من سُفرة في البيت الجنوبي إلى تحطيم تمثال المسيح: رصاصة طائشة تصيب قلب البروباغندا الإسرائيلية!

من استباحة مطبخ منزلٍ جنوبي وصولاً إلى تحطيم تمثال المسيح في دبل، مروراً بسرقة جرو صغير من أمّه، تكشف صور الجنود الإسرائيليين معركةً دعائية موازية للحرب. مشاهد أرادت إظهار السيطرة، فانقلبت إلى فضح للنهب والاستفزاز وبثّ الفتنة، مع غضب واسع وسقوط السردية سريعاً أمام العالم
منذ أن دخلت الهدنة في لبنان حيّز التنفيذ الأسبوع الماضي، بدأ الاحتلال هجوماً من نوع آخر. فجأة وبشكل متتال، اجتاحت مواقعَ التواصل الاجتماعي صورٌ لجنودٍ إسرائيليين في القرى اللبنانية المحتلة. بطبيعة الحال مجرّد توثيق «سرح ومرح» القوات المعادية في بلاد الأرز كفيل بتحريك المشاعر، فكيف إذا كانت هذه الجحافل متسلّحة ببندقية في يد، وفي اليد الأخرى هاتف متّصل مباشرة بمنصّات مختلفة تُظهر «تجاربهم» في القرى المنكوبة.
في هذا الإطار، وصل صدى تحطيم تمثال المسيح في قرية دبل إلى مختلف أصقاع الأرض، ممّا اضطرّ الاحتلال إلى الإعلان عن فتح «تحقيق» مصحوباً برسالة اعتذار رسمية، أرفقها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بمنشور شخصي على منصّة إكس للتبرّؤ من الجندي المسؤول عن العمل «المُدان»، في محاولة لإرضاء اليمين في لبنان، إلى جانب اهتمامه بتهدئة الرأي العام الغربي الغاضب.
وبما أنّ قوات الاحتلال جنّدت نفسها لمعركة إعلامية على الشبكات الرقمية، خصوصاً بعد زيادة ملحوظة في نشاط الناشطين والمؤثرين من داخل القرى اللبنانية، سرعان ما ضجّت شبكات التواصل الاجتماعي بصورة جديدة احتلّت الأذهان. يوضح التوثيق الجديد استيطان الجنود لمطبخ أحد المنازل الجنوبية، حيث استولوا على حياة عائلة لبنانية بشكل كامل، بدءاً من الأرض وخيراتها التي قطفوها، وصولاً إلى المنزل الذي استباحوه بجميع محتوياته.
مطبخ «إسرائيلي»
اكتسحت صورة منشورة على حساب إحدى المجنّدات وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تظهر إلى جانب جنود آخرين، يفترشون طاولات عدّة في مطبخ أحد المنازل اللبنانية، من دون ذكر القرية. وبينما يُقطّع أحد الجنود الخضار، تعلو ابتسامة وجه المجنّدة الناشطة وهي تتحضّر للبدء بطهي الطعام. لم توضح «المؤثّرة» الإسرائيلية الهدف من نشر الصور، إلّا أنّ العمل «الاستفزازي» بمشاركة «مغامرتها» في منزل عائلة مدنية في بلدٍ محتلّ، أثار حالة غضب عارمة بين الناشطين اللّبنانيين.
من جهة أخرى، شكّك بعض الناشطين والصحافيين في مصداقيّة الصورة المنتشرة، إذ اعتبروا أنّ العدو يُروّج من خلالها لمادة دعائية فجّة من دون دليل، خصوصاً أنّ المطبخ نظيف ومنظّم في منطقة يُفترض أنّها تتعرّض لغارات جوية متواصلة ودمار شامل. كما استغربوا كيف أنّ الخضار واللحوم بهذه النضارة وسط انقطاع التيار الكهربائي وانهيار الخدمات.
وبينما هزّت الصورة مشاعر معظم الناشطين، انشغلت بعض الحسابات اليمينيّة باستغلال المشهد لكسر العزائم، تحديداً إرادة الجنوبيّين الذين عبّر أحدهم بأنّه «يفضّل أن يحرق منزله على أن يراه بين أحضان قوات الاحتلال».
حرب دعائية
بمعزل عن صحّة الصورة من عدمها، إلّا أنّها لم تخرج وحيدة إلى المشهد. ومنذ وقف المقاومة اللّبنانية عمليّاتها في إطار هدنة العشرة أيّام، أغرق مؤثّرو الاحتلال فجأة وسائل التواصل الاجتماعي بسيل من التوثيقات التي تصبّ في خدمة الهدف نفسه: محاولة تحطيم المعنويات عبر نسف قرى برمّتها تارةً، والإيحاء بتمكّنهم من القرى المستعصية عليهم لعقود طوراً.
