أورويل في الشرق الأوسط: إعلام وحروب وتزييف منظّم
في فيلم «أورويل 2+2=5» (2025)، يستعيد راؤول بيك سيرة جورج أورويل ليقرأ الحاضر عبر نصوصه. من «1984» إلى حروب أوكرانيا وغزة، يكشف العمل كيف تتكرر آليات الشمولية اليوم عبر الإعلام والتكنولوجيا


في فيلم «أورويل 2+2=5» (2025)، يستعيد راؤول بيك سيرة جورج أورويل ليقرأ الحاضر عبر نصوصه. من «1984» إلى حروب أوكرانيا وغزة، يكشف العمل كيف تتكرر آليات الشمولية اليوم عبر الإعلام والتكنولوجيا، مظهراً تطبيع العنف وتزييف اللغة، وتواطؤ الأنظمة الديمقراطية والاستبدادية معاً.
الكتابة على حافة الموت: ولادة «1984»
كان ذلك العام الأخير في حياة جورج أورويل (1903–1950). عام يكتب فيه وهو يختنق. عليه أن يُنهي «1984»، والرواية تُثقل عليه مثل وصيّة يعرف أنه لن يعيش ليرى أثرها. جسده ينهار، يتنقّل بين المصحّات، ثم يلوذ بذلك البيت الريفي في جورا، في أقصى إسكتلندا، ليكتب في عزلة قاسية، حياة تقشّف لا تشبه سوى فكرة رجل يكتب وهو يراقب موته يقترب خطوة خطوة. هذا التوتر، أن تُدرك أن عليك إنهاء كتاب بينما المرض ينهشك، يصنع لحظة مفصلية في مسيرة كاملة.
صدرت الرواية. حاول أورويل أن يكون صادقاً، رغم أن الصدق كان مؤلماً. لم يُجامل نفسه ولا الآخرين. سجّل، بدقّة جراح ما رآه من انحطاط. وعلى فراش الموت، سلّم مهمّة إنقاذ العالم إلى التمسّك بالقيم الأخلاقية. لم يكن يتنبأ، لم يكن نبيّاً. كان يصف، بوضوح بارد، آليات الشمولية كما رآها في ديكتاتوريي عصره، من الداخل، من البنية نفسها.
راؤول بيك: استعادة الماضي لفهم الحاضر
كُتبت عن أورويل كتب لا تُحصى، واستُشهد بـ«1984» حتى الاستنزاف، غالباً لاستخلاص ذلك الاستنتاج المريح والخطير معاً، أن مجتمعاتنا تنزلق نحو الظلام، نحو الوجه الذي رسمته الرواية، الاستبداد، والمراقبة، وسحق الفرد. لذلك، أي مقال أو فيلم وثائقي عن أورويل يبدو، تلقائياً، درساً مباشراً، سبق أن رأيناه وسمعناه. هذه الحقيقة كان يعرفها المخرج الهايتي راؤول بيك جيداً حين بدأ فيلمه الجديد «أورويل 2+2=5» (2025). فهو يدخل إلى منطقة مشبعة، لكنه يفعل ذلك وهو واع تماماً لثقل الإرث الذي يتعامل معه.
بيك، المعروف بأفلامه الوثائقية والروائية، يواصل مشروعه المعتاد، العودة إلى شخصيات من الماضي كي يعيد النظر في العالم الحاضر.
في «أنا لست زنجيك» (2016، I Am Not Your Negro)، استعار صوت جيمس بالدوين ليعيد قراءة حركة الحقوق المدنية من الداخل. وفي «إرنست كول: لوست أند فاوند» (2024، Ernest Cole: Lost and Found)، منح بطل الفيلم مساحة ليواجه، بصوته وصوره، فظائع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
أما فيلمه الروائي «كارل ماركس الشاب» (2017، The Young Karl Marx)، فالعنوان وحده يكشف نواياه. وبجعله جورج أورويل مُتحدثه التاريخي الجديد، يركّز بيك على الإنسان وعلى روايته الأخيرة، التي تصوّر مجتمعاً خيالياً تحت حكم الأخ الأكبر.
