ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

«سترينجلوف» الأميركي يقود البشرية إلى الفناء

ثقافة
|سينما
حفظ المقالة

يستعيد «دكتور سترينجلوف» راهنيته بوصفه تشريحاً ساخراً لجنون السلطة ومنطق الردع النووي، حيث تقود قرارات عبثية إلى حافة الفناء.

شفيق طبارة
شفيق طبارة
الخميس 19 آذار 2026
«سترينجلوف» الأميركي يقود البشرية إلى الفناء
الخط

يستعيد «دكتور سترينجلوف» راهنيته بوصفه تشريحاً ساخراً لجنون السلطة ومنطق الردع النووي، حيث تقود قرارات عبثية إلى حافة الفناء. بين الحرب الباردة وتوترات اليوم، يكشف الفيلم كيف يتحوّل العقل السياسي إلى أداة تدمير، حين تتقدّم الغريزة والقوة على أي حساب إنساني أو عقلاني


منذ اللحظة التي انفجرت فيها الفطريات النووية على شاشة «دكتور سترينجلوف أو: كيف تعلمت التوقف عن القلق وأحببت القنبلة» (1964)، أدرك الجمهور أنه أمام نهاية لا تشبه نهاية أخرى.

نهاية تُغنّي فيها الرومانسية بصوت فيرا لين بينما تتلاشى البشرية تحت وميض القنابل النووية. كان المشهد صادماً وساخراً ومخيفاً. أغنية تعدنا بأن «نلتقي مجدداً»، فيما يخبرنا المنطق بأنّ لا مكان للقاء بعد حرب تمحو البشر والحيوانات والنباتات. واليوم، بعد ستة عقود، يعود فيلم ستانلي كوبريك ليبدو أكثر راهنيةً من أي وقت مضى، عاكساً القلق الذي يخيّم على المشهد الجيوسياسي الراهن.

من الحرب الباردة إلى فوضى الحاضر

السخرية السوداء التي يقدّمها الفيلم من نزعات العسكرة، وخلل القيادة السياسية، والإيمان الأعمى بالتكنولوجيا، تتردد أصداؤها في عالم لا يزال محكوماً بالتهديدات النووية، والقيادات المتقلّبة، والمخاطر المتصاعدة لأسلحة مدعومة بالذكاء الاصطناعي وأنظمة القيادة المعرّضة للهجمات السيبرانية. ما كان يبدو مبالغةً في زمن الحرب الباردة بات اليوم تعليقاً حاداً على التوترات المتعددة الأقطاب، والتطرف الأيديولوجي، والمشهد السياسي الذي يزداد عبثيةً حتى يكاد يجعل نهاية كوبريك أقل خيالاً مما ظنناه.

صدر «دكتور سترينجلوف» عام 1964، في وقت كان فيه العالم الغربي لا يزال يعاني من ثلاثة أحداث دراماتيكية في الحرب الباردة: بناء السوفييت جدار برلين (1961)، وأزمة الصواريخ الكوبية (1961)، واغتيال جون إف. كينيدي (1963). لم يكن الفيلم معداً ليكون كوميدياً. بدأ كعمل مقتبس عن رواية بيتر جورج التشويقية «الإنذار الأحمر» (1958) التي تدور أحداثها خلال الحرب الباردة. لكن كلما أمضى كوبريك وقتاً أطول في التكفير في الفيلم وكتابته، كلما ازداد اقتناعاً بأنّ سياسات الحرب الباردة القائمة على «التدمير المتبادل» لا تعدو كونها مادة للسخرية.

هندسة العبث: شخصيات تقود إلى الكارثة

في الفيلم، يقرّر الجنرال جاك ريبر (ستيرلينغ هايدن)، أنّ الحرب النووية ضرورية ضد الشيوعيين، فيأمر سرباً من قاذفات بي ــــــ 52 (التي نسمع عنها كثيراً اليوم)، بمهاجمة الاتحاد السوفييتي. من جانبه، ابتكر السوفييت سلاحاً فتّاكاً قادراً على تدمير العالم بمجرد سقوط قنبلة واحدة على أراضيه. وفي ظل الخوف المتبادل، وبقيادة هذا الأحمق المتهور، يندفع العالم نحو الفناء.

