
بعدما نشرت صحيفة «ديلي تيليغراف» تحقيقاً بعنوان «المسيحيون و«حزب الله» متّحدون في مواجهة إمبراطوريّة إبستين»، سرعان ما حذفته عن موقعها الإلكتروني. وثّق التقرير المحذوف لجوء مسيحيي البقاع إلى «حزب الله» بهدف مواجهة الأخطار المشتركة: شهادات عن حماية القرى والكنائس وتعاون يومي في وجه محور إبستين وشركائه في المنطقة
بعكس اتجاه الرياح الإعلامية التي تجهد ليل نهار، بمحرّكات خارجية، لبثّ الفتنة والكراهية بين اللبنانيّين، خرج تحقيق إعلامي لصحيفة «ديلي تيليغراف» ليدحض السردية المصطنعة حول تغلغل الأحقاد بين أبناء الشعب الواحد. وما لبث التقرير الإعلامي الغربي المستند إلى شهادات المواطنين حيال مشاعرهم وتجاربهم مع أبناء جلدتهم، أن تحوّل إلى كرة نار تهدم الغرف الإعلامية السوداء في لبنان والمنطقة. لهذا سارعت الصحيفة البريطانية إلى حذف التقرير عن موقعها ومحاولة إخفاء أي أثر له.
لكن خطوة الصحيفة بسحب تقريرها، أسهمت، عن غير قصد، في الترويج له بشكل متزايد. وبعدما تمكّن ناشطون من الحصول على نسخ عنه من موقع «ياهو»، سرعان ما انتشر كالنار في الهشيم عبر منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً بين المستخدمين الغربيّين الذين اكتشفوا الوجه الآخر للعلاقة بين المكوّنات اللبنانية، بعيداً عن صورة التباعد المدفوعة من «شعراء البلاط».
انصهار وطني
عرضت صحيفة «ديلي تيليغراف» التحقيق يوم 23 آذار (مارس) الماضي، قبل حذفه في وقت لاحق، تحت عنوان «صادم»: «المسيحيون و«حزب الله» متّحدون في مواجهة إمبراطوريّة إبستين». وبينما تؤكد شهادات المواطنين صدقيّة هذا العنوان، إلا أنّ الماكينة الإعلامية جهدت على مدى سنوات، ووصلت إلى ذروتها في الآونة الأخيرة، لتصوير الشريحة المسيحية في لبنان ضمن خانة المعادية لشريكها الآخر في الوطن.
لكنّ صدمة العنوان شكّلت نقطة في بحر مضمون التقرير، إذ برزت مقابلات أجرتها الصحيفة البريطانية في قرية رأس بعلبك الكاثوليكية، حيث يعيش حوالى 6 آلاف من سكانها بجوار الحدود السورية. ومن بداية العمل الصحافي، توضح الصحيفة أنّ السكان المسيحيين صهروا علاقة تحالف مع الحزب لحماية حياتهم وحضاراتهم الثقافية. بالإضافة إلى ذلك، أوردت «ديلي تيليغراف» بأنّ الحزب يهدي القرية شجرة عيد الميلاد، في خطوة صغيرة لكنها كاشفة للوحدة الوطنية في المنطقة.
في هذا السياق، أجرت الصحيفة مقابلات مع أبناء البلدة، ومن بينهم رفعت نصرالله، الذي وصف علاقة سكّان القرية مع الحزب بـ«الأقوى من علاقتهم مع بابا الفاتيكان»، معتبراً أنّ الأخير لم يفعل شيئاً سوى الدّعاء لهم، بينما الحزب دفع الدماء لحمايتهم من الأخطار المحدقة.
أجريت المقابلة في منزل نصرالله في ظلّ تواجد لعسكريين من الجيش اللبناني، وأشار تقرير الصحيفة إلى أحد الجدران حيث يُعلّق الرجل الستيني صليباً إلى جانب صورة للأمين العام الرّاحل لـ «حزب الله»، حسن نصرالله، في مشهد وصفته الجريدة البريطانية بأنّه دلالة على التّعايش بين الإيمان الكاثوليكي والحزب.
وحدة الدماء
من جهة أخرى، تطرّق التقرير الصحافي إلى حقبة العقد الماضي، حين وصل تهديد المتطرّفين في سوريا إلى البقاع اللبناني، وما تخلّله من غزوات متكرّرة وعمليات خطف للعمّال والمزارعين من أبناء المنطقة، مع تهديدات دائمة بذبح السكان. وهنا تُشير الصحيفة البريطانية إلى أنّ الحزب كان أوّل من دافع عن الحدود اللبنانية في البقاع في ظلّ تخلّف الآخرين عن هذه المهمّة.
مقابلات مع أبناء البلدة، من بينهم رفعت نصرالله، الذي وصف علاقة سكّان القرية مع الحزب بأنّها «أقوى من علاقتهم مع بابا الفاتيكان»
بالعودة إلى رفعت نصرالله، يشير إلى أنّ الحزب قاتل مع أبناء بلدة رأس بعلبك دفاعاً عن منطقتهم، وجُرحوا وقُتلوا جنباً إلى جنب.
أمّا بالنسبة إلى التحديات الحالية، فيلفت التقرير إلى توتّر من مسيحيّي البقاع من انشغال الحزب في التصدّي للعدوان الإسرائيلي، وسط مخاوف من استغلال المجموعات المتطرّفة في سوريا ذلك بهدف شنّ هجمات على المنطقة البقاعية. لكنّ نصرالله أجاب بكلمات خرقت في عمق البروباغندا الطاغية: «إسرائيل هي عدوتنا الأولى، والحزب هو صديقنا».
بالإضافة إلى ذلك، قال أحد النازحين للصحيفة إنّ فترة ما بعد وقف إطلاق النار في عام 2024، وما تخلّلها من غارات واستهدافات «قاسية»، أدّت إلى صدمات نفسية بين السكان وفقدان الثقة بالقوى العالمية والتزاماتها. ونقل التقرير عن النازح قوله: «نحن في حرب مع جماعة إبستين، هؤلاء الوحوش يأكلون ويغتصبون الأطفال، والأسوأ في الموضوع أنّهم يحكمون العالم».
أنهت الصحيفة تقريرها باقتباس إفادة ابن بلدة رأس بعلبك بقوله: «كيف يمكن أن لا نكون كمسيحيّين مع الحزب الذي حمى كنائسنا وقاتل المتطرفين معنا، واهتمّ بأمورنا وزوّدنا بمولّدات الكهرباء، وصولاً إلى إهدائنا شجرة الميلاد، فكيف لا نكون معهم في هذه المعركة الآن».
عملت البروباغندا المحلية والخارجية، المدفوعة بأجندات سياسية محليّة وإقليمية ودولية، على إرساء صورة عن تململ مسيحيّي لبنان تجاه الحزب وبيئته.
يقول رابع الخلفاء الراشدين، علي بن أبي طالب، «حين سكت أهل الحقّ عن الباطل، توهم أهل الباطل أنّهم على حقّ». وبعد 1400 عام، استطاعت شهادة واحدة من أهل الحقّ اختراق قلب الحرب الإعلامية الشعواء التي تحاول إيهام المكوّنات المختلفة بأن لا مكان للحبّ والتعايش في ما بينهما، وإغراقها بمشاعر الحقد والكراهية والشرذمة عبر تحوير الأحداث واستنساب الخبر لخلق أجواء مشحونة. لكنّ شهادة واحدة من أرض الواقع كانت كفيلة في نحر هذه البروباغندا وإزالة مفعول جزء كبير من الحملة الإعلامية التي رُصدت لها أموال طائلة.

