
في محاولة لقراءة الحاضر من خلال ذاكرة لم تنتهِ، تعود سينما «متروبوليس» ببرمجة تحاكي الحرب عبر عرض «هل تحبّني؟» وأعمال زياد الرحباني. في ظل تكرار مشاهد الانقسام والحرب، تتحوّل هذه الأعمال إلى مرآة لواقع يعيد إنتاج نفسه، فيما يطرح الفن أسئلة مؤجلة حول الذاكرة والمصالحة
تعود سينما «متروبوليس» ببرمجة جديدة فيما بيروت تعيش حرباً إسرائيلية، في مشهد لا يبدو جديداً أبداً على العاصمة، فهو إعادة عرض لزمن لم ينتهِ. تستعيد الشاشة أعمال زياد الرحباني كصدى حاضرٍ يكاد يتطابق مع ما كُتب وقيل قبل عقود على مسارح بيروت، حين كانت الحرب أيضاً تُعرّي الانقسام وتكشف عبثه.
تستعاد هذه الأعمال اليوم، ليخرج صدى القصف من مسرحية «فيلم أميركي طويل» ليلاقي القصف الإسرائيلي على بيروت وضاحيتها الجنوبية.
إلى جانب ذلك، سيعرض فيلم «هل تحبّني» للانا ضاهر، المبني على أرشيف من الصور واللحظات المعلّقة، ليضيف طبقةً أخرى من التأمل، حيث تتقاطع الذاكرة الشخصية مع ذاكرة مدينة تعيش الحرب من جديد. هنا، لا تُعرض الأعمال كاستعادة لما كان، بل كمرآة لما يتكرر، فيما يعود الفن ليواجه واقعاً يعرفه جيداً، لكنه لا يزال عاجزاً عن الخروج منه.
برمجة من قلب بيروت
عودة السينما كانت كتجربة خجولة، بعرض ليوم واحد، ليفاجأ القيمون على السينما باكتمال حجوزات لصالتين، ليصار إلى تمديد عرض فيلم «هل تحبّني؟»، إلى 15 نيسان (أبريل)، فيما تستمر البرمجة لباقي العروض حتى الثامن من الشهر نفسه. تتضمن البرمجة عرض العملين السينمائيين المرمّمين المأخوذين عن مسرحيات زياد الرحباني «فيلم أميركي طويل» و«بالنسبة لبكرا شو؟».
في وقت نعيش فيه حرباً إسرائيلية وأزمة اقتصادية وانقساماً طائفياً حاداً، تستعاد ذكريات وأحداث المرحلة الممتدة بين عامي 1975 و1990، وهي الفترة التي قدّم فيها الرحباني هذين العملين.
ومن الواقع الطبقي والانقسام الطائفي إلى تداخلهما مع الاحتلال الإسرائيلي، يبدو كأننا نعود إلى تلك الحقبة من تاريخ لبنان، ندور في حلقة مفرغة منها. تلي عرض فيلم «هل تحبّني؟»، يوم الثلاثاء المقبل، جلسة حوار تجمع المخرجة بالفنان البصري روي ديب، لمناقشة العمل وتجربته الفنية مع الجمهور.
يعتمد الفيلم على مواد أرشيفية، مقدّماً سرداً بصرياً يتشكّل من لقطات وإيماءات ونظرات ولحظات معلّقة في الزمن، مستعيداً ذاكرة علاقة إنسانية عبر ما تبقّى منها من صور تحتفظ بالحب، حتى مع تحوّله أو تلاشيه أو تغيّر معناه. وفي ظل السياق الراهن، تكتسب هذه الصور بعداً إضافياً، إذ تتحوّل مشاهدتها إلى تجربة تأملية حول ما نحتفظ به، وما نفقده، وما تتيحه السينما من إمكانات للحفظ والتوثيق.