وصل صدى تحطيم تمثال المسيح في قرية دبل إلى مختلف أصقاع الأرض
في هذا الإطار أيضاً، نشر أحد الناشطين الأميركيين، ويُدعى إيثان ليفينز، مقطعاً قصيراً لقوات الاحتلال يُظهرهم ــ وفق ما أفاد ـــ وهم يسرقون جرواً صغيراً من أمّه التي تلاحقهم لاسترداد فلذة كبدها. المشهد المعبّر الذي حظي باهتمام واسع على منصّة إكس، يُلخّص منظومة القيم الأخلاقية لجنود يغرقون في الضحك بينما يسرقون حتّى أطفال الحيوانات. في سياق متّصل أيضاً، أكّدت صورٌ أخرى تتبجّح فيها قوات الاحتلال اعتمادها مبادئ حروب الجاهلية، عبر قطف الخضار من خيم زراعية ووضعها في صناديق لنقلها. وعلّق الصحافي السابق في شبكة «بي بي سي»، فايد أبو شمالة: «توضح هذه الصورة أكثر من غيرها سبب وجودهم في لبنان. لصوص!».
مهمّة فاشلة
بعد ما يقارب الخمسين يوماً من الحرب، فجأة انهالت المشاهد الفردية من القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، بما يوحي بوجود قرار ممنهج لهذا المسار. لكنّ فكّ الطوق عن خناق هواتف الجنود «المسعورين»، أودى بتل أبيب إلى تسجيل هدف عكسي في مرماها، عبر التوثيق «بفخر» لعملية تحطيم تمثال المسيح في بلدة دبل الجنوبية. ورغم إدانة الاحتلال، رسمياً، للحادث، إلّا أنّه مثّل محطة أخرى معبّرة تبرز الهوية الحقيقية لجنود الاحتلال.
من جانبٍ آخر، اعتبر بنيامين نتنياهو أنّ بلاده «تحترم» جميع الديانات السماوية، لكنّه في المنشور ذاته ادّعى أنّ «المسيحيّين يُذبحون في سوريا ولبنان على أيدي المسلمين». تُحاول «إسرائيل» جاهدة رمي كرة النار إلى الداخل اللبناني، تحديداً عبر بثّ الفتنة بين المكوّنات المتنوعة في الكيان اللبناني.
والجدير بالذكر أنّ أحد أبرز الناشطين المحافظين في الولايات المتحدة، تاكر كارلسون، اتّهم الاحتلال بالتعرّض للمسيحيّين ومعاملتهم بازدراء. بالإضافة إلى ذلك، اتّهم نتنياهو المسلمين في لبنان بقتل المسيحيين للتهرّب من مسؤوليّة إحراق التمثال، إلّا أنّ الواقع يشير إلى وجود هذا التمثال في المنطقة ذات الغالبية المسلمة لسنوات طويلة من دون أي حادث يُذكر.
كما يقع في بلدتي رميش وعين إبل المجاورتين، أحد أكبر الرّموز الدينية المسيحية في لبنان، حيث تعلو صلبان شاهقة تلال البلدتين المحاذيتين للقرى المسلمة المجاورة كبنت جبيل وعيتا الشعب وغيرهما. ومنذ خروج الاحتلال عام 2000، لم تتعرّض هذه الرموز لأي تعدٍّ، ولا حتّى على نطاق فردي.
بالإضافة إلى الأهداف الدعائية المُصوّبة تجاه الداخل اللبناني، تسعى «إسرائيل» عبر سيل الصور الخارجة من لبنان إلى «أنسنة» قواتها بعد ثلاثة أعوام من الحروب الدموية في فلسطين ولبنان وإيران. لكنّ قواتها فشلت من جديد في إخراج تمثيل دعائي قد يضفي بعض التعاطف في الرأي العام العالمي. لكن بينما ترى تل أبيب في السرقة والاحتلال حقاً دينياً - سياسياً لها، انكشفت لعبة السردية عبر الصور المجرّدة من سياق أمام العالم. لذلك تحوّلت حملتها الإعلامية الافتراضية في جنوب لبنان، إلى كابوس في العلاقات العامّة تدخّلت فيه غالبية أجنحة الكيان للملمة سقطات جنودها.