سلطة تتغذّى على فكرة
أنّ القوة وحدها تكفي لإدارة العالم

تتألف القصة من ثلاثة محاور رئيسية: القاعدة الجوية التي انطلق منها الهجوم النووي، الطائرة التي تحمل القنبلة، وغرفة الحرب. يُسهم هذا المحور الثلاثي في بناء توتر متزايد، رغم أنّ المشاهد يعلم منذ البداية أن الكارثة حتمية.

لكن سرعان ما يتبدد هذا التشويق ليحل محله شعور بالعجز الكوميدي، فجميع الشخصيات إما غير كفؤة، أو متعصبة، أو ببساطة مجنونة. يؤدي بيتر سيلرز ثلاث شخصيات مختلفة: قائد سلاح الجو الملكي ليونيل ماندريك، والرئيس الأميركي ميركين مافلي المذهول الذي يحاول التفاوض مع رئيس الوزراء السوفيتي، وستريجلوف نفسه، وهو عالم ومستشار رئاسي مقعد على كرسي متحرك لا يستطيع كبح جماح ذراعه عن أداء التحية النازية.

السخرية كتشريح لجنون السلطة

من عنوانه، يُشير الفيلم إلى أنه هجاء سياسي، وكوميديا سوداء، ودراما مُرعبة. يوحي بأن نهاية العالم قد تكون على بُعد ضغطة زر، من خلال الرد على «الهاتف الأحمر» الأسطوري. يحوّل كوبريك هذا القلق الجماعي إلى ذكاء وسخرية وفكاهة لاذعة بقدر ما هي مقلقة.
يستخدم كوبريك الهراء لتضخيم الغرابة: جنرال مهووس بنظريات المؤامرة، رئيس متردد عاجز عن ترويض الآلة العسكرية التي يمثلها، وعالم أسير افتتانه التكنولوجي. صوّر شخصياته كنماذج كاريكاتورية للسلطة، مدمنةً على الكحول والجنس، ومبتلاة بأوهام العظمة.

تكشف الحوارات الساخرة، أشهرها: «أيها السادة، لا يمكنكم القتال هنا، هذه غرفة حرب!»، عن النفاق الداخلي للسلطة، بينما يُشيّد كوبريك عالماً رمزياً مُشوهاً منغلقاً على ذاته ومنفصلاً عن الواقع. وبينما يتحوّل خطر الفناء إلى عرض استعراضي كامل، يراه الدكتور سترينجلوف فرصةً ذهبية لتمرير جنونه تحت غطاء «الضرورة»، و«فرصة» لضمان بقاء الجنس البشري عبر ملاجئ تحت الأرض، بالحفاظ على من يمتلكون «الشباب والصحة والخصوبة والذكاء ومجموعة من المهارات الضرورية»، وبالطبع حرص على إشراك كبار المسؤولين في الحكومة والجيش «لغرس مبادئ القيادة والتقاليد المطلوبة».

يُفكك الفيلم منطق سياسة الردع النووي، وآلياتها العسكرية، وخطابها التكنوقراطي، وأخلاقياتها المحافظة المتشددة، من خلال مهزلة ذات أبعاد كونية. ولا تقتصر السخرية على سياق الحرب الباردة، بل تشير إلى شيء أعمق وأقدم، لا يزال حاضراً بقوة حتى اليوم: ميل الحضارة الغربية إلى وضع اختراعاتها (القنابل، والأنظمة، والعقائد) فوق منطق الحياة.

