
«لا نعلم إلى أي مدى سيصل صوتكم وصوتنا، لكن يكفينا أن نحاول النجاة» بهذه الكلمات البسيطة يقدم أصحاب مشروع مجلة «مخيم» أنفسهم للجمهور الافتراضي عبر حسابات المجلة على السوشال ميديا، معيدين إلى الأذهان كل المحاولات الفلسطينية الأولى لتوثيق، عبر الصحافة والأدب، تفاصيل مجتمعات النزوح والمقاومة من دون انتظار أن يقول الآخرون عنهم ما يمكن لهم أن يقولوه بأدق تعبير.
وفي هذا الإطار، يبدو اسم «مخيم» طبيعياً ومتناغماً مع مشروع ولد من أبناء المخيمات في القطاع، خصوصاً أنّ العائلات التي تعيش في الخيام هي الجمهور الرئيسي المستهدف.
ويقصد بالعائلات، الأسرة الفلسطينية، التي تحاول «مخيم» الوصول إلى قصصهم التي لا تراها «كاميرا» المؤسسات المرئية الكبرى، ولا يستشعر بها إلا ابن البيئة وفق أصحاب المشروع. هكذا نجد في العدد الأول حكايا عائلات تفكّكت خلال النزوح، وقصص سيدة تحولت من «عروس إلى عنقاء» بعد خسارة كل أفراد عائلتها.
واحدة من الإشكاليات الأبدية خلال الحروب والأزمات هو سؤال: من يريد مشروعاً ثقافياً عندما يموت من القصف والجوع والعطش؟ وما الذي يمكن لمجلة أن تفعله داخل خيمة يتنازع أهلها البرد والمياه والنظافة والطعام؟
بلغة بسيطة ومباشرة، تطرح المجلة مشكلة الخيمة، فتراها بعيداً عن الحاجة والضرورة، كتحد يستوجب تعديلاً في الممارسات والحياة اليومية مع تسليط الضوء على هشاشة الخيمة المصنوعة من القماش على تأمين الخصوصية والحفاظ على الأسرة من التفكك والانكشاف. ثم في صفحة أخرى، يحاول فريق «مخيم» الإجابة عن أسئلة الحاجة والفقر واليتم والميليشيات.
رغم ظروف العمل الصعبة، يوجد إلى جانب المنشورات والبوسترات الخاصة بالمجلة عدد مطبوع، انتقل سريعاً بين أيدي العاملين في المجال الصحافي داخل القطاع، والناشطين عبر حساباتهم وهم يأخذون صوراً مع المولود الثقافي الجديد، كـأمل في عز الحرب.
وتعتمد المجلة على فريق إعلامي مؤلف من ثلاثة أشخاص من أبناء المخيمات، ذوي خبرة في مجال الإعلام، والتعامل مع الأدوات الضرورية للإنتاج، قرروا توظيفها لصالح التوثيق والحفظ، بدلاً من العمل تحت طلب وكالات الأنباء ووسائل الإعلام.
وتتألف المجلة من 22 صفحة موزعة على ستة أقسام. ورغم أن «مخيم» مجلة نصف شهرية، إلا أن تكاليف طباعتها التي تعتمد على التمويل الذاتي لا تزال تحدياً في ظل عدم استقرار الأوضاع الاقتصادية.
ومع ذلك، تصدرت صور توزيع العدد الأول اهتمام سكان المخيم، وربما تناقلته الكثير من العائلات خصوصاً مع صعوبة تأمين أعداد كبيرة من المجلة.
يمكن اعتبار الخسارة الكبيرة لعدد من أفراد الأسرة واحدة من الصفات الجامعة لفريق مشروع «مخيم»، وهذا ما يدفع «مخيم» إلى العمل على أن تكون مرآة لتبعات الإبادة على واقع الأسرة في غزة، إذ تفتح ملفات حول المرأة وتعليم الأبناء، والخلافات الأسرية، وأخرى تتعلق بتبادل وتغيّر مفاهيم الأدوار المجتمعية خلال الحرب، التي تصبح على هامش اهتمام المؤسسات الصحافية.
ويحاول مدير المشروع حمزة أبو الطرابيش الإفادة من خبرته في العمل الصحافي لعدد من المؤسسات الإعلامية، إضافة إلى توظيف خبرة زوجته التي تعمل في مجال الترجمة والكتابة في مراجعة مواد المجلة.
ولا يقلق حمزة وهو والد لطفلين إلا «التراجع أو البطء عن هذا المشروع» تحت ضغط الخوف على العائلة والشعور بالمسؤولية، مشيراً إلى أن واحدة من النقاط التي تجعل المجلة أمراً ضرورياً هو الرغبة لدى «أولياء الدم» في حفظ وتخليد تجاربهم والشهادات الفردية للإنسان الفلسطيني الغزاوي ليكون جزءاً من عملية التوثيق التي حرص عليها أبناء الأرض المحتلة منذ النكبة، وهو حماية التاريخ الشفوي وحكايا الشهداء من الضياع، وإحياء الجانب الإنساني خلف قصص القهر اليومي.
وتعتبر المجلة جزءاً من مشروع ثقافي يسعى أبو الطرابيش إلى العمل عليه، بعد إصدار كتابه الأول «مجازر مخيم جباليا» (2026 ــ الآن ناشرون وموزعون) في الأردن، ضمن مبادرة «غزة تبدع»، ويوثق الكتاب قصص تسع وعشرين مجزرةً ارتكبتها قوات الاحتلال في جباليا شمال قطاع غزة.
يقول فريق «مخيم» إنّ المجلة تعمل في إصدارها الثاني على ملف الإشكاليات التي تقع بين ذوي الشهداء والأضرار التي تنعكس على أطفالهم، بما يعكس أهمية المجلة المصنوعة بيد أبناء الوجع الواحد في تسليط الضوء على قضايا حساسة يمكن لأي فرد تجنبها إلا من ذاق آلامها ولوعاتها. وهكذا تحمل المجلة شعار «صدى النزوح».

