
يُعاد تشكيل الحزن في الإعلام اللبناني وفق حسابات طائفية وانتقائية فاضحة: شهداء يُضخَّم حضورهم وآخرون يُمحَون من السردية. بين عين سعادة والجنوب، تتكشّف آليات تطييف الموت وتبرئة العدوّ، حيث تُستخدم الهوية الدينية أداةً لتوجيه الرأي العام، فيما تُهمَّش الوقائع التي لا تخدم خطاب التطبيع والانقسام الداخلي
بينما كان الإعلام يستغلّ استشهاد المسؤول في «القوّات» بيار معوّض وزوجته في غارة إسرائيلية على منطقة عين سعادة (المتن الشمالي) من أجل التحريض الفتنوي على أبناء الجلدة الواحدة من دون أيّ استنكار للعدوّ الذي قتلهما مع المواطنة رولا مطر عن سابق تصوّر وتصميم، كان من جهة أخرى يتجاهل استشهاد آخرين لأنّهم لا يخدمون سرديّته.
بدايةً، لم تحز رولا مطر التغطية المتناسبة كما معوّض وزوجته، باستثناء تقرير لـmtv استغلّ دمها كما نقل أنّ عائلتها تفضّل نعتها بـ«الضحية» لا «الشهيدة».
وكانت السردية المهيمنة على القنوات توجّه أصابع الاتّهام إلى المقاومة، في انعكاس لمدى التأثير في العقول الذي وصل إليه العدوّ الذي لا يحقّ له استهداف أيّ لبناني أو مدني أساساً، إذ بات لبنانيّون يردّدون سرديّته ويصدّقون أنّهم في منأى عن الاستهداف إذا أعلنوا تأييده أو على الأقلّ «الحياد». ومن بين هذه القنوات إلى جانب mtv كل من OTV وLBCI وحتّى «الجديد» و«تلفزيون لبنان».
من جهة أخرى، مرّ استشهاد المواطن برنار الحاج بصمت، لأنّه وقع في منطقة «بعيدة عنّا» وفق منطق المحرّضين. الشهيد من بلدة طنبوريت (جنوب لبنان)، استهدفته مسيّرة إسرائيليّة على درّاجته النارية في الحمادية قرب صور يوم الإثنين الماضي.
واستحضار الحاج دون غيره ليس من باب المفاضلة بين الشهداء الذين يتساوون في النهاية بكونهم شهداء البلد الواحد، بل لأنّه من دين معيّن استغلّه الإعلام لتسويغ سردية «يموتوا بعيد عنّا». هكذا، تُطيّف الأمور في لبنان على الطلب، فيما يُطمس هذا العامل عندما لا يخدم العصبية الطائفية.
لا شقّة هنا، ولا مستأجرين ولا إمكانية للتحريض على أحد. سيتعيّن على ناقل الخبر عندها أن يحدّد أنّ «إسرائيل» قتلته عن عمد ومن دون سبب وجيه، وهو ما لن يتقبّله عقلُ مطبّع.
فالمطبّعون القائمون على الإعلام مؤمنون بأنّ «إسرائيل» لا تقتل المدنيّين أبداً، وإن فعلت، فذلك بسبب «الدروع البشرية» التي لا تجيز أيّ شرعة دولية استهدافها أصلاً! هكذا، يُنسى الشهيد برنار الحاج، تماماً مثلما نُسي كثر قبله ونُسي تدنيس الكنائس وتدميرها، لأنّ الاعتراف بذلك سيؤثّر في المزاج التطبيعي لدى طائفة يراها المستغلّون كتلةً واحدة. على أيّ حال، تستدعي الوطنية الحقيقية الرحمة لكلّ الشهداء.