يسخر الفيلم من تصرفات القادة العسكريين الطفولية والمختلة. وكل تلك الآلهة التي خضعت وتخضع لها أميركا من خمسينيات القرن الماضي إلى اليوم، وبكل ما فيها من جمود وجنون ارتياب: القنبلة، والبنتاغون، ودولة الأمن القومي، والرئيس نفسه، والرجولة التكساسية، والخطر المزعوم. لا عجب أن رد فعل الجمهور الأولي كان رعباً من التشكيك في هذه الحقائق، أو السخرية من هذه الشخصيات. وبمجرد أن تجاوز ذلك، لم يتوقف عن الضحك، وانتزاع ركن صغير ومهم من أركان احترام الأمة للجيش بذكاء.

يعتمد الفيلم على دقّة بصرية خانقة: لقطات مقرّبة، قطع مفاجئ، وتكوينات هندسية صارمة تحبس الشخصيات داخل غرف ضيقة وممرات مغلقة. يتعمد كوبريك التناقض بين خطورة الموقف وعبثية الحوار، فيما تتحول غرفة الحرب إلى أيقونة سينمائية، فضاء وحشي تُتخذ فيه قرارات كارثية بجدّية مطلقة. وتكتمل مفارقة الفيلم. كلما بدا الخطاب أكثر عقلانية واستراتيجية، ازداد غرابة.

بينما تنزلق شخصياته إلى الهذيان، يحافظ كوبريك على رصانته الرسمية. ثمة تفاعل بين الشخصيات التي تعيش أزمة والشكل الذي يسوده توازن مطلق، مما يُولّد طبقة جمالية ميتافيزيقية: تهيمن يد المؤلف على السرد بينما تفقد شخصياته السيطرة على نفسها. في الفيلم، العالم خارج السيطرة، لكن نظرة كوبريك هي مركز الوضوح. تنشأ السخرية من هذا التنافر بين ما نراه وكيف نراه. في هذا السياق، يتحول «دكتور سترينجلوف» إلى رمز ثقافي يُستدعى كلما شعر الجمهور بأن الواقع يقترب من عبثية السينما.


أحمق البيت الأبيض

حين نضع تحفة كوبريك وشخصية دكتور سترينجلوف أمام السياسة الأميركية في عهد ترامب والحرب المشتعلة اليوم، يصبح الفيلم أشبه بمرآة مشروخة تعكس ثلاث طبقات من الجنون: جنون السلطة، جنون الخطاب، وجنون العالم حين يفقد توازنه.

فالفيلم لا يقدّم مجرد جنرال مهووس يضغط على زرّ النهاية، بل يقدّم نموذجاً لسلطة تتغذّى على الغريزة، على الاستعراض، على فكرة أنّ القوة وحدها تكفي لإدارة العالم. وهذا المنطق نفسه ظهر بوضوح في مرحلة ترامب، حيث تحوّل الخطاب السياسي إلى مواجهة مفتوحة، وتحوّلت الدولة إلى ساحة صراع بين المؤسسات وقائد يفرض إيقاعه الخاص، ويعيد تعريف حدود القوة، وحدود اللغة، وحدود ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله.

ومع الحرب الدائرة اليوم بكل ما تحمله من تصعيد، وتهديدات، وسباق تسلّح، وانهيار للثقة بين القوى الكبرى، يبدو عالم كوبريك أقل خيالاً مما ظنناه.

وهكذا، «دكتور سترجينلوف» ليس فيلماً عن الحرب الباردة، بل عن كل لحظة سياسية يتقدّم فيها الهوس على العقل، وكل حرب تُدار بمنطق القوة المطلقة، وكل قائد يعتقد أنّ العالم سيتحمّل اندفاعه. الفيلم يذكّرنا بأن النهاية لا تأتي من القنبلة، بل من العقل الذي يبرّر استخدامها، ومن السياسة التي تتعامل مع الحرب كأداة، ومن عالم يقترب من حافة الهاوية وهو يظن أنه ما يزال يملك السيطرة.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك