
كيفما قولبتها، تبقى الحرب حدثاً مروّعاً في جوهره. هي خراب منظّم، ومصنع للموت والخوف. غير أن التمعّن فيها، ولو للحظات قليلة بعيداً من إيقاع العاجل، يكشف أحياناً تحوّلات مذهلة في شكلها. قد تلاحظ، مثلاً، كيف صار البلاستيك قوةً تذيب دبابة، وكيف أن اسم «كاتيوشا»، رغم كل الفانتزمات التي تحيط به، تتقدّم عليه اليوم تقنيةٌ يبدو اسمها أقرب إلى الألعاب الإلكترونية وثقافة الشباب الرقمي: مسيّرة FPV. ومع ذلك، قد يكون أثرها في الميدان أشد حسماً من كثير من الأسلحة التي أحاطتها هالة أكبر عبر العقود.
مسيّرات FPV
بدأ هذا النوع من المسيّرات بالانتشار تدريجياً منذ عام 2010، في عالم الهواة والتصوير الجوي وسباقات الطائرات الصغيرة. وكانت فكرته الأصلية تعتمد على منح المشغّل إحساساً بأنه داخل المسيّرة نفسها: يضع نظارة مزوّدة بشاشة، فتظهر أمامه الصورة التي تلتقطها الكاميرا المثبّتة على مقدّمتها خلال الطيران. وهكذا صار يقودها كما لو أنه يرى بعينيها. ومن هنا جاءت تسمية FPV، أي الرؤية من منظور الشخص الأول (First Person View).
مع الحرب في أوكرانيا، دخلت هذه التقنية ميدان القتال. أُلصقت بها قذائف وشحنات متفجرة صغيرة، فتحوّلت سريعاً إلى ذخيرة طائرة موجّهة بصرياً، قادرة على مطاردة الهدف حتى اللحظة الأخيرة. وما يمنحها خطورتها هو دقتها ومرونتها وسعرها البخس، مقارنة بالأهداف التي يمكن أن تصيبها. فهي قادرة على الدخول من زوايا ضيقة، وملاحقة آلية متحركة، واستهداف نقطة ضعف محددة في مركبة أو موقع محصّن.
وازدادت خطورة هذه المسيّرات مع ظهور نسخ تعتمد على الألياف الضوئية. في هذه الحالة، تنشر المسيّرة خلفها سلكاً رفيعاً خلال الطيران، يربطها بالمشغّل مباشرة، عوض الاعتماد الكامل على الإشارة اللاسلكية. وهذا يضعف فعالية كثير من وسائل التشويش التقليدية التي صُمّمت لقطع الاتصال الراديوي أو إرباكه. وبكلمات أخرى، صار إسقاط هذا النوع أكثر صعوبة، وصارت مواجهته تتطلب وسائل مختلفة وأكثر تعقيداً.
إلى جانب ذلك، ساعدت الطباعة الثلاثية الأبعاد في جعل إنتاج هذه المسيّرات أسرع وأسهل وأرخص. فهذه الطابعات قادرة على تحويل حبيبات البلاستيك إلى هياكل وأجزاء مصمّمة بدقة، سواء أكانت أدوات منزلية بسيطة أم مكونات لطائرة مسيّرة. وهذا يعني أن تصنيعها لم يعد حكراً على الشركات العسكرية الكبيرة. عملياً، تستطيع مجموعة صغيرة من الأشخاص، إذا امتلكت خبرة في الإلكترونيات والتجميع، أن تنتج عشرات المسيّرات في يوم واحد. وهذا ما يحصل في أوكرانيا اليوم، حيث صارت الورش الصغيرة جزءاً من اقتصاد الحرب، وصار البلاستيك نفسه عنصراً أساسياً في صناعة سلاح يطارد المدرعات ويبدّل معادلات الميدان.
مقاومة حديثة
وقد أكدت قوى المقاومة العراقية واللبنانية استخدامها هذا النوع من المسيّرات، وهو ما تظهره لقطات الفيديو المنشورة من ساحات الاشتباك. في العراق، ظهرت هذه المسيّرات في ضرب أهداف أميركية حساسة قرب مطار بغداد الدولي، من بينها مروحية «بلاك هوك» ورادار «سينتنل» للدفاع الجوي. وفي جنوب لبنان، استُخدمت هذه المسيّرات ضد تجمعات جيش العدو وآلياته ومواقعه، ضمن نمط اشتباك يعتمد على الرؤية المباشرة، والملاحقة اللحظية، واختيار نقطة الإصابة بأكبر قدر ممكن من الدقة. وهذا وحده يكفي لفهم حجم التحول.
