وادي السيليكون إنجيل اليمين الأميركي

في عام 2019، أعلن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس عن اعتناقه الكاثوليكية. كان ذلك اختياراً فكرياً وسياسياً واضح الأبعاد، لأنّ الكاثوليكية التي اختارها فانس ليست الكاثوليكية التي يمثلها البابا ليو الرابع عشر من الفاتيكان.
هذا الفارق لا يُختزل في تباين لاهوتي داخلي، إذ يمتد إلى رؤيتين متناقضتين للعالم والسياسة والإنسان. وحين نشرت شركة «بالانتير» للذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة وثيقتها السياسية على منصة «إكس»، صار جلياً أن ثمة أيديولوجيا واحدة تجمع وادي السيليكون وفانس والتيار الكاثوليكي القومي الأميركي، وإن تعددت لغاتها وأوعيتها.
كاثوليكيتان
قبيل انتخابه بابا، نشر الكاردينال روبرت بريفوست، الذي صار لاحقاً ليو الرابع عشر، تغريدات على منصة «إكس» ينتقد فيها توظيف فانس للاهوت الكاثوليكي لتبرير سياسات الترحيل. استند فانس إلى مفهوم ordo amoris، أو «ترتيب الحب» عند القديس أوغسطينوس، ليقول إن المسيحي يقدّم حب الوطن والعائلة على حبّ الجار الأجنبي. ردّ البابا ليو بأن هذه القراءة مغلوطة.
هذا الاشتباك اللاهوتي المباشر بين من صار بابا ونائب رئيس يوضح أنّ الإرث الكاثوليكي الواحد يحتمل قراءتين لا تلتقيان. فانس وتيار من المثقفين الكاثوليك الأميركيين الذين يتبنّون ما صار يُعرف بـ«التكاملية الكاثوليكية» Catholic Integralism: فلسفة سياسية ترى أن الإيمان الكاثوليكي يجب أن يحدد الإطار القانوني والسياساتي للدولة، فتتّحد السلطة الزمنية والسلطة الروحية من أجل تعزيز الخير العام. هذه الفلسفة تعارض الفصل الليبرالي بين الكنيسة والدولة، وتقول إنّ الأخيرة ينبغي أن تخضع للكنيسة في المسائل المتعلقة بخلاص الإنسان وتنظيم الحياة الاجتماعية.
أبرز منظري هذا التيار أستاذ العلوم السياسية باتريك دينين في كتابه «لماذا فشلت الليبرالية»، وأستاذ القانون البارز في كلية الحقوق في جامعة «هارفارد» أدريان فيرميول، الذي يذهب إلى أنّ النظام الليبرالي أنتج فراغاً أخلاقياً لا تملؤه السوق ولا الحقوق الفردية. وفانس ربطته بدينين علاقة شخصية قبل دخوله السياسة، واستقى من هذا التيار جزءاً أساسياً من لغته السياسية وأدواته التحليلية في فهم أزمة المجتمع الأميركي.
وصول «التكاملية الكاثوليكية» إلى مكتب نائب الرئيس يعني أنّها صارت أيديولوجيا للدولة، تُترجَم في سياسات الترحيل والحدود وتعريف من ينتمي إلى المجتمع ومن يُستبعد منه. ومن هذه الزاوية، لا يمكن القول إنّ المواجهة بين فانس ومن خلفه وادي السيليكون، وليو الرابع عشر شجار لاهوتي، إذ هي صراع على تعريف السلطة ومشروعيتها.
البابا الأميركي والمفارقة الكبرى
انتُخب ليو الرابع عشر في أيار (مايو) 2025 خلفاً للبابا الراحل فرنسيس، ليصبح أول بابا أميركي في التاريخ. جاء اختيار الاسم تيمناً بالبابا ليو الثالث عشر الذي طوّر التعليم الاجتماعي الكاثوليكي الحديث في خضم الثورة الصناعية، في إشارة إلى أنّ هذه البابوية ستضع قضايا الكرامة الإنسانية في مركزها في مواجهة تحديات الثورة الصناعية الجديدة.
