
تحوّل ظهور أرونداتي روي في نيودلهي إلى منصة سياسية أعلنت فيها موقفاً صريحاً ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، بوصفهما امتداداً لمشروع استعماري واحد. ربطت بين غزة وإيران وبيروت ضمن بنية عنف واحدة، مقدّمة قراءة راديكالية ترى في الثقافة أداة مواجهة مباشرة مع الاستعمار والهيمنة العالمية
حلَّت الروائية والناقدة الثقافية الهندية أرونداتي روي ضيفةً على نيودلهي لمناقشة كتابها «أمي مريم تأتي إليّ» ولإلقاء كلمة بشأنه. الكاتبة المعروفة بنقدها الحاد للهياكل الكبرى للسلطة، لم تلبث أن حوَّلت القاعة المستضيفة إلى منبر خطابي، والكلمة المرتقبة إلى دعوة سياسية.
أرونداتي روي، التي ترى أنّ الأدب يستحيل أن يكون محايداً، وكذلك صاحبه، التي تعتبر الثقافة، في إطار المدرسة المضادة للاستعمار (أنتي-كولونيالية) وسيلة لتفكيك السلطة والانفكاك عن الاستعمار، كانت من هؤلاء الذين سمّوا الأسماء بمسمياتها: ما (ي) حدث في غزة إبادة جماعية. وصفت الديمقراطية الغربية التي تضمر مشروعاً استيطانياً استعمارياً بـ«المنحطة». في خطابها، ستعيد روي تجديد حضورها الثوري هذا بحزم لا يلين، مؤكدة أنّ العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، ما هو إلا امتداد للهمجية التي خرجت عن عقالها في غزة سابقاً.
افتتحت روي كلمتها بالقول: «أعلم أننا اجتمعنا اليوم للحديث عن كتابي «أمي مريم تأتي إليّ». لكن كيف يمكننا أن نختتم هذا اليوم من دون أن نتحدث عن تلك المدن الجميلة، طهران، أصفهان، وبيروت، وهي تشتعل بالنيران؟» الدعوة التي لبتها روي في نيودلهي لم تكن مجرد مناسبة للترويج لكتابها أو لمناقشة مضامينه النظرية، بل جاءت فرصة لتشهر ما يشبه مانيفستو سياسياً.
سرعان ما عبّرت عن موقفها الراديكالي من حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، قائلة: «أود أن أستغل هذا المنبر لأقول شيئاً عن الهجوم غير المبرَّر وغير الشرعي الذي شنّته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، فهو، بطبيعة الحال، امتداد للإبادة الجماعية الأميركية–الإسرائيلية في غزة. إنها الإبادة نفسها، يمارسها الجلادون أنفسهم. لذلك دعوني أكتفي هنا بالقول إنني أقف مع إيران، بلا مواربة».
ضد أميركا
جاء موقف روي من الحرب الحالية مشحوناً ببلاغةٍ سياسية تتجاوز حدود التضامن الأخلاقي والاكتفاء به كالتنديد ضد العنف ورفضه. بدلاً من دعوتها إلى إيقاف الحرب، وهو الموقف السهل الذي يختار كثيرون تبنّيه، حذّرت من اتساع الحرب. الأديبة ما بعد استعمارية تدلّ بأصبعها على مرجع العنف: أميركا. «نحن نقف على حافة كارثة نووية وانهيار اقتصادي.
البلد نفسه الذي قصف هيروشيما وناغازاكي بصدد قصف واحدة من أعرق الحضارات في العالم». رفعت أرونداتي روي مستوى خطابها ليلامس التحليل البنيوي، موضحةً الجذر التاريخي للعنف وفاعله الأصلي.
