أين تبخّر ليزر إسرائيل؟

روّجت إسرائيل لمنظومة «الشعاع الحديدي» على أنها مستقبل الدفاع الجوي، وأنفقت عليها المليارات، ورفعت سقف التوقعات إلى حدّ جعلها في المخيال العام سلاحاً جاهزاً للحظة الحسم. وعندما بدأت الحرب على إيران، لم يظهر هذا السلاح إلا في الدعاية. أما في السماء الحقيقية، فكانت للفيزياء كلمة أخرى
منذ أن بدأت شركة «رافائيل» الإسرائيلية الترويج للمنظومة عام 2014، وحتى الإعلانات المتكررة عن جاهزيتها، كان الوعد: منظومة ليزر بقوة 100 كيلوواط قادرة على اعتراض الطائرات المسيّرة والصواريخ وقذائف الهاون، بكلفة طلقة واحدة لا تتجاوز بضعة دولارات، مقابل آلاف الدولارات التي يكلفها صاروخ اعتراضي من «القبة الحديدية».
الحجة الاقتصادية مقنعة تماماً. حروب الاستنزاف الحديثة تعتمد على إغراق الخصم بموجات متلاحقة من الطائرات المسيّرة الرخيصة حتى ينفد مخزون صواريخ الاعتراض الباهظة. إيران وحلفاؤها أتقنوا هذه اللعبة. والجواب المنطقي كان سلاحاً لا ينفد: شعاع ضوء يُطلق من مصدر كهربائي، لا ذخيرة تنتهي، ولا مخزون يُستنفد.
استثمرت إسرائيل المليارات في المشروع. ووعدت الحكومة المستوطنين بأنه سيُغيّر معادلة الدفاع الجوي إلى الأبد. وحين بدأت الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، كان الجميع ينتظر اللحظة التي سيُضيء فيها الليزر سماء تل أبيب. غير أنّ ذلك لم يحصل، سوى في مقطع فيديو واحد مزيّف.
الليزر الذي خذل إسرائيل
رفض «الجيش» الإسرائيلي التعليق على دور منظومة «الشعاع الحديدي» في الحرب الدائرة، فيما تكشف التقارير أنّ استخدامها ظلّ هامشياً جداً، وأنها غير جاهزة للنشر المنتظم في مواجهة التهديدات الإيرانية.
في 12 آذار (مارس) الحالي، نشرت صحيفة «غلوبز» الاقتصادية الإسرائيلية، أحد أعرق المنابر المالية في الكيان، تحقيقاً لافتاً: اعتراف علني بفشل أحد أكثر مشاريع التسليح الإسرائيلية كلفةً وتبجيلاً. الصحيفة، التي تُعدّ مرجعاً للمؤسسة الاقتصادية والأمنية الإسرائيلية، لم تكتفِ بطرح تساؤلات من الخارج، بل استشهدت بضباط متقاعدين وباحثين أمنيين من داخل المنظومة نفسها.
بدأت القصة بصورة مخزية: في كريات شمونة وكيبوتس دفنا، انطلقت طائرات مسيّرة معادية وتجوّلت في الأجواء من دون أن يعترضها شيء، حتى أُسقط بعضها بالرصاص، وبعضها الآخر ببنادق هجومية يدوية. حدث ذلك في وقت كانت فيه منظومة «الشعاع الحديدي»، التي كلّفت المليارات، منتشرة في المنطقة نفسها. واللافت أنّ «الجيش» الإسرائيلي رفض التعليق على دور الليزر في المعارك، فنشأ في الفراغ الإعلامي مقطع مزيّف على وسائل التواصل الاجتماعي يُظهر شعاع ليزر يُسقط صواريخ متتالية، وهو ما وصفته الصحيفة بأنه لا يمتّ إلى الواقع بصلة، إذ إنّ الشعاع أصلاً لا يُرى بالعين المجرّدة من أي مسافة.
أقرّ اللواء المتقاعد ران كوخاف، القائد السابق لـ «قوات الدفاع الجوي» والباحث في معهد Royal United Services في لندن، بأن المنظومة تمثّل «اختراقاً تكنولوجياً مثيراً للإعجاب» بالفعل، وأضاف أنّ التوقعات المبنية حولها مبالغ فيها، وأنّها لا تزال في طور النشأة، وتعمل على مدى قصير جداً، وتتأثر بالضباب والعواصف الرملية والغيوم، ولا تصلح مطلقاً لمواجهة الصواريخ أو التهديدات الإيرانية.
كفاءة الليزر لا تتجاوز
30 في المئة فقط
وأشار إلى أنّ التطور الإيراني وتطور «حزب الله» في مجال الطائرات المسيّرة الصغيرة يسيران بوتيرة أسرع من تطور الليزر، وهو النمط نفسه الذي تكرّر في حرب روسيا وأوكرانيا.
وكشف يهوشواع كاليسكي، من «معهد الأمن القومي الإسرائيلي» INSS، عن المعضلة الفيزيائية: كفاءة الليزر لا تتجاوز 30 في المئة فقط، ما يعني أنّ 70 في المئة من الطاقة تتبخّر على شكل حرارة.