المفارقة أنّ البابا الأميركي الأول وجد نفسه في مواجهة مع نائب الرئيس الأميركي حول السؤال نفسه: ما معنى الكاثوليكية سياسياً؟ قال البابا ليو في أيلول (سبتمبر) 2025 إن «من يقول إنه ضد الإجهاض لكنه يوافق على المعاملة اللاإنسانية للمهاجرين في الولايات المتحدة، لا أعرف إن كان فعلاً مدافعاً عن الحياة».
ما يبدو هجوماً أيديولوجياً متقدماً هو في جوهره دفاع عن نظام يشعر بهشاشته
توصيف موجّه نحو فانس وتياره بلا مراوغة. وفي أول وثيقة بابوية رئيسية له بعنوان «لقد أحببتُك»، أدان ليو ما سمّاه «ديكتاتورية» عدم المساواة الاقتصادية، ووصف المهاجرين بأنهم «رسل أمل» تلتزم الكنيسة بالدفاع عنهم (راجع «الأخبار » - تحوّلات الهوية الدينية تنعكس على شعبية «ماغا» - الإثنين 20 نيسان/ أبريل 2026).
ما يمنح ليو ثقلاً استثنائياً في هذا الصراع هو سيرتُه قبل الفاتيكان. فهو أميركي من شيكاغو يعرف السياسة الأميركية من الداخل، وقد خدم مهاجرين في بيرو لعقود. وقد أشار المحللون إلى أنّ انتخابه أفقد تيار فانس حجة مريحةً طالما استخدمها في مواجهة الفاتيكان: القول إنّ البابا لا يفهم أميركا.
والأهم من ذلك أنّ ليو يتكلم الإنكليزية لغةً أولى، ما يعني أن خطابه يصل إلى الجمهور الأميركي مباشرة وبالكامل، من دون أن تُلطّفه الترجمة أو يُخففه الوسيط.
صار الشقاق مكشوفاً في عريه الفكري: ليو يقرأ الإرث الكاثوليكي رسالةً إلى المهمّشين، وفانس يقرأه أداةً لبناء «حضارة» تنهض على أنقاض الفرد، تتغذى على بياناته وتبيع له وهم انتمائه، في المنظومة التي يسميها المنظّرون الآن الرأسمالية المتأخرة.
وفي هذا السياق، حين يلجأ نظام اقتصادي في أزمته إلى «التكاملية الكاثوليكية» والقومية ومنظومة المراقبة الرقمية، فهو يُعلن عن احتياجه إلى دعائم خارجية لأنّ دعائمه الداخلية بدأت تتصدّع. ما يبدو هجوماً أيديولوجياً متقدماً هو في جوهره دفاع عن نظام يشعر بهشاشته.
بالانتير: البيان السياسي بلغة التكنولوجيا
وثيقة شركة «بالانتير» الأخيرة نصّ يتكلم بلغة وادي السيليكون ويحمل روح «التكاملية الكاثوليكية». فكما تطالب التكاملية بدولة تتدخل في الحياة الأخلاقية والثقافية لصون الخير المشترك، تطالب الوثيقة بواجب وطني على مهندسي التكنولوجيا، وتدعو إلى إعادة التسليح وتعزيز القوة الصلبة بعد فشل القوة الناعمة، وتنتقد ما تسمّيه «طغيان التطبيقات» وضحالة ثقافة التكنولوجيا الاستهلاكية، وتطرح سؤالاً استفزازياً: «هل صار الآيفون أعظم ما أبدعناه، إن لم يكن ذروة إنجازنا الحضاري؟».
هذا السؤال يكشف عن قلق حقيقي يسكن قيادات الشركة. التكنولوجيا في نظر هؤلاء لم تعد غاية في ذاتها، وصارت أداة لمشروع أكبر: استعادة هيمنة الدولة الأميركية في مواجهة منافسيها الاستراتيجيين. ولهذا تتجاوز الوثيقة نقد الاستهلاك الرقمي حين تتبنى منطق التراتبية الحضارية وتقول: «بعض الثقافات أنجزت تقدماً حيوياً، وثقافات أخرى ما زالت مختلة ومتراجعة». هذه الجملة، في وثيقة شركة تكنولوجيا، تجاوزت كل الحدود التي رسمتها اللغة الليبرالية لخطاب الشركات في العقود الماضية.
