
في الثاني عشر من نيسان (أبريل) الحالي، عاد نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس من إسلام أباد بعد عشرين ساعة متواصلة من التفاوض مع وفد إيراني رفيع، حاملاً إخفاقاً وتقدماً جزئياً وُصف بـ«الودّي». تَختزن هذه اللحظة تَحوّلاً جوهرياً في طبيعة السلطة الأميركية يَستحق التحليل بمعزل عن سيرة الرجل نفسه: مفاوض من خرّيجي «رأس المال الجريء»، صنعته شبكة مستثمري التكنولوجيا في وادي السيليكون، يَجلس على رأس الطاولة في أحد أخطر ملفات السياسة الخارجية الأميركية.
فانس، البالغ إحدى وأربعين سنة، يَحتلّ موقعاً أكبر من دور السياسي الذي تَمنحه الشبكة دعماً مالياً فقط. هو، بحسب تعبير الباحث ماكس تشافكين، «واحد منهم»: نتاج عضوي لمنظومة فكرية-تمويلية صارت تَطمح إلى إعادة تصميم الدولة الأميركية على شاكلة شركة ناشئة.
تموضع للمستقبل
قبل أيام من توجّه فانس إلى باكستان، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» تحقيقاً بعنوان «كيف اقتاد ترامب الولايات المتحدة إلى الحرب مع إيران». رسم التحقيق لوحةً فيها فانس بهيئة الصوت الوحيد داخل الدائرة الضيّقة الذي «جابَه» الرئيس مباشرةً قبل قرار الحرب، فيما اكتفى الآخرون، من وزير الخارجية ماركو روبيو إلى مدير الاستخبارات جون راتكليف، بتحفظات همساً. يَتراجع مضمون السردية هنا أمام أهمية توقيتها: نُشرت قبل ساعات من إعلان وقف إطلاق نار هشّ، وقبل أسبوع من إيفاد فانس لقيادة وفد التفاوض. هي عملية إعادة تموضع نائب الرئيس داخل ائتلاف «ماغا»، تَفصله رمزياً عن قرار حرب لم تحقق أهدافها المعلنة، وتُثبّته في موقع «الحكيم» المُتجاهَل، تَمهيداً لاستحقاق رئاسي عام 2028. تُلخّص مزحة الرئيس ترامب في مأدبة عيد الفصح هذا الحساب: «إذا فشلت المفاوضات، سألقي اللوم على فانس، وإذا نجحت، سآخذ الفضل لنفسي».
ميثريل وثيل
في عام 2011، التقى فانس الطالب في كلية الحقوق في جامعة «ييل» المستثمرَ بيتر ثيل في محاضرة عنوانها «الركود التكنولوجي» في الولايات المتحدة. حملت تلك اللحظة كل ملامح التجنيد الكامل. صار ثيل، الذي كتب «لم أعد أؤمن بأن الحرية والديمقراطية متوافقتان»، معلّماً وراعياً وممولاً لفانس لأكثر من عقد. عمل فانس في صندوق «ميثريل كابيتال» التابع لثيل (والمسمّى تيمناً بمعدن نادر في رواية «سيد الخواتم»)، ثم تلقى عام 2022 خمسة عشر مليون دولار من ثيل لخوض سباق مجلس الشيوخ في أوهايو، وهو رقم قياسي لمساهمة فردية في سباق ولاية. وحين جاء وقت اختيار مرشح ترامب لمنصب نائب الرئيس عام 2024، وثّقت صحيفة «واشنطن بوست» حملة قادها كلٌّ من ثيل ومستثمر التكنولوجيا ديفيد ساكس ومستشار «بالانتير» جايكوب هلبرغ للضغط على ترامب لاختيار «واحد منهم»، فكان فانس.
كارب و«الجمهورية التكنولوجية»: من غزة إلى واشنطن
أوضح من يُعبّر عن عقيدة هذه الطبقة هو المدير التنفيذي لشركة «بالانتير» (والمسمّاة تيمناً بـ«حجارة الرؤية - كرة بلورية» في «سيد الخواتم»، تَتمةً للذائقة الأسطورية نفسها)، ألكس كارب. في كتابه الأخير «الجمهورية التكنولوجية»، يَدعو كارب، الفيلسوف الحاصل على دكتوراه من جامعة «غوته» في فرانكفورت، إلى دولة «تشبه شركة ناشئة»: رشيقة، مدفوعة بالبيانات، يَقودها بسلطة شخصية «مؤسس» لا يَخشى «التحرك بسرعة وكسر الأشياء». بحسب كارب، تَخلّى وادي السيليكون عن مهمته الحقيقية حين انغمس في «التفاهات»: الإعلانات والألعاب ووسائل التواصل الاجتماعي. المطلوب، في رؤيته، إحياء روح «مشروع مانهاتن» وهبوط القمر، بشراكة لا اعتذارية بين الدولة والقطاع التقني، وبتَفوّق لا أخلاقي على «الأعداء».
