
تفرض الإمارات منعاً رقمياً ممنهجاً عبر حجب محتوى «إكس» داخل حدودها بقرارات قضائية، مستهدفةً حسابات عربية بدعوى «التضليل». يتجاوز هذا الإجراء الرقابة التقليدية إلى التحكم في الوصول نفسه، ويحوّل الفضاء الرقمي إلى نطاق مغلق، تُقصى فيه السرديات المخالفة وتُعاد هندسة تدفّق المعلومات بما يخدم صورة الدولة
في يومٍ من الأيام، كانت الإمارات العربية المتحدة، بمدنها «الزجاجية البرّاقة»، تجهد لتصنع صورةً عن نفسها كبوصلة للسياحة على أشكالها.
ولخدمة هذا الهدف، حاولت إيهام الرأي العام العالمي على أنّها واجهة أمن وأمان قائمة على «الانفتاح والحريّة»، مستعينةً بشبكة نفوذ واسعة بين أغنى أثرياء العالم وأبرز الناشطين والمؤثرين. لكنّ هذا التسويق لعقود، هدمته السلطات بيدها خلال الحرب الحالية، عبر إجراءات متتالية حوّلت نظامها من رقابي في الكواليس الهادئة، إلى قمعي بشكل فظّ.
بعد سلسلة من القوانين المستحدثة التي أدّت إلى طرد مقيمين، وسجن أجانب، من بينهم سياح أوروبيون، إضافة إلى فرض منع كامل على تصوير أو نقل الأحداث في البلاد، ذهبت أبوظبي إلى إجراء يخرق الحدود الجغرافية ليتعدّى على نشطاء وصحافيين خارجها.
في هذا الإطار، بدأت دولة الإمارات تُظهر «حساسية مفرطة» تجاه منتقديها في البلاد العربية الشقيقة. وكشفت شبكة «رصد» الإعلامية، الأربعاء المنصرم، عن حجب منصّة «إكس» لحسابات صحافيين وناشطين مشاهير من مصر والسعودية ولبنان عن الظهور في الإمارات. وبرّرت المنصة ذلك أنّه أتى بناءً على طلب قضائي من أبوظبي، بدعوى «نشر معلومات مضلّلة عنها تؤّثر على الرأي العام وتضرّ بسمعتها».
لمصر حصّة الأسد
في هذا السياق، طال الحظر الإماراتي الناشط المصري الشهير، عبدالله الشريف، الذي يملك أكثر من مليوني متابع على «إكس»، إضافة إلى حوالى ستة ملايين على صفحته على يوتيوب.
كشف الشريف على صفحته على «إكس» تلقيه رسالة من المنصّة تعتذر فيها على اضطرارها التماشي مع قرار المدّعي العام الإماراتي. كما نشر نسخة عن القرار، يتضمّن مطالعة طويلة انهمكت السلطات في تحضيرها من أجل حساب واحد. وتُشير الوثيقة إلى «انخراط الحساب في نشر محتوى يتضمّن إساءة إلى مؤسسات الدولة ونهجمها العام».
إضافة إلى ذلك، اتهمت الشريف «بتجاوز حرية التعبير واعتماد خطاب كراهية وإثارة للفتنة» عبر بثّ معلومات «مضلّلة ومغرضة تؤثّر على الرأي العام وتُسيء إلى سمعة الدولة». المستند الإماراتي لم يقف عند هذا الحدّ، بل استكمل «شيطنة» الناشط المصري من خلال اتهامه، إلى جانب حسابات أخرى، بالتنسيق «في توقيت النشر واستخدام الوسوم للتركيز على قضايا حساسة لاستهداف الدولة».
لم يبدِ الشريف اهتماماً كبيراً بالتوقّف عند القرار، واستكمل، كما تُظهر صفحته جليّاً، متابعة نشاطه في نشر المحتوى السياسي والإنساني الذي تتركّز غالبيته على تعرية الاحتلال ونقل صورة معاناة الفلسطينيين عموماً، والغزيين خصوصاً.
جاويش يضرب ولا يسأل
من الأسماء التي طالها الحظر في الإمارات، رئيس تحرير شبكة «إيجبت واتش»، أسامة جاويش. إلّا أنّه لم يدع الخطوة تمرّ مرور الكرام من دون ردّ «قاسٍ». للعلم، يعدّ الصحافي المصري من أبرز الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي، ويتابعه أكثر من مليون مستخدم على منصّة «إكس».
على إثر تلقيه الخبر، سجّل جاويش من مكان إقامته في لندن، مقطعاً قصيراً يشرح فيه وجهة نظره حول الموضوع، وحظيت هذه الرسالة المصوّرة بمتابعة واسعة وعدد مشاهدات بلغ 160 ألفاً. في مواجهة الادعاءات الإماراتية التي طالته، قال جاويش إنّه مجرّد صحافي لا يملك سوى الكلمة، ويقوم عمله على نقل الأخبار من مصادرها حول الأحداث التي تعيشها الشعوب.
لذا أبدى استغرابه التهكمي «لفكرة أنّ حكومة الإمارات التي تملك سيلاً من المؤثرين والقنوات والإعلاميين ونديم قطيش وعبد الخالق عبدالله، تنزعج من حساب أسامة جاويش، وهو أمرٌ لا يليق بالإمارات وتاريخها».