أرشيف أورويل: السيرة كأداة تحليل سياسي
تُشكّل روايات ومذكرات أورويل المصدر الوحيد للفيلم، إذ تمكن بيك من الوصول إلى الأرشيف الكامل لأورويل. لذلك جزء من فيلمه الوثائقي هو سيرة ذاتية من مذكرات وكتب صغيرة منها كتاب صغير بعنوان «لماذا أكتب»، وهو اعتراف استثنائي، وفعل ندم، وتحليل ذاتي ونفسي. ومن خلاله نفهم تناقضاته وألمه وأفكاره الأساسية.
وهكذا، يعود المخرج إلى طفولة الكاتب وشبابه، ويكشف عن صدماته. لقد تأثر أورويل بحياته كضابط في بورما خلال حقبة الاستعمار البريطاني، وبصعود الفاشية في أوروبا، وبالحرب العالمية الثانية، وأهوال الحرب الأهلية الإسبانية.
مذكراته، التي كتبها في أواخر حياته في اسكتلندا، تُقرأ بصوت الراوي داميان لويس. الجزء الآخر من الفيلم هو سؤال المخرج على نفسه: كيف لا يزال عالمنا أورويلياً حتى اليوم؟ ما الذي سمحنا بحدوثه؟ من هنا تبدو الرواية كأنها تتجاوز الزمن، إلا أن التاريخ يبدو كأنّه تكرار أبدي. لذلك، يتولى بيك، عن طيب خاطر وبحزم، دور المُبلّغ عن المخالفات ليُظهر للأجيال الجالية الفخاخ التي نقع فيها جميعاً (بوعي).
يستعين بيك، بمجموعة واسعة من الموارد الأرشيفية من جميع أنحاء العالم، تمتد من القرن العشرين حتى يومنا هذا، لتوضيح التحليلات السياسية لأورويل. يتضمن الفيلم أيضاً أرشيفات عائلية من طفولة وحياة الكاتب، بالإضافة إلى مقاطع وتقارير إخبارية تلفزيونية، وإعلانات، ومشاهد من الأفلام الوثائقية، وحتى ملصقات الحرب وصورها، كلها استُخدمت لتوضيح رؤية أورويل للشمولية.
وباستخدام هذه المادة، تمكن بيك من إضفاء لمسة جديدة على الصيغة الوثائقية التقليدية التي تربط حياة وأعمال شخصية من الماضي بالحاضر، ليُقدم لنا أحد أقوى الأفلام السياسية في السنوات الأخيرة. كيف؟ من خلال صياغة الشكل بدقة متناهية، لأن السرد ـــ على الرغم من طابعه التعليمي ــــ يحافظ على توازن مثالي بين سرد سيرة أورويل وصدى تأملاته المعاصرة، ومن خلال (إعادة) وضع المحتوى في سياقه.
عالم اليوم بعيون أورويل: الشمولية الجديدة
هكذا يقع فيلم «أورويل 2+2=5» بين حقبتين مضطربتين، ليقدم صورة قاتمة لعصرنا، مسلطاً الضوء على الحرب في أوكرانيا، والمجازر في ميانمار، والإبادة الجماعية في غزة، والفساد في الفلبين، وإعادة انتخاب دونالد ترامب، وفظائع بنيامين نتنياهو، ونجاح جورجيا ميلوني الانتخابي، والأنظمة الثيوقراطية الفعلية لـفلاديمير بوتين وفيكتور أوربان ورجب طيب أردوغان، ومقارناً إياها بأحداث تاريخية أخرى. ولم يوفّر طبعاً إيلون ماسك، ومارك زوكربيرغ، وجيف بيزوس، وسام ألتمان. وفي مرآة التاريخ الخلفية: أدولف هتلر، وفرانسيسكو فرانكو، وبينيتو موسوليني، وأوغستو بينوشيه، وفرديناند ماركوس، وفلاديمير لينين، وجوزيف ستالين.
لا شهادات، لا مقابلات، لا تمثيليات.