شركة «بالانتير» نفسها تُمثّل التطبيق العملي لهذه العقيدة، وإسرائيل هي مختبرها الأكثر فجاجة. منذ سنوات، تَربط الشركة اتفاقية استراتيجية مع وزارة الدفاع الإسرائيلية، وقد عقدت اجتماعاً لمجلس إدارتها في كانون الثاني (يناير) 2024 في تل أبيب «تَضامناً» بحسب بيانها الرسمي بعد السابع من أكتوبر. في الشهر نفسه، أعلنت الشركة عن «شراكة استراتيجية» مع جيش الاحتلال لتَزويده بـ«تكنولوجيا للمهمات المتعلقة بالحرب»، وهو ما تُرجم عملياً في غزة عبر منظومات الاستهداف العاملة بالذكاء الاصطناعي.
المحامي الفلسطيني الأميركي جوناثان كتّاب وصف هذا الدور بأنه «استخدام للذكاء الاصطناعي من أجل الإبادة الجماعية والقتل»، فيما يُفاخر كارب نفسه بأن شركته تَخوض «عمليات حاسمة في إسرائيل». وهنا تَتكشف الجدلية: «الجمهورية التكنولوجية» التي يُنظّر لها كارب تَنزل إلى الميدان في صورة بنية تَعمل بالذكاء الاصطناعي والاستهداف اللحظي، وغزة هي أحد أهمّ مختبراتها العالمية. الامتداد الأميركي للمنطق نفسه واضح.
قاعدة «ماغا» الانعزالية لا تنظر إلى فانس على أنّه ابن الحركة
تَحصد الشركة عقوداً مع إدارة الهجرة والجمارك (ICE) لتَعقّب المهاجرين «في الوقت الفعلي»، ومنذ بداية ولاية ترامب الثانية، حصلت على ما يَزيد على مئة وثلاثة عشر مليون دولار من العقود الفدرالية الأميركية، وتَعمل حالياً على بناء «قاعدة بيانات فائقة» تَدمج معلومات الوكالات الاتحادية الأميركية كافة في منظومة موحّدة. الأدوات التي طُوّرت لمراقبة الفلسطيني في رفح هي نفسها التي يُعاد تَوطينها لمراقبة المهاجر في تكساس والمواطن في أوهايو، وهذا هو معنى «النموذج» في خطاب كارب. موقف فانس من هذا كلّه يَكشف الكثير.
حين سأله الكوميدي ثيو فون عن المخاوف من قدرات «بالانتير»، اختزل نائب الرئيس دور الشركة بأنه مجرد «ربط للمعلومات» بين الوكالات، وقال إن الخطر الأكبر على الخصوصية يَأتي من الشركات التجارية لا من الحكومة. هو الموقف الذي وصفه فون نفسه بأنه «إجابة سياسية»، ويُترجم حرصاً لدى فانس على عدم الاصطدام بحلفائه التقنيين، ولا على إثارة أسئلة عن دور الشركة الإسرائيلي، وهو ما يَنسجم مع موقفه السياسي الداعم لإسرائيل خلال حرب غزة وحرب إيران الراهنة على حدّ سواء.
كيرتس يارفن: مهندس تفكيك الديمقراطية
تَكتمل الصورة بعنصرها الأخطر: الفلسفة. كيرتس يارفن، المعروف بالاسم المستعار «منشيوس مولدبوغ»، مهندس برمجيات ومدوّن أسّس عام 2002 منصة «أوربيت» للحوسبة اللامركزية، بتمويل من صندوق «فاوندرز فاند» التابع لثيل، ثم انتقل إلى بناء أطروحة سياسية كاملة في مدوّنته «التحفظات غير المؤهلة».
أطروحته، التي صار يُطلق عليها وصف «التنوير المظلم»، تَعتبر الديمقراطية الأميركية برمجيةً قديمة فاسدة يجب «إعادة تشغيلها» بنظام «ملكي» على شاكلة الشركات، يَقوده «رئيس تنفيذي» للأمة بسلطات مطلقة. الجهاز البيروقراطي والإعلام والأكاديميا، عند يارفن، منظومة موحّدة يُسمّيها «الكاتدرائية»، يجب تفكيكها بالكامل. وقد صاغ خطته الأشهر تحت اسم RAGE، أي «إحالة جميع موظفي الحكومة إلى التقاعد».
اللافت أن خطاب يارفن يَستعير لغته من البرمجيات: الدولة «نظام تشغيل»، الإصلاح «إعادة تشغيل»، الرعية «مستخدمون». تَعمل هذه الاستعارة باعتبارها بنية عقلية تَنزع عن السياسة طابعها الأخلاقي وتُحوّلها إلى مسألة هندسة أنظمة برمجية.
وزارة الكفاءة الحكومية DOGE التي قادها الملياردير إيلون ماسك في الأشهر الأولى من ولاية ترامب الثانية، بكل ما رافقها من تَسريح جماعي لموظفي الجهاز الفدرالي، تَستجيب حرفياً لخطة RAGE، وقد أقرّ بذلك الفيلسوف نيك لاند، شريك يارفن في تأسيس «التنوير المظلم»، حين سُئل في صحيفة «فايننشال تايمز».