متنفس ثقافي
في حديث معنا، تقول المخرجة والعضوة المؤسسة لسينما «متروبوليس» زينة صفير إنّ إعادة فتح السينما وإطلاق برنامج جديد كانا ضروريين بعد توقف البرمجة بسبب الحرب. وتضيف أنّ إقفال منبر ثقافي أمر «بشع»، في وقت تبرز الحاجة إلى مقاومة فكرية، ما يجعل العودة ضرورة لضمان استمرارية الثقافة واستمرارية العاملين في المؤسسة.
وتوضح أنّ الخطوة الأساسية للعودة تبدأ باختيار أعمال تتماشى مع واقع الحرب، فكان الاختيار على فيلم «هل تحبّني؟» للانا ضاهر، التي أبدت حماسة لعرضه بوصفه موقفاً ثقافياً. واعتبرت صفير أنّ حجم الإقبال يعكس تعطش الجمهور لمشاهدة شيء مختلف عن الأخبار. وتشير إلى مفاوضات سابقة مع شركة MMedia لإعادة عرض مسرحيات زياد الرحباني، لافتة إلى أنّ قرار إدراجها الآن ضمن هذه البرمجة يعود إلى ارتباطها بالواقع الذي نعيشه، فضلاً عن كونها استعادة لذاكرة مفقودة أسهم غيابها في تكرار الأحداث.
تكرار الحرب
إلى جانب هذه العودة، تنظّم السينما حملة تبرّعات لجمعية «من وسلوى»، بهدف دعم إحدى الجمعيات الموثوقة، إذ يتجاوز النشاط كونه متنفساً ثقافياً ليشكّل أيضاً مساهمة فعلية في المساعدة. أما استمرارية العروض، فهي مرتبطة بالوضع الأمني، إذ يجري العمل وفق مبدأ «كل يوم بيومه» وضمن آلية مرنة تتلاءم مع الظروف. وفي ما يخص الأسعار، فستبقى منخفضة كما في مختلف نشاطات السينما، مراعاةً للناس، ضمن هامش يتيح تغطية تكاليف العرض.
وتشرح صفير أهمية استئناف عمل السينما وعرض هذه الأعمال تحديداً، معتبرة أنّ تقديمها في هذه المرحلة ضرورة، «فالحرب تتكرر، وربما نحن أمام سيناريو يشبه عام 1978، حيث تحتل إسرائيل جزءاً من الجنوب، أو سيناريو عام 1975 إذا كنا أمام حرب أهلية جديدة.
وهذه الأفلام تحاكي الحرب، وفي وقت من الأوقات رفض الجمهور اللبناني الفيلم المحلي لأنه ملّ الحديث عن الحرب الأهلية، لكنّ للفن دوراً في مقاربة الذاكرة والحرب، وكان ضرورياً التعمّق أكثر فيها لتحقيق المصالحة والتعلّم منها كي لا تتكرر. إلا أنّ الحقد الطائفي الكبير الذي يظهر اليوم يوحي بأننا لم نتعلم شيئاً من الحروب التي عشناها. ويمكن للفن أن يعوّض ما فاتنا بعد نهاية الحرب، إذ لم تحصل مصالحة حقيقية، فالذين خاضوا الحرب حكموا في السلم وسرقوا البلد، ولا يزالون مستمرين».
وتشير صفير إلى أنّ مسرحيات زياد الرحباني تكتسب اليوم أهمية خاصة، لما تحمله من رؤية وفلسفة، فهو «أكثر من فنان، بل فيلسوف رأى الأمور بوضوح». وترى أنّ إعادة مشاهدة هذه الأعمال المرتبطة بالذاكرة قد تجعلها أكثر تقبّلاً لدى الجمهور اللبناني، مشددة على أنّ وظيفة الفن لا تقتصر على التسلية، بل يجب أن تدفعنا إلى التفكير، «فنحن لا نعيش في الجنة، بل في منطقة تغلي منذ أكثر من سبعين عاماً».
* فيلم «هل تحبّني؟» حتى 15 نيسان (أبريل).
* «فيلم أميركي طويل» و«بالنسبة لبكرا شو؟»: حتى 8 نيسان ــ سينما «متروبوليس» (مار مخايل ـ بيروت) ـ للاستعلام: 81/069530

