف عدة برمجيات تصنيف وتتبع شبه مؤتمتة تساعد على الفرز وتوجيه الموارد.
المشكلة الأساسية تبقى الرادار، كما صرّح به قادة أوكران: يحتاج الذكاء الاصطناعي بيانات لحظية دقيقة لاتخاذ قرار، فيما المسيّرة الانتحارية الرخيصة مصمَّمة لتكون صغيرة وبطيئة ومنخفضة، فتعمل في النقطة العمياء لمعظم الرادارات الحديثة المصمَّمة لرصد صواريخ أسرع وأعلى. لهذا لجأ الأوكران إلى الرادار الصوتي والعين البشرية، وتركوا الخوارزمية.
الجيش الأميركي يبدو متفاجئاً بهذه التقنيات الحديثة
المشكلة الفعلية التي لم تُحلّ حتى اليوم هي الاستدامة. يستنزف الاعتراض الجيد ذخيرة الدفاع الجوي بوتيرة أسرع مما تستطيع المصانع الغربية تعويضه. اضطرت أوكرانيا تدريجاً إلى التحوّل نحو الحرب الإلكترونية بدلاً من الاعتراض المباشر، إذ إن تشويش المسيّرة وحرفها عن مسارها أرخص بكثير من إسقاطها بصاروخ. هذا الدرس تحديداً هو ما تريد الولايات المتحدة استيعابه في مواجهتها مع إيران.
الخبرة الأوكرانية ذات قيمة لا تُضاهى. صحيح أن الجيش الأميركي يمتلك تقنيات أرقى، غير أنه لم يواجه يوماً سرب مسيّرات انتحارية بهذا الحجم على مدى سنوات متواصلة. أوكرانيا وحدها فعلت ذلك، من دون أن يمنع ذلك وصول المسيّرات بالكامل.
في السياق الإيراني تحديداً، تحضر عوامل تُعقّد المشهد. المسيّرات الإيرانية التي تستخدمها روسيا هي نفسها التي تطلقها إيران مباشرة، غير أنّ إيران لم تقف عند «شاهد-136».
طوّرت «شاهد-149 غزة»، وهي أضخم طائراتها المسيّرة وأكثرها تقدماً، بوزن يتجاوز ثلاثة آلاف كيلوغرام، وقدرة على التحليق المستمر لخمسة وثلاثين ساعة بمدى ألفي كيلومتر. وطوّرت «حديد-110»، مسيّرة انتحارية بمحرك نفاث تبلغ سرعتها 510 كيلومترات في الساعة وسقف تحليق يصل إلى 30 ألف قدم، مع تصميم يُقلّص بصمتها الرادارية.
وطوّرت ما يُعرف بتكتيك الأسراب، عندما تُطلق مجموعات متداخلة من المسيّرات بتوقيت متتابع من اتجاهات مختلفة لإرباك منظومة الدفاع. خلال حرب الاثني عشر يوماً عام 2025 وحدها، أطلقت إيران أكثر من ألف مسيّرة.
هذا يعني أنّ درس أوكرانيا، المبني أساساً على مواجهة هدف رخيص وبطيء ومنخفض الارتفاع، لا ينتقل حرفياً إلى ساحة يتبدّل فيها شكل التهديد نحو مسيّرات أسرع وأعلى وأكثر تنوعاً. واشنطن تريد من كييف خبرة الاستنزاف وإدارة الكلفة، أكثر مما تريد وصفة جاهزة لإسقاط كل ما يطير.
أما المفارقة الأكثر استغراباً في هذا المشهد كله، فهي أن الولايات المتحدة ردّت على هذه التكنولوجيا بنسخها. والآن تريد نسخ تجربة من تعرّض لضرباتها. وغير المفهوم هنا أن الجيش الأميركي يبدو متفاجئاً بهذه التقنيات الحديثة، وصار يبحث عن الحلول في حربه على إيران خلال المعركة.

