
بين كلمات تأبين الشهيدة الزميلة آمال خليل، حضرت رمزية لافتة بدخول قطة بين الحشود وجلوسها قرب المنبر، في مشهد عكس جانباً من شخصية خليل المحبة للحيوانات. الوقفة التي نُظّمت أمس أمام «مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر» في الحمرا، استعادت سيرة خليل كمناضلة قبل أن تكون صحافية، حملت قضايا المعتقلين بلا تمييز، وواكبتها ميدانياً وإعلامياً. وطالب المشاركون بمحاسبة المسؤولين عن اغتيالها، عبر آليات قانونية دولية تضع حداً لإفلات الجناة من العقاب، مع التأكيد على ضرورة تحويل المواقف إلى خطوات عملية وتحقيقات دولية جدية.
بين الكلمات التي استذكرت الشهيدة الزميلة آمال خليل، وتحديداً حبها ودفاعها عن الحيوانات، دخلت قطة بين الحشود، ووجدت لنفسها مكاناً قرب المنبر، حتى طغى مواؤها لثوانٍ على الكلمات. أمام «مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر» أمس في الحمرا، تجمّع عدد من الناشطين الحقوقيين والصحافيين وعائلة خليل، وحضر يوسف فواز ممثلاً وزير الإعلام المحامي بول مرقص، في تحية وفاء لخليل، بدعوة من «مركز الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب» وأصدقاء ورفاق خليل، وقطة «أدركت حب خليل لها» كما قالت إحدى المشاركات.
كشفت هذه الوقفة عن جانب آخر للشهيدة، فبرز الوجه الإنساني لخليل، وماذا يعني أن يكون الصحافي إنساناً بالدرجة الأولى، بالفعل وليس بالشعارات. فقد ناضلت من أجل قضية الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي، والمخفيين قسراً في الحرب الأهلية اللبنانية، وحقوق الحيوان.
صحافية ومناضلة ثورية
في كلمته، قال رئيس «مركز الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب» محمد صفا إنه لم يتوقع أن ترحل خليل، فقد تعرّف إليها يوم جاءت متطوعة منذ 30 عاماً، وحملت صور جميع المعتقلين من دون أي تمييز لحزب أو تنظيم، فهي عرفتهم جيداً وعرفت أهلهم وزارت منازلهم، والأوفياء يحملون صورها الآن. قبل أن تكون إعلامية، هي مناضلة وثورية، وشاركت في اعتصامات ضد التعذيب في معتقل أبوغريب، وسافرت إلى أثينا وإسطنبول ضد الاستبداد العربي ومناهضة التعذيب. وقال إنه خلال عملها الصحافي في جريدة «الأخبار»، كانت تنفذ عمليات للمقاومة، فكل رسالة وكل خبر وكل مقطع فيديو، كانت عمليات ضد الاحتلال الإسرائيلي.
-
وداد حلواني، رئيسة لجنة أهالي المفقودين (مروان بو حيدر)
وألقى شقيق الشهيدة علي خليل كلمة العائلة قال فيها إن آمال لم تكن تبحث عن سبق صحافي، بل سعت إلى نقل الحقيقة، ولم تبخل بمعلومة عن زملائها لتوثيق انتهاكات العدو. وقد طلبت من زميلتها زينب فرج استخدام أحد هواتفهما لتوثيق ما كان يجري حتى اللحظة الأخيرة. كما تحدثت ابنة شقيقتها روان جابر التي عبّرت عن فخرها بكل ما تعلمته وورثته من آمال، وقالت إننا لا نعلم إلا القليل عن آمال خليل وأخلاقها ومبادئها التي لم يكن من الممكن أن تتنازل عنها، إضافةً إلى تواضعها وعطائها وطيبتها وتضحياتها الكثيرة.
اغتيال المناضلة المثال
ووجهت رئيسة لجنة المفقودين في لبنان وداد حلواني تحية إلى «صديقتي الجميلة آمال»، وقالت إن مدخل تعارفهما كانت قضية المخفيين قسراً في الحرب الأهلية اللبنانية، وبدأت آمال العمل مع اللجنة من موقعها في مركز الخيام في جنوب لبنان، وتضامنت مع القضية وواكبتها كصحافية وكواحدة منهم، وشاركت في معظم تحركاتهم، وتقربت من أهالي العائلات وكتبت عن معاناتهم. وخلال عملها في الجنوب، وثّقت همجية الاحتلال وجرائمه ومجازره بحق السكان الآمنين والحيوانات والمزروعات والبيئة «بالكلمة الجريئة والصوت العالي والصورة الناطقة». وختمت قائلةً: «اغتيلت المناضلة المثال، يا مئة ألف خسارة»، وأضافت لها لقب «سفيرة الكرامة الإنسانية».
