«مايكل»: سيرة معقّمة لـ «ملك البوب»
بلمسة سحرية صغيرة في لقطة عابرة، إنّ أول ما نراه في «مايكل» (2026) الذي طرح أخيراً في الصالات اللبنانية، هو زوج من الأحذية، وجوارب صوفية سميكة، وجزء من بنطال أسود، بينما تُعزف في الخلفية مقدمة إحدى تلك الأغاني التي نعرفها جميعاً.


بلمسة سحرية صغيرة في لقطة عابرة، إنّ أول ما نراه في «مايكل» (2026) الذي طرح أخيراً في الصالات اللبنانية، هو زوج من الأحذية، وجوارب صوفية سميكة، وجزء من بنطال أسود، بينما تُعزف في الخلفية مقدمة إحدى تلك الأغاني التي نعرفها جميعاً. إنها طريقة سريعة للمخرج أنطوان فوكا ليؤكد بأنّ في هذه الحركات البسيطة والمستحيلة في آن واحد لقدمين متزامنتين تماماً مع أغنية بوب رائعة، في ذلك التوليف الفريد من الإيقاع والجسد والعرض، تكمن السمة الأكثر تميزاً لبطلنا مايكل جاكسون. لكن هذا الاكتشاف لا يعيش أكثر من طول تلك المقدمة. بمجرد أن تنتهي، يتراجع الفيلم عن أي محاولة لالتقاط تلك الفرادة. ينزلق إلى انضباط شبه بيروقراطي، كأنه يخشى أن يقترب أكثر، أو أن يمنح بطله مساحة يتنفس فيها خارج السرد المرسوم له.
يتبنى «مايكل» كلّ ما هو موجود في قائمة كليشيهات ذلك النوع السينمائي الفرعي الذي يمكن تسميته «السيرة الموسيقية» التي أنتجها أفراد العائلة والورثة. خط بدأه فيلم «بوهيميان رابسودي» (2018) عن فريدي ميركوري وفرقة «كوين» و«ويتني هيوستن: أود الرقص مع شخص ما» (2022) و«عودة إلى الأسود» (2024) عن إيمي واينهاوس، و«بوب مارلي: الأسطورة» (2024).
في كل هذه الأفلام، تتكرر الثيمات نفسها تقريباً: صعود صاروخي يُعاد تمثيله بواقعية مُنمّقة، توترات عائلة، ولمسات عابرة على العملية الإبداعية لا تتجاوز السطح. وفوق ذلك كلّه، موسيقى تصويرية ترصّ ضرباتها بدقة متناهية، تماماً كالساعات السويسرية.
من المدهش أن يقف مخرج متمكّن كفوكا (مخرج فيلم «يوم التدريب») وكاتب سيناريو مرموق كجون لوغان (كاتب فيلمي «الطيّار» و«الساموراي الأخير») خلف عمل يهبط إلى هذا المستوى، مقدمين عرضاً باهتاً مقارنة بثراء الإمكانات السردية والموضوعية الكامنة في حياة «ملك البوب».
كأنّهما يتلذذان بالكفاءة التقنية البحتة، ليحققا إنتاجاً باهظاً (وصلت الميزانية إلى 200 مليون دولار) لتجسيد قوة حفلات موتاون الأسطورية وجولة «باد» العالمية، أو أداء أغنيتي Beat it و Don’t Stop ‘Till You Get Enough. لكن من يحتاج حقاً إلى هذه المشاهد المُعاد تمثيلها في ظل وجود الفيديوهات الأصلية للاستمتاع بكل روعتها؟
يسعى «مايكل» إلى رسم صورة لطيفة ومهذّبة للرجل الذي كان إحدى أكثر الشخصيات حيوية وجاذبية في تاريخ الموسيقى الشعبية الحديثة. وكان المبدأ الذي حكم المشروع منذ لحظته الأولى هو تجنّب الإزعاج بأي ثمن، ليس فقط إرضاءً للورثة، بل أيضاً حفاظاً على راحة جمهور لا يريد سوى الأسطورة كما يحبّها. ما تبقّى بعد ذلك هو سرد باهت للأحداث، يُقدّم بطريقة تراكمية بسيطة، بلا نبض، ولا محاولة حقيقية للاقتراب من التعقيد الذي صنع الفنّان.
يتقدّم «مايكل» كأنه دفتر بطاقات بريدية مصقولة، مشاهد مُعاد بناؤها بعناية، وفترات موسيقية تظهر على فترات محسوبة: بداياته مع فرقة «جاكسون 5»، ومحاولاته للانفصال عن العائلة رغم قبضة الأب، والأغاني الأولى التي صنعت اسمه، ثم القفزة الكبرى مع «ثريللر»، وما عدا ذلك، فراغ شبه كامل، مع إشارات عابرة إلى هوسه بالحيوانات، وذكر سريع للبهاق، وكتاب بيتر بان الذي رافقه حتى مرحلة بلوغه.