وهي تنسجم مع المنطق الفكري الكلي للوثيقة التي تضع «الحضارة الغربية» في مركز التاريخ وتطالب بالدفاع عنها بأدوات القرن الحادي والعشرين. أسّس «بالانتير» المستثمر بيتر ثيل ومجموعة من المهندسين عام 2003، وصارت منذ البداية ذراعاً تكنولوجية لأجهزة الاستخبارات والجيش الأميركي.
عقودها مع وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الدفاع والشرطة الفيدرالية تجعلها لاعباً عضوياً في منظومة الدولة الأمنية. وقد صار اسمها مرتبطاً بمنظومة الاستهداف العسكري وتحليل بيانات المراقبة واستُخدمت في غزة وإيران والولايات المتحدة نفسها ضد المهاجرين.
ليو يقرأ الإرث الكاثوليكي رسالةً إلى المهمّشين، وفانس يقرأه أداةً لبناء «حضارة» تنهض على أنقاض الفرد
أما ثيل، فليس كاثوليكياً ولا تكاملياً. هو يصف نفسه بأنه ليبرتاري متشكك بالديمقراطية، وقد لخّص موقفه من الكاثوليكية الرومانية بجملة ساخرة مفادها أنّ «ردّه ذا الكلمتين عليها هو البابا فرنسيس».
غير أنّ أمواله تسلك الطريق نفسه الذي تسلكه الأيديولوجيا: ضخّ خمسة عشر مليون دولار في حملة فانس للكونغرس عام 2022، وتمويل شركة «نريا كابيتال» التي أسسها فانس، فضلاً عن تبرّعات لمنظمات اليمين الجديد عبر صندوق «دونورز تراست» الذي لا يفصح عن المستفيدين. وثيل من أدخل فانس إلى عالم رأس المال في وادي السيليكون، ووظّفه في شركته «ميثريل كابيتال».
ووفق ما أورده فانس نفسه في مقاله الذي نشرته مجلة The Lamp عام 2020، فإن لقاءه بثيل في جامعة «ييل» عام 2011 هو ما أشعل فيه الفضول الديني، حين عرّفه إلى الفيلسوف الفرنسي رينيه جيرار الذي قاده في نهاية المطاف إلى اعتناق الكاثوليكية. وحين يُقرأ مسار فانس من «ييل» إلى الكاثوليكية إلى مكتب نائب الرئيس، يظهر ثيل في كل محطة: مرشداً ومموّلاً وصانع مسار (راجع «الأخبار» - مَن هم أصدقاء جاي دي فانس الذي يُفاوِض إيران؟ - الجمعة 17 نيسان/ أبريل 2026).
الدين الجديد وأسماؤه الكثيرة
ما الذي يجمع فانس وبالانتير و«التكاملية الكاثوليكية» في مشروع واحد؟ الإجابة هي استبدال الليبرالية بنظام قيمي يضع الدولة و«الحضارة» والانتماء الجماعي فوق الحقوق الفردية والسوق المنفلتة. يجد هذا المشروع في الفلسفة الاجتماعية الكاثوليكية سنداً فكرياً متجذراً، لأنها طوّرت على مدى قرون مفهوم «الخير المشترك» الذي يضع مصلحة المجتمع فوق الحقوق الفردية، ويمنح الدولة شرعية الحضور في الحياة الأخلاقية والثقافية.
ما يأخذه تيار فانس من هذا الإرث هو منطقه التراتبي والحضاري وحده، متجاهلاً أبعاده الاجتماعية والعدالية التي تمثلها بابوية ليو. والتناقض الهيكلي في هذا المشروع أنّ تياراً يرفض الفردانية الليبرالية وعبادة السوق يجد نفسه في تحالف وثيق مع شركات التكنولوجيا التي صارت من أضخم تجمعات رأس المال في التاريخ.