فانس نفسه تَبنى أطروحة يارفن علناً في مقابلة عام 2021 مع المدوّن جاك ميرفي، قائلاً إن نصيحته الوحيدة لترامب هي «إقالة كل بيروقراطي متوسط المستوى، وكل موظف مدني في الجهاز الإداري، واستبدالهم بأناس مِنّا». وفي المقابلة نفسها، استعار من يارفن تشخيصه التاريخي حين قال إن أميركا «في الجمهورية المتأخرة»، في إشارة إلى المرحلة التي سبقت تَحوّل روما من جمهورية إلى إمبراطورية بقيادة يوليوس قيصر، أي على مشارف لحظة قيصرية تُنهي حكم المؤسّسات لصالح حكم الفرد.
كوستين ألاماريو: جمالية الفاشية الجديدة
إلى جانب يارفن، يَنشط الكاتب الروماني-الأميركي كوستين فلاد ألاماريو، حاصل على دكتوراه في العلوم السياسية من جامعة «ييل»، والمعروف بالاسم المستعار BAP اختصاراً من Bronze Age Pervert (منحرف العصر البرونزي). يَكتب ألاماريو داعياً إلى استعادة «العقلية البرونزية» القائمة على القوة والجمال والتراتبية الأرستقراطية، ورافضاً «الأخلاق الأنثوية» للحداثة الديمقراطية. كتابه الذاتي النشر «Bronze Age Mindset» (2018) صار وثيقة تأسيسية لجناح كامل من اليمين الجديد.
والمسؤول الحالي في الخارجية الأميركية ميشيل أنتون يَصف كيف رفع له يارفن نسخة من الكتاب بيديه «كأنه طلسم». ثيل نفسه أقرّ في خطاب أمام جمهور محافظ بأنه يَجد في حلول ألاماريو «إغراءً». وقد وثّقت تقارير عدة، منها صحيفة «بوليتيكو»، أن فانس كان من بين متابعي حساب ألاماريو على منصة «إكس».
اللافت أن ألاماريو، ومنذ أيامه طالباً للفلسفة في جامعة كولومبيا، مُتموضِع إلى جانب إسرائيل، يُهاجم قسم دراسات الشرق الأوسط بسبب «انحيازه الفلسطيني» وتبنّيه «روايات الضحية» الخاصة بالعالم الثالث. وفي كتاباته اللاحقة، يَمتدح إسرائيل باعتبارها دولة عرقية قائمة على «أخلاق نسلية»، ويَرى فيها تَجسيداً لتلك «الأرستقراطية الطبيعية» التي يَدعو إليها.
بهذا المعنى، فإن المنظومة التي تَلتفّ حول فانس، من بنية «بالانتير» العملياتية إلى أطروحات يارفن الإدارية إلى جماليات ألاماريو السياسية، تَلتقي عند نقطة واحدة: تَحتلّ إسرائيل عندها موقع النموذج للدولة المرغوبة، أي دولة تَجمع بين تَفوّق تكنولوجي، وحكم قويّ غير مُكبّل بـ«حساسيات» الديمقراطية الليبرالية، وهوية عرقية-ثقافية.
فانس نسخة 2.0
ما يَجري اليوم حول فانس هو عملية بناء تدريجية لحزمة متكاملة: نواة مالية يُديرها ثيل، طبقة عملياتية تُوفّرها «بالانتير» بعد اختبارها في غزة، نظام تشغيل أيديولوجي صاغه يارفن، واجهة جمالية يَرعاها ألاماريو. نجاح هذه الحزمة (فانس) في البيت الأبيض هو استثمار مباشر لشبكة وادي السيليكون: عقود فدرالية ضخمة، تشريعات مُيسِّرة للذكاء الاصطناعي، وتَدفّق غير مسبوق للبيانات الحكومية إلى خوادم الشركات الخاصة.
تُختبر هذه الحزمة الآن في ملفّ إيران، وستُختبر مجدّداً في كل ملفّ يُسنَد إلى نائب الرئيس. الطريق مفتوح أمام أكثر من سيناريو: انتخابات 2028 هي المسار الافتراضي، لكنّ المادة الخامسة والعشرين من الدستور (التي تُتيح إزاحة الرئيس عن منصبه ونقل صلاحياته إلى نائبه عند العجز الجسدي أو العقلي) تَبقى احتمالاً مفتوحاً يُحسَب له حسابه في أيّ لحظة استثنائية.
تَبقى عقدة واحدة في جسد المنظومة: قاعدة «ماغا» الانعزالية، التي صَوّتت للرئيس دونالد ترامب على وعد بعدم خوض الحروب، تَنظر إلى فانس على أنه موظّفٌ مُعارٌ من وادي السيليكون لا ابن للحركة. هذه القاعدة هي العائق التشغيلي الأخير أمام ترقية فانس إلى نسخته الرئاسية.