ثمة علاقة عضوية بين الإمبراطورية والعنف الإنساني؛ هي إمبراطورية «متخمة، كاذبة، غشّاشة، جشعة، ناهبة للموارد، تمطر القنابل، ومعها حلفاؤها الذين يحاولون إرغام العالم كله على الخضوع» على حدّ قولها. إنّ كل الدعوات التي تنص على إيقاف الحرب لا تعني شيئاً. ذاك أنّ هناك من بدأ هذه الحرب التي هي امتداد لواحدةٍ قبلها، وهو لن يتوقف عندها، بل سيواصل مشروعه العدواني بلا هوادة. على هذا النحو، إنّ رفض الحرب، بمعناه الأخلاقيّ، هو رفض لهيمنة أميركا وبطشها بالمعنى السياسي.
أشارت إلى الإذلال الثقافيّ الذي يمارسه اليانكي المتنمّر بحق الهنود
على غرار أقرانها في مدرسة ما بعد الاستعمار، تنظر روي إلى العالم على أنه مترابطٌ علائقياً، فتتعامل مع المشهد السياسي بكليته، وبالتالي هي تعي تماماً أن العدوّ الخارجيّ يرتبط بنيوياً مع وكلاء محليين له، يعملون في خدمته ويسهلون عليه المهمة. لذا، لم تخلُ محاضرتها من نقدٍ لاذع لحكوماتٍ تابعة لأميركا وسياسيين وضعتهم أميركا في «جعبتها».
في هذا الإطار، نراها تشجب تصرفات الحكومة الهندية وتشن هجوماً نقدياً مقذعاً متسائلةً: «أيُّ شعبٍ نحن إذا كانت حكومتنا المنتخبة لا تستطيع أن تقف وتدين الولايات المتحدة حين تختطف وتغتال رؤساء دولٍ أخرى؟ هل نرضى أن يُفعل بنا ذلك؟ ماذا يعني أن يسافر رئيس وزرائنا إلى إسرائيل ويعانق بنيامين نتنياهو قبل أيام فقط من هجومه على إيران؟
ماذا يعني أن توقّع حكومتنا اتفاقاً تجارياً مذلاً مع الولايات المتحدة يبيع حرفياً مزارعينا وصناعتنا النسيجية بثمن بخس، قبل أيام من إعلان المحكمة العليا الأميركية عدم قانونية الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب؟ ماذا يعني أن يُسمح لنا الآن «بالإذن» لشراء النفط من روسيا؟ ما الذي نحتاج إلى إذنٍ آخر من أجله؟ للذهاب إلى الحمام؟ لأخذ يوم إجازة من العمل؟ لزيارة أمهاتنا؟».
مع إيران
على أنّ أرونداتي روي تأخذ الحرب مع إيران على أنها حربها الخاصة أيضاً، بمعنى أنها حربٌ تطالها شخصياً، كما تطال الطبقة الهندية المهمشة. هي لا تكتفي بتفكيك، ونقض، وتقويض البنى المهيمنة إنّما نجد في موقفها السياسيّ عنصراً من الانخراط الذاتي في الحرب. عدا عن هجومها المباشر على نظام دولتها، والوظيفة التي تلعبها الهند اليوم، واصفةً إياها بـ«أداة بيد الإمبريالية»، فقد أشارت إلى الإذلال الثقافيّ الذي يمارسه اليانكي المتنمّر بحق الهنود «كل يوم يسخر سياسيون أميركيون، ومن بينهم دونالد ترامب، منا ويهينوننا علناً.
ورئيس وزرائنا يضحك ضحكته الشهيرة الفارغة… ويواصل العناق». هؤلاء يسخرون من الشعب الهندي، رغم الإذعان والطأطأة السياسية والتطبيع المباشر الذي أرسته الحكومة والنظام. وفي لفتة حساسة، أشارت روي إلى التعالي الثقافيّ النابع من التفوّق الأبيض بحق العمال الهنود، إذ ذكّرت بقرار منع هؤلاء الذين يعملون في الكيان العبري الدخول إلى الملاجئ أوقات الحرب بسبب عرقهم، وبسبب انتمائهم إلى ما هو «خارج غربي».