التوفيق بين هذين القطبين يحصل عبر مفهوم «الدولة القوية»: دولة تتدخل في الثقافة والأخلاق وتصون الهوية الحضارية، وفي الوقت نفسه تترك لرأس المال الكبير حرية التمدد طالما أنه في خدمة المشروع القومي. ويطمح هذا الفريق أن يؤدي وادي السيليكون الدور نفسه الذي أدّته الكنيسة في العصور السابقة: منح الشرعية الفكرية والأيديولوجية لمن يمسك بمقاليد القوة.
إسرائيل: حيث تلتقي الأيديولوجيا بالتكنولوجيا
إسرائيل المستفيد المركزي من هذا المشروع، على ثلاثة مستويات متشابكة. تقنياً، صارت تقنيات «بالانتير» موثّقة الاستخدام في منظومة الاستهداف العسكري في غزة وفي العمليات ضد إيران، وهو ما يمنح الوثيقة التي نشرتها الشركة بُعداً يتجاوز البيان الأيديولوجي إلى الممارسة الفعلية.
سردياً، عبارة «الدفاع عن الحضارة الغربية» التي تتبناها الوثيقة هي نفسها التي يوظّفها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطابه السياسي منذ سنوات، حين يقدّم إسرائيل وصيّةً على «الحضارة» الغربية في مواجهة ما يسمّيه «همجية الشرق». وقد أضاف نتنياهو إلى هذا الخطاب بُعداً تكنولوجياً، يروّج فيه لإسرائيل بوصفها قوة ذكاء اصطناعي عالمية في خدمة الأمن والاستهداف.
سياسياً، وجود فانس وتيار ما بعد الليبرالية في السلطة يعني إدارة أميركية لا تضع قيوداً أخلاقية أو قانونية على دعمها لإسرائيل، لأنّ المشروعين يشتركان في العدو نفسه وفي الأداة نفسها. الخيط الذي يجمع وثيقة بالانتير بخطاب نتنياهو منظومة متكاملة تتقاسم فيها رأس المال التكنولوجي والقوة العسكرية والسردية الحضارية أدواراً موزّعة في مشروع واحد.
وداخل هذا المشروع يقع توتر حقيقي: الصهيونية المسيحية الإنجيلية التي تدعم إسرائيل تجد نفسها في احتكاك متصاعد مع التيارات الكاثوليكية القومية الصاعدة التي ترى في الانخراط الأميركي المفتوح في المنطقة تهديداً للمشروع القومي الأميركي. دعم فانس لإسرائيل مشروط، يخضع لمنطق المشروع القومي الأميركي.
وهو ما يضعه في تناقض مع الصهيونية المسيحية الإنجيلية التي ترى في دعم إسرائيل واجباً لاهوتياً مستقلاً عن أي حسابات للمصلحة. إسرائيل في نظر فانس أداة في منظومة أكبر، وهذا التوصيف في حد ذاته أكثر إشكالية من البراغماتية، لأن الأداة تُستبدل حين تكفّ عن الخدمة. وفي هذه الفجوة بين الدعم المشروط والدعم العقدي يقع أحد أعقد التناقضات الداخلية في اليمين الأميركي الراهن.
الكنيسة الجديدة
البابا ليو الرابع عشر وفانس يقرآن الإرث الكاثوليكي الواحد قراءتين متباعدتين: يرى ليو فيه رسالة إلى المهمّشين عبر الحدود والثقافات، ويرى فانس فيه أداةً لبناء «حضارة» تقف في وجه ما يسميه الانحلال الليبرالي. هذا الشقاق علامة على تحوّل جوهري في بنية السياسة الغربية: انتقال الفعل السياسي من منطق التدبير والمصلحة إلى منطق العقيدة والخلاص، فيغدو الدين والتكنولوجيا وجهين لمشروع خلاصي واحد يرى في إنقاذ «الحضارة» الغربية تكليفاً. وادي السيليكون ليس كنيسة، و«بالانتير» ليست أبرشية. لكن الوثيقة التي نشرتها هذه الشركة تقول إنّ العقيدة الجديدة صارت تُكتب بالبرمجيات، وإن المعبد الجديد بُني في سان فرانسيسكو.