وتابع الصحافي ردّه المباشر على أبوظبي، معتبراً أنّه «لا يُفترض أنّ يتحوّل جميع الصحافيين والناشطين إلى نتاج صناعة واحدة، وأن يسبّحوا بحمد محمد بن زايد ويتكلّموا بكلمة موحّدة حول انتصارات وبطولات الإمارات». وقال جاويش: «الحمد لله لست من هذه الفئة وأدعو الله أن لا أكون يوماً منهم». كما أكّد الصحافي المصري أنّ الإجراءات الإماراتية تجاهه لن تثنيه عن عمله مهما كان الثمن، مشيراً إلى أنّ ربع مليون مستخدم تابعوا محتواه الشهر الماضي.
بالإضافة إلى ذلك، نبّه جاويش إلى أنّ العمل الصحافي «ليس جريمة»، مؤكّداً استمراره بنشاطه الدائم لمساعدة الناس على قراءة الأحداث بما يتماشى مع الدور الوظيفي لعمل الصحافي.
خلق فقاعة إعلامية
منذ بدء العدوان الأميركي – الإسرائيلي المشترك على إيران، وتتالي الوفود الإيرانية المسيّرة والصاروخية إلى قواعد الجيش الأميركي ومناطق انتشار في الإمارات، اختار حكام البلاد الهروب من الردّ الميداني والسياسي. عوضاً عن ذلك، جيّشت الدولة الخليجية كامل طاقاتها لخلق فقاعة إعلامية تُخفي ما يحدث من أضرار كارثية في مدنها القائمة على صورة الأمن والرخاء.
بعد فشل المغامرة العدوانية في ساعاتها الأولى من تحقيق أهدافها، توالى خروج المقاطع المصوّرة من المقيمين والسياح المندهشين لما يحدث في مدن مثل دبي، تحديداً من استهدافات للأبراج المحتضنة للجنود الفارّين من القواعد العسكرية. لذلك، استحدثت السلطات فرماناً قضائياً فريداً من نوعه حول العالم، يفرض رقابة رقمية مطلقة عبر تجريم تصوير الضربات الإيرانية في الإمارات ومنع نشر معلومات حولها، فضلاً عن تتبّع التفاعل معها أو حتّى إعادة نشر من حسابات أخرى.
ورغم محاولات ضبط السردية، والإيعاز إلى بعض الناشطين المرتزقة للتسويق دعائياً حول الأمن ومواصلة الحياة الطبيعية، إلى جانب دخول الأثرياء الأوفياء لجنّة ضرائب دبي إلى خطّ الدّعم الإعلامي، إلّا أنّ المقيمين الأجانب لم يتأقلموا مع القرارات غير المسبوقة.
في هذا الإطار، استشرست السلطات في فرض الرقابة الصارمة لحماية صورتها كبلد «آمن ومزدهر» إلى حدّ اعتقال السياح الأوروبيّين، ومن بينهم عشرات البريطانيين، بسبب تصوير الاستهدافات. وبدفاع عن نفسهم، كشف الموقوفون عن عدم علمهم بوجود قانون يفرض رقابة بهذا الحجم في البلاد.
يذكر أنّ الإمارات، واجهت في عام 2019 حملة شرسة من فايسبوك وتويتر حينها (قبل أن يستحوذ عليها صديق أبوظبي، إيلون ماسك ويحوّلها إلى إكس). وأُغلقت حينها آلاف الحسابات الإماراتية الوهمية التابعة للسلطات على المنصّات المختلفة خلال حملة لمكافحة «التضليل الإعلامي».
مع العلم أنّ تويتر كشف حينها عن تعليق 4258 حساباً إماراتياً وهمياً بسبب ترويجها «لأخبار كاذبة بشأن حرب اليمن»، إلى جانب 267 حساباً شاركت «في عمليات تضليل إعلامي طالت قطر ودولاً أخرى مثل إيران». أمّا فايسبوك، فاتّهم أبوظبي باحتضان «كتائب إلكترونية» تسهم في الترويج للسياسات القمعية في السعودية وبلاد أخرى.
لذلك تنظر البلاد إلى الصحافيين والناشطين حتّى في أيّام السلم، إلى ساحة حرب رئيسية تنكبّ عليها جاهدةً للسيطرة على السردية الإعلامية، لا سيّما بعد إقدامها على التطبيع مع «إسرائيل» ومؤامراتها ضد الشعوب العربية في اليمن وقطر والسودان. كما أنّ مشاريعها أوصلت بها إلى الخلاف أخيراً مع السعودية التي لم تستطع ترويض جماح حكّام الإمارات.
لكنّ المشكلة الأخطر في قرار حظر ناشطين خارج البلاد عن الوصول إلى المستخدمين داخلها، هو تجاوب منصّة «إكس» بالفعل مع المطالبات من حكومة لديها سوابق فادحة في ميدان حريّة التعبير.
ورغم العلاقة الحميمة بين ماسك وأبوظبي، إلّا أنّ الخطوة تنطوي على تناقض غريب في طبيعة عمل شبكات التواصل الاجتماعي، التي تبني إيراداتها على أسس الإفادة من سوق عالمية عابرة للقيود الحدودية الجغرافية خدمةً لمصالح شخصية وضرائبية آنيّة.