ترفع FPV كفّة قوى المقاومة لأنها تمنحها ما كان يحتاج سابقاً إلى سلاح جوّ مصغّر
وترفع مسيّرات FPV كفّة قوى المقاومة لأنها تمنحها ما كان يحتاج سابقاً إلى سلاح جوّ مصغّر: عيناً فوق الميدان، وقدرة على التتبّع اللحظي، وضربة دقيقة بكلفة منخفضة. وفي الأدبيات الاستراتيجية الحديثة، تُفهم هذه النقلة باعتبارها انتقالاً من «عدم التماثل الضعيف» إلى «عدم التماثل الذكي»؛ أي من الاكتفاء بإزعاج الخصم إلى امتلاك قدرة فعلية على تهديد أصوله العالية القيمة بأدوات رخيصة وقابلة للتكرار. وتتحدث تقارير CSIS عن دروس أوكرانيا بوصف هذه الظاهرة جزءاً من تحوّل أوسع في الحرب، بعدما صارت الأنظمة الرخيصة القابلة للاستهداف الدقيق تنتج أثراً عملياتياً أكبر من كلفتها بكثير، وصارت التحركات الثقيلة والمرئية، مثل الدبابات والعربات والتجمعات، أكثر هشاشة أمام طائرات صغيرة.
واستراتيجياً، تغيّر هذه المسيّرات ميزان القوة عبر أربع آليات مترابطة، بحسب مركز «راند». أولاً، تخفّض كلفة الدقة: فالجهة التي لا تملك طيراناً حربياً أو ذخائر موجّهة باهظة تستطيع الآن أن تصيب راداراً أو مروحية أو آلية. ثانياً، تفرض على الخصم اقتصاد استنزاف مختلاً، فتصبح حماية الأصل الغالي أكلف كثيراً من أداة مهاجمته، حين يُستنزف مخزون الدفاعات ووقت المشغّلين والانتباه العملياتي بأعداد كبيرة من الوسائط المنخفضة الكلفة. ثالثاً، تضغط على وتيرة قرار الخصم، لأن التهديد المنخفض الارتفاع والسريع الظهور يختصر زمن الإنذار ورد الفعل. رابعاً، تمنح المقاومة قدرة على التعلم السريع والتعديل المستمر، لأن هذه المنصات تُطوَّر في دورات قصيرة، وتُكيَّف وفق خبرة الميدان بوتيرة أسرع من دورات التسلّح التقليدية.
وتزداد قيمة FPV في حروب المقاومة لأنها تعمل عبر التعطيل والإرباك والتشتيت. وبحسب مركز CSIS، يكفي أن تصبح القاعدة أو الموقع أو الرتل تحت تهديد دائم من أجسام صغيرة يصعب رصدها على ارتفاع منخفض، حتى يضطر الخصم إلى تفكيك تمركزه، وإعادة توزيع دفاعاته، وزيادة الحراسة البصرية والإلكترونية، وتأخير الحركة اللوجستية، ورفع كلفة كل انتقال وإقلاع وتمركز. وهذا ما يجعل الأثر السياسي والعسكري للمسيّرة أكبر من وزنها المادي: فهي لا تدمّر الأصل فقط، إنما تدفع الخصم إلى العيش في وضعية دفاع مستمر. كما دفعت تجارب أوكرانيا باحثين ومؤسسات دفاعية إلى التأكيد أن الطائرات الصغيرة الرخيصة أعادت تعريف قابلية الاستهداف، وقلّصت هامش المناورة للقوات التقليدية الثقيلة، ورفعت قيمة الإخفاء والتمويه والانتشار على حساب الحشد الكلاسيكي.
ويُضاف إلى ذلك أن تطور النسخ العاملة بالألياف الضوئية يوسّع هذه الميزة أكثر، لأن جزءاً من أدوات الحرب الإلكترونية التقليدية يفقد فعاليته حين لا تعتمد المسيّرة على وصلة راديوية قابلة للتشويش. وتشير تقارير حديثة عن أوكرانيا إلى أن المسيّرات الموصولة بالألياف الضوئية صارت تُعامل باعتبارها تحدياً خاصاً لأنها تقاوم التشويش، ما يدفع الخصم إلى البحث عن إسقاط مادي مباشر أو اعتراض قريب، وهو أصعب وأغلى وأبطأ. وفي هذه اللحظة تحديداً، تتعاظم ميزة قوى المقاومة: أداة صغيرة، قليلة الكلفة، قادرة على اختراق بيئة مشبعة بالحساسات، وإجبار خصم أثقل تسليحاً على إنفاق المزيد من الموارد كي يحافظ على مستوى الحماية نفسه.


