اللعب في غزة... موكب تشييع لا ينتهي!

محاطون بمنازل من تنك، أبواب محطّمة، وغرفٍ تتدلى فيها ثياب معلّقة على حبال غسيل، كلّها علامات توحي بخراب الإقامة، يتجمّع أربعة أطفالٍ، لعلهم أشقاءٌ، في الخارج. الزقاق ضيّق لا يتّسع لأكثر من سيارة، والأرض رملية توحي بصحراء قاحلة أكثر مما توحي بحيٍّ مأهول. كل شيءٍ هناك هشّ، وسائل، كأنه أثر متروك بعد محو لم يكتمل: التنك والرمل وحياة يسكنها طيف الموت.
أربعة أطفالٍ، لعلّهم أشقاء، يقتربون من بعضهم في دائرةٍ صغيرة كأنهم يتواطؤون على مشهدٍ حفظوه غيباً. هناك دمية مستلقية على الأرض تشكّل مركز المشهد: ينحني الأطفال الأربعة ليرفعوها بحذر، يمدّونها كأنها جسد ميّت على قطعة بلاستيك، يثبتون أطرافها، ويهيئونها للرحلة الأخيرة.
ماذا يفعل الأطفال الأربعة تحديداً؟ لا يحتاج المشهد إلى سؤالٍ. إنهم يمثلون تشييعاً. يرسمون مشهد جنازةٍ حيث يرثون فيها الشهيد. هل تبقى الدمية لعبة إذن، أم أنها، في لحظة التمثيل هذه، تفقد وظيفتها الأولى وتصير جزءاً من فعل تمثيلي آخر، له معنى آخر، لا يستقر عند حدود اللعب؟
على وجوههم ترتسم ملامح شد وتركيز حادّ، لا يقتضيه اللعب بوصفه تجربة مقرونة بالحرية واللهو. لا ضحك، لا ركض، إنما خطوات ثقيلة وبطيئة، تتماهى مع طقس شعائريّ يمتلك هيبته وحرمته. وهم كما نرى، يحترمون هذه الهيبة كثيراً ويحرسونها، إلى حدّ أن طفلاً من بينهم تعثّر وسقط أرضاً بعدما فقد توازنه جراء المشي البطيء وثقل اليدين اللتين رفعتا «الجثة».
لا أحد يلهو هناك بل جميعهم جادون. يظهرون كأنّهم خارجون من دائرة اللعب بوصفه ممارسة مرتجلة وعفوية، ويزاولونه بوصفه فعلاً تمثيلياً منظماً في أنّ اللعب انقلب إلى تقليدٍ للجنازة. وفي هذا التحوّل، غدت الدمية وسيطاً رمزياً، يعيد إنتاج هيئة الجسد المحمول في المراسم الجنائزية بوصفه أثراً قابلاً للاستحضار.
حتى الآن، يمكننا القول إنّ اللعب هو محاكاة لطقسٍ جنائزي، إذ يعيد الأطفال، في حركتهم، محاكاة فعل سبق أن شاهدوه، حيث الجنازة التي يُؤدّونها مشهد تمثيلي عن جنازة مألوفة يعيدون محاكتها.
طقسٌ تراجيديٌّ وليس محاكاة
انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي إذن، مقطع فيديو يبدو، للوهلة الأولى، لعباً طفولياً عابراً. أربعة أطفالٍ يحملون دمية على أكتافهم ويسيرون بها، في هيئةٍ تُحاكي موكب تشييعٍ جنائزي، كأنهم يودّعون شهيداً وسط جنازةٍ متخيَّلة. غير أنّ هذا المشهد الآسر في قسوته يفيض بدلالاتٍ تتجاوز حدود التمثيل والمحاكاة وتقترب إلى طقسٍ تراجيديٍّ مكثّف.
الطفل، كما رأى أرسطو، كائن محاكٍ (تمثيليّ) بطبعه. يتعرف إلى العالم عبر إعادة تمثيل الأفعال التي يراها من حوله. صحيح أننا نرى في الفيديو، أطفالاً يعيدون بناء مشهد جنائزي سبق أن عاينوه، ويحولون الدمية إلى جسد، واللعب إلى طقسٍ جنائزيّ، وهم بذلك يشكلون معرفتهم الأولى في الخارج. بيد أنهم يفعلون ذلك، لا لكي يتعرفوا إلى العالم، بل لأنهم يعرفونه جيداً، ومعرفتهم به مكللة بالدموع.