لا شيء، فقط كلمات أورويل. يبدأ الفيلم من لحظة انتقال الكاتب إلى الجزيرة هرباً من صخب المدينة، حيث تُعرض كلمات الروائي جنباً إلى جنب مع لقطات جوية حديثة للجزيرة وصور فوتوغرافية له، بالإضافة إلى مقتطفات من مختلف الأعمال السمعية والبصرية المقتبسة من روايته الأخيرة.
سرعان ما يوسع بيك آفاقه ويلقي بشبكة سردية واسعة ليجمع كل أهوال القرن العشرين والسنوات الخمس والعشرين الأولى من القرن الحالي في ضوء رؤية أورويل الاستشرافية والمتشائمة والواضحة للغاية، باستخدام لقطات أرشيفية تغطي عقوداً من الموت والدمار الناجم عن الإمبريالية والشمولية. ولا ينسى طبعاً التركيز غير المتناسب للثروة في أيدي حفنة من المليارديرات، والسيطرة على تدفق المعلومات والذكاء الاصطناعي الذي يحول دون التمييز بين الحقيقة والزيف.
يدمج راؤول بيك كل شرور العصر الحديث في كيان واحد. ويُفكّك الآليات، كالتضليل الإعلامي ونزع الإنسانية، التي تُتيح للأنظمة الاستبدادية السيطرة. وبالحديث عن الإعلام والدلالات اللغوية، يُخصص جزء كامل من الفيلم الوثائقي لمظاهر «اللغة الجديدة» المعاصرة، وهو مصطلح صاغه أورويل، سواء أكانت ازدواجية الخطاب لدى الشخصيات ذات النفوذ (مثل السياسي الميانماري الذي يؤكد عدم وجود روهينغيا في ميانمار)، أو الرسائل التي تُبثها بعض إمبراطوريات الإعلام وتُكرار عبارة «هذا تهديد خطير لديمقراطيتنا» مراراً وتكراراً، وبشكل مُمل، من قبل جحافل من مذيعي الأخبار الأمريكيين.
يُقدّم بيك تأملاً مثيراً للاهتمام حول هذه اللغة، بدءاً من الشعارات الواردة في «1984»: «الحرب سلام» و«الجهل قوة»، و«الحرية عبودية». يتأمل في قدرة الكلمات على تشويه المعنى، ويعود إلى العبارات ذات الطابع السياسي، وسطحية بعض التعبيرات وانحيازها الإعلامي، مثل «القصف الاستراتيجي» أو «الأضرار الجانبية»، وغيرها التي تخفي التدخلات العنيفة، والسلوكيات الأنانية، أو تبييض انتهاكات حقوق الإنسان.
أطروحة بيك بسيطة: تظهر أنظمة فاشية جديدة في كل من الدول الاستبدادية والديمقراطيات الراسخة، ممثلة انتصار السياسة التقنية والاقتصاد غير المنظم كمظاهر للفردية المعاصرة. منظور بيك تحليلي أكثر منه اتهامي، ما يهمّه ليس من، بل لماذا؟ يُقدّم الفيلم لعبة مرايا بين عالم الأمس واليوم، ويكشف أن المبادئ الفاشية الصريحة والواضحة، التي كانت قبل أقل من ثلاثة عقود تبدو بالية وتُثير رعب أي زعيم سياسي نزيه، باتت الآن مقبولة تماماً لدى العديد من الناخبين وبعض أهم قادة ما يُسمى بالعالم الحر. وكل هذا بتواطؤ من قطاع التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الرئيسية.
يُعد «أورويل 2+2=5» فيلماً لمن يرغب في نظرة عامة على الشمولية في العالم الحديث. ظاهرة أكثر حضوراً وثباتاً من أي وقت مضى. المرعب أن نرى مدى تطابق السياسات الحديثة مع ما كان أورويل يقوله، ومن المفجع والمؤلم للغاية، أن نُدرك أن أورويل كان لديه ما يدعوه ليسألنا: «هل بدأت ترى إذن أي عالم نحن نخلقه؟».