وكلما رُفعت القدرة لمواجهة تهديدات أكبر، ازدادت نسبة الحرارة المُولَّدة وتعقيدات تصريفها، إلى أن تتحوّل إلى عقبة هندسية حقيقية. ثم تأتي مشكلة الأسراب: تعمل المنظومة بشكل متسلسل وتُعالج هدفاً واحداً في كل لحظة، ولإسقاط سرب كامل من الطائرات المسيّرة، تحتاج إلى منظومات عدة تعمل بتنسيق متزامن، وهو تنسيق لم يتحقق على أرض الواقع. فضلاً عن ذلك، فإنّ تغطية الحدود الشمالية وحدها تستلزم مليارات إضافية لم تُرصد بعد في أي ميزانية.
حدود التقنية
القيد الأول هو الطقس. الليزر شعاع ضوء، والضوء يتشتّت حين يمرّ عبر جزيئات الماء والغبار المعلّقة في الهواء. في الأيام الغائمة والممطرة، ينهار المدى الفعّال للمنظومة بشكل درامي. منطقة غرب آسيا ليست صحراء جافة دائماً، ورطوبة السواحل ورذاذ البحر الأبيض المتوسط يكفيان لتحويل هذا السلاح إلى مصباح ليلي.
القيد الثاني هو التسلسل. تعالج المنظومة هدفاً واحداً في كل لحظة. تُثبّت الشعاع، وتُسخّن الهدف لثوانٍ حتى يتدمّر، ثم تنتقل إلى التالي. هذا يعني أنّ سرباً من عشرين طائرة مسيّرة تتساقط في آنٍ واحد يتجاوز قدرة المنظومة حسابياً. وتستخدم إيران في الحرب هذا الأسلوب بالضبط: أسراب كبيرة متزامنة مصمّمة لإغراق كل منظومة دفاعية.
القيد الثالث هو السرعة. الصواريخ الباليستية التي أطلقتها إيران تسير بسرعات تتجاوز ألف متر في الثانية. والليزر يحتاج إلى ثوانٍ لتسليط كمية حرارة كافية على الهدف لتدميره. وحين يكون الهدف قادراً على قطع هذه المسافة الزمنية بسرعة عالية، لا تنجح المنظومة. القيد الرابع هو الحرارة. الليزر نفسه يسخن حين يعمل.
فالطاقة الكهربائية التي يستهلكها يتحوّل جزء منها إلى حرارة داخلية تتراكم. وبعد عدد معين من الطلقات المتتالية، يضطر النظام إلى التوقّف كي يبرد، وإلا تضرّرت مكوّناته الحساسة. وحصول هجوم صاروخي كثيف، يعني توقّف النظام للتبريد في اللحظة التي يكون أكثر احتياجاً إلى العمل فيها.
أسلحة الليزر: من يصنعها، من نجح، وما المشكلات؟
لم يعد سباق التسلّح بالليزر محصوراً بالولايات المتحدة وإسرائيل، إذ صار اتجاهاً عالمياً يضم أكثر من خمس عشرة دولة، في وقت بلغت فيه قيمة سوق أسلحة الليزر العسكرية 7.83 مليارات دولار عام 2025، مع توقّعات بارتفاعها إلى نحو 14 ملياراً بحلول 2034.
تتصدّر الولايات المتحدة هذا المسار بفضل أكبر محفظة استثمارية في المجال، وقد وقّع جيشها في شباط (فبراير) 2025 عقداً بقيمة 200 مليون دولار مع «لوكهيد مارتن» و«نورثروب غرومان» لتطوير منظومة ليزر بقوة 300 كيلوواط مخصصة للتركيب على مدمرات «أرلي بيرك».
ويُعدّ نظام «هيليوس» البحري أبرز إنجاز أميركي عملي حتى الآن، بعد إثبات قدرته على إسقاط طائرات مسيّرة في اختبارات ميدانية متكررة، مع بقاء أدائه الفعلي في الحروب الواسعة موضع اختبار. وفي بريطانيا، ظهر نظام «دراغون فاير» عام 2025 بعد نجاحه في تتبّع وتدمير طائرات مسيّرة بسرعة 650 كيلومتراً في الساعة، وإصابة أهداف بحجم قطعة نقدية من مسافة كيلومتر، ما دفع لندن إلى منح شركة MBDA عقداً بقيمة 316 مليون يورو لتسليم أولى المنظومات إلى البحرية الملكية بحلول 2027.
ودخلت ألمانيا الميدان عبر شراكة بين «راينميتال» وMBDA، وأجرت تجارب ناجحة على الفرقاطة «زاكسن»، فيما فاجأت أستراليا السوق بمنظومة «أبولو» بقدرة 150 كيلوواط. كذلك، اختبرت الهند منظومة بقدرة 30 كيلوواط، وتعمل على تطوير منظومة «سوريا» بقدرة 300 كيلوواط، فيما كشفت أوكرانيا عن منظومتي «ترايزوب» و«سليم بيم» للاستخدام الميداني المباشر. والصين أيضاً نشرت أنظمة ليزر بحرية وبرية ضمن سباقها مع واشنطن.
مع ذلك، تصطدم هذه المشاريع كلّها بعقبات مشتركة تتعلق بالطاقة والتبريد والإدارة الحرارية، إضافة إلى محدودية الاشتباك مع هدف واحد في كل مرة، ما يضعف فعاليتها أمام الأسراب الكثيفة والصواريخ الباليستية السريعة.