جوزيف (كولمان دومينغو) يقدّم كربّ أسرة صارم، يريد الأفضل لكنه لا يقبل إلا ما يوافق رغباته. الأم كاثرين (نيا لونغ) تُرسم بنمطية معاكسة، متسلطة قليلاً، حنونة كثيراً، تشارك مايكل أسرارها، تأكل معه المثلجات، وتشاهد الأفلام. أما الإخوة، فوجودهم أقرب إلى الظل، لا كلمة ولا تدخل، لا أثر على المسرح أو خارجه طوال ساعتَي الفيلم.
يؤدي جعفر جاكسون، ابن شقيق الفنان، دور مايكل في أول ظهور سينمائي له، وهو أبرز ما يميّز الفيلم. يقدّم أداءً متقناً لشخصية «ملك البوب» في محاكاة حركاته على المسرح، بدءاً من رقصة «مون ووك» إلى أكثر التفاصيل الجسدية التي لا تُنسى. لكن عندما تركز الكاميرا على وجهه، لا يظهر سوى قناع خال من التعابير يحاول تخليد ذكرى مُحددة مسبقاً، ثابتة، ومكتوبة مسبقاً.
هذا كلّه ليس مصادفة. صُنع الفيلم بموافقة المالكين الرسميين لإرث مايكل. ابنه وإخوته (باستثناء جانيت، الغائبة تماماً عن الفيلم)، ومحاميه جون برانكا، جميعهم ضمن قائمة المنتجين التنفيذيين.
ولتقدير حجم نفوذهم، يكفي النظر إلى التقارير التي تتحدث عن سيناريو مُزّق مراراً، وملايين صُرفت لإعادة تصوير مشاهد بهدف حذف لحظات لم تعجبهم.
بهذا النهج التمجيدي، يُبرئ الفيلم نفسه مسبقاً من أي شعور بالذنب. يتفادى الأسئلة الصعبة، ويتعامل مع الانتقادات المتوقعة، تلك التي تشير بحق إلى الغياب الفاضح للجوانب المظلمة في حياة الفنان، كأنها ليست جزءاً من القصة أصلاً. ينتهي «مايكل» عام 1984، مع ختام جولة «فيكتوري»، والانفصال النهائي عن الإخوة والوالد، ثم تأتي شارة البداية قبل النهاية لتعلمنا بأنّ الحكاية ستستمر. لكن هل سيسمح لأي جزء لاحق بأن يقترب أكثر من مشكلات الفنّان، ومن الفضائح التي بدأت سنة 1993، وأصبحت محور وثائقي Leaving Neverland (2019)، الغائب بدوره عن منصات البث؟
يركّز الفيلم على شوق مايكل للحرية والاستقلال، وصعوده الاجتماعي وأهميته في الثقافة السوداء من خلال كسر الحواجز، مثل رفض قناة MTV بث مقاطع فيديو موسيقية لفنانين أميركيين من أصول أفريقية. ولكن إذا كانت السينما تدور حول الدراما والصراعات، فإن الصراعات التي يواجهها مايكل في الفيلم، تبدو سخيفة. وإذا كانت السينما تشكّل الرواية الرسمية الشعبية، فمن الأسهل استيعاب ملخّص الفيلم من قراءة مئات المقالات الصحافية أو السير الأكثر دقة لأنّ فيلم «مايكل» ببساطة يُعد دعاية مضلّلة.
اللحظات القليلة التي لا يكون فيها مايكل كئيباً هي عندما يركز السيناريو على صناعة ألبوم «ثريللر»، وهذه دقائق معدودة، تفتقر أيضاً إلى أي نظرة ثاقبة على الطبيعة الفنّية لإنجازات جاكسون. يتجنب الفيلم الخوض في كيفية انعكاس حياة هذا الرجل ليس فقط على تطور صناعة الترفيه، بل أيضاً على حقبة بكاملها، وبلد بكامله، ونظام بكامله.
في «مايكل»، يبدو أن فوكا قرّر أن يرفع بطل فيلمه إلى مرتبة لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها. كلّ ما ينقص هو أن يقوم «ملك البوب» بمعجزة شفاء الأطفال المصابين بالسرطان. يخصّص الفيلم مشاهد عدة لزيارات النجم لمستشفيات الأطفال، حيث يظهر عطوفاً ورحيماً، كالمسيح بين المصابين بالجذام. إن تبييض شخصية مايكل، لا يُقنع إلا المتعصّبين. الفيلم يفتقر إلى المصداقية، والغياب التام للنقد الذاتي، أو على النقيض تماماً، الحماسة المفرطة في تمجيد الشخصية، أمر وقح ومزعج لدرجة أنه يُدمّر كل النوايا الحسنة.
* «مايكل» في الصالات اللبنانية