تقول: «في ذروة الإبادة في غزة، أرسلت الحكومة الهندية آلاف العمال الهنود الفقراء إلى إسرائيل ليحلّوا محل العمال الفلسطينيين الذين طُردوا. واليوم، فيما يلجأ الإسرائيليون إلى الملاجئ، تُفيد التقارير بأن هؤلاء العمال الهنود لا يُسمح لهم بدخول تلك الملاجئ، ماذا يعني كل هذا بحق الجحيم؟ من الذي وضعنا في هذا الموضع المهين، المخزي، المقزّز في العالم؟».
إنها إذاً حربٌ غربيّة على كل ما هو «غير غربي»، هي حربٌ مفروضة فرضاً، حيث يتشابك البُعد الثقافي/ العرقيّ مع البُعد المادي، ولا يسهم في التخفيف عن همجيتها أو توقفها السلام أو الاستسلام ولا الإذعان.
وفي صلب كل هذا، تبدو أرونداتي روي متفائلة في ما يخص إيران. ترى نفسها أكثر من متعاضدة مع إيران، بما يشبه التماهي التام معها. إنّ «إيران ليست غزة» تقول. مقاربتها هذه ليست من باب المفاضلة، فقد سبق وقالت إن الحرب على إيران امتدادٌ لحرب غرّة، إنّما لأن إيران تكاد تكون دولة نووية، وعليه، في وسعها مجابهة قوة نووية همجية تدمّر العالم.
وروي التي تقف مع إيران «من دون مواربة» كما أفصحت، والتي تقاتل الاستعمار الاستيطاني والهيمنة المعرفية والسياسية بوصفها حروبها الدائمة، لا تبرّئ إيران من أزمات داخلية تعصف بها بسبب اهتراء بيروقراطي وفساد. فقد لمحت إلى ذلك بما يشبه الهمز «أنظمة تحتاج إلى التغيير ينبغي أن تغيّرها شعوبها لا قوة إمبراطورية متخمة».
التغيير الديمقراطي الحقيقي يأتي من الشعوب وليس على الطريقة الأميركية من خلال التدخل العسكري المباشر والحروب. بيد أنّ روي أردفت: «ستتاح فرص أخرى للحديث عن ذلك بالتفصيل». فالوقت الراهن حيث يهدد العدوان الهمجي واحدة من أقدم الحضارات، ليس لنقاش الأزمات الداخلية وفرص التغيير، بل لصد التوسع الإمبريالي أولاً.
الثورية المتفائلة
ليس من باب المبالغة وصف روي بأنها «ثورية متفائلة»، بل قد تُعد نموذجاً معاصراً للثورية المتفائلة بامتياز. وعلى النقيض من الكثير من المثقفين والروائيين والمنظرين الذين يميلون اليوم إلى صياغة موقف «مركب»، إذ يتباهون بقدرتهم على ولوج «الالتباس» واستخراج مواقف تنفي الطرفين بحجّة أنهما غير نقيضين، نجد روي واضحة وضوح الشمس، صريحة في مواقفها، لا تلتف وراء الخداع البلاغي، ولا تختبئ خلف خيوط التعقيد الزائف والاستعراض الجدلي.
وفي حين أنّ تحليل هؤلاء يفضي بهم إلى موقف عدمي، يساوي بين الطرف الذي يفرط في قوته ومن يدافع عن قوته، تسلك روي مساراً مختلفاً قائماً على التناقض الأساسي: رفض من يرتكب العنف بحق الآخر. هي لا تنغمس في التجريد النظري ولا تكتفي بالتحليلات المجردة عن العنف، بل تخرج إلى الواقع، فتقتفي أثر العنف، وتتوقف عند العنيف لتكشف عنه كفاعل مركزي في الأحداث.
تفاؤل أرونداتي روي الثوري هو رؤية لتغيير العالم، يبدأ بأهمية القدرة على المقاومة أي على القطيعة (وليس الإصلاح والعمل من الداخل) مع العالم العنيف كشرط أساسي لتغييره.