هذا المشهد يربك فرضية المحاكاة الأرسطية برمتها. إنها غزة وليست أثينا، والأرض رملية لا مسرح أوبريت إغريقي إنما دمار خلفه الاسبرطيون. الطقس الجنائزي الذي فعله الأطفال الأربعة يتجاوز حدود التمثيل. هم لا يعيدون إنتاج مشهدٍ سابق بقدر ما يعيدون تشكيله. هل الأطفال الأربعة شاهدوا الجنازة، ثم أعادوا إنتاجها في فعلٍ تمثيليّ، أم أنهم عاشوا تجربة الجنازة، في فقدانهم لأحبتهم ومدينتهم، فغدت أفعالهم بالتالي، نوعاً من استعادةٍ مشبعة لما اختبروه؟
أطفال عرفوا باكراً أن أحداث عالمهم تدور على مسرح الموت
يبدو أنّ ما يُستعاد هنا هو امتداد مباشر لما عاينوه واختبروه وعرفوه. المشهد الجنائزي الذي نظّموه لا يتخذ شكلاً تمثيلياً منفصلاً عن التجربة وواعياً بتمثلّها كصورة مستقلة. كما لا يأخذ بعداً جمالياً آمناً كما هي الحال في المحاكاة الأرسطية، إنّما هو تمثيلٌ فقد المسافة التي تفصله عما يحاكيه وملتحمٌ بأصله. يتراجع الحدّ بين ما يُعاش وما يُمثَّل إلى درجةٍ لا يعود فيها أيّ منهما قائماً بمعزل عن الآخر.
ثمة إيغال في الفقدان والحداد والرثاء إذن، في وحشة الليل الطويل، هناك انهيار للمسافة بين التجربة والتمثيل، وما نراه ليس محاكاةً بقدر ما هو طقس تراجيدي مستمَّد من الواقع الإباديّ نفسه.
اللعب كلحظة حداد طويلة
فقد اللعب شرطه الداخلي بوصفه لعباً في غزّة. يشترط اللعب على مسافة من الواقع، أي من الحقيقة، ويفترض قدراً من الارتجال وإطاراً آمناً يحفظ المسافة. تعطّلت كل هذه العناصر في ذلك الحيّ المتراص على أطرافه بيوت من تنك، حيث الأطفالٍ مشغولون في استحضار أشباح أحبّتهم بدلاً من تخيّل ملعبٍ فسيح. لم يعد اللعب تخيلاً ولا محاكاة لشيء خارج عن تجربتهم الذاتية.
اللعب صار إعادة تركيب للواقع، واقعهم، من داخله، ويستمِدّ عناصره من ثنايا التجربة: قطعة بلاستيك تتحوّل إلى حمّالة جثث، دمية صارت رمزاً لجثةٍ مقتولة، ومشي بطيء يوازي خطى المكلومين وهم يحملون الشهيد. في إعادة التمثيل هذه، أصبح اللعب امتداداً للحظة فقدان طويلة، عرفها الغزيون على امتداد ثلاث سنواتٍ؛ اللعب هنا وضع الإصبع في القاع حيث يركن شعور غامض، هو الموت الظالم الآخذ شكل القتل، في أعماق نفس أطفال بريئين.
إنه اهتزاز داخليّ غامض، يتسرّب من التجربة إلى الفعل، أي اللعب، حيث تنكمش المسافة بين توق طفولي إلى الاحتماء واللوذ إلى مكانٍ آمنٍ وبين خيالٍ مثقل شوهته القنابل حتى صار ينسخ تجربة الموت تحت ضغط الفقدان وما سلب منه. كأن مفهوم «المكان الآمن» (كم يبدو الليبراليون تافهين في هذا السياق، وكم يبدو مصطلحهم المحبب «مساحة آمنة» هراءً، وكم أوّد دعوتهم إلى نادي «الفليبر») انزاح نحو سكون مطلق، أي الموت، حيث ينام المقتولون في سكونٍ من دون ضجيج، لا يزعجهم هدير الطيران ولا لهيب الحرائق وثقل الجوع والعطش.
ماذا يعني أنّ اللعب في غزة هو لحظة حدادٍ طويلة؟ إنه يعني، في هذا السياق، أنه يشتغل وفقاً للتفريغ وليس وفقاً للتطهير (كما هو النسق الأرسطي). إذا كان التطهير انفعالاً ينظم عبر المحاكاة، ويقوم على مسافة جمالية تفضي إلى نوع من التوازن، فإنّ التفريغ هو انفعالٌ لا ينفصل عن التجربة، وهو غير منظّم ولا ينظِّم، بل يندفع من داخل التجربة إلى خارجها عشوائياً، في حركة دائرية تستمد قوتها من دورانها، لا مسافة جمالية فيه إنّما تماه تام مع الخراب.
في التفريغ تتلاشى المسافة بين ما يحدث وما يُعبَّر عنه، من دون أن يختفي وسيط التعبير تماماً. لذلك، كلا ليست الدمية وسيطاً محايداً- كما جاء آنفاً- بل أثر على كثافة التجربة: غياب والدٍ أو والدة أو أحد الأقرباء. إنها علامة مغمورة بتجربة الفقدان والحداد والرثاء، لأربعة أطفالٍ عرفوا باكراً أن أحداث عالمهم تدور على مسرح الموت. اللعب هنا هو إعادة إحياء أثر المقتول من قبل أحياءٍ قتلهم الموت.