ووصف المناضل جورج عبدالله خليل «بالوجه المشرق للمقاومة الشعبية»، مؤكداً على أنّها محفورة في وجدان كل مناضل في هذه الديار، وكل أسير يسمع صوتاً يأتيه من خلف القضبان، بعيداً عن أي ضجيج، وعن الخيانات التي نرى ملامحها تتحول الآن أمام محاولات التطبيع والتدنيس لدماء الشهداء ومواقف الأبرار.
الضغط لمعاقبة إسرائيل
من جهته، قال الصحافي بسام القنطار: «آمال خليل عنوان للوفاء، ووفاء للشهيدة آمال خليل وكل شهداء الصحافة والإغاثة وفرق الإسعاف والطبابة والشهداء المدنيين على امتداد الوطن الجريح، يكون بالعهد والوعد بأن نبقى نناضل لعدم إفلات الجناة من العقاب». وهذا يصار له من خلال محاكمة ومعاقبة من قتل آمال خليل، بقرار من مجلس الوزراء فوراً بقبول اختصاص محكمة الجنايات للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني في لبنان. وأضاف أنّ «معاقبة الجناة على أفعالهم الفردية الجنائية، وأفعال دولة الاحتلال، ومنع الإفلات من العقاب، تكون عبر لجان دولية مستقلة للتحقيق في الجرائم المتمادية والمستمرة لقوات الاحتلال».
وباسم أسرة «الأخبار»، تحدث المتخصص في العلوم الجنائية الزميل عمر نشابة عن الحاجة إلى تحقيق دولي متكامل بعد التعرّض المباشر للصليب الأحمر الدولي والمسعفين والأطباء والمراكز الطبية والصحافيين، وضرورة تحويل الكلمات والبيانات إلى أفعال وخطوات ملموسة وتحقيقات دولية، ولجنة تقصي حقائق دولية، وفتح تحقيق في المحكمة الجنائية الدولية. وإذا كان هناك اعتراض على التوقيع على نظام روما الأساسي، يمكن الافادة من المادة 12 من النظام (الفقرة الثالثة)، وطلب اختصاص انتقائي، أي اختصاص محدد للنظر بجريمة محددة.
صديقة وحامية الحيوانات
أما رفيقة وصديقة خليل الناشطة غنى نحفاوي، التي اجتمعت مع خليل في «لجنة المتابعة لقضية المعتقلين اللبنانيين في السجون الإسرائيلية» و«مركز الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب»، فقالت إنهما التقيا على همّ إعادة للمعتقل صوته، وللمنسي اسمه، وللمقهور كرامته. وقالت إنّ قلبها اتسع للوطن كله ولم يضق لمخلوقٍ ضعيف، فبعد إنهاء عملها الميداني، كانت تسعى لتنقذ الكلاب والقطط الشاردة وتطعمها، وحتى في أيام السلم كانت ترصد كل انتهاك بحق الحيوانات البرية. وفي حديث معنا، قالت نحفاوي إن هذا الجانب من الشهيدة آمال خليل لا يعرفه الكثير من الناس. إذا أردنا العودة إلى ما قبل الحرب، فقد شاهدنا بعضاً مما كانت تقوم به كمراسلة، خصوصاً في ظل كثرة الضحايا، ومن بينهم الحيوانات. وبحكم كونها مراسلة، كانت تنقل الكثير من هذه المشاهد، فبدأ الناس يلمسون هذا الجانب منها، لكن الحقيقة أن حب آمال للحيوانات لم يكن وليد الحرب، بل هو قديم جداً.
وتضيف: «تربطني بآمال علاقة منذ 25 عاماً. منذ ذلك الوقت، كنا متعاهدين أنه في أي ساعة، وأي مكان في الجنوب، إذا وُجدت حالة لحيوان بحاجة للمساعدة، نبذل المستحيل لإنقاذه، ولو اضطررنا لإيقاظ أطباء بيطريين ليلاً لاستقبال الحالة. قد يظن بعضهم أنّ الاهتمام بالحيوانات أمر طارئ، لكنهم لم يكونوا موجودين عندما كانت آمال تصرخ بكل اللغات في الأمم المتحدة دفاعاً عن المعتقلين وهم بشر. آمال كانت إنسانة بكل ما للكلمة من معنى، وكان لديها حب وشغف للقطط، والبستان أمام منزلها مليء بالقطط التي أنقذتها من الشارع».
وتتذكر حالة كلب صدمته سيارة، ونقلته ليلاً إلى الطبيب. ورغم صعوبة حالته، كانت تحاول إجراء عملية له لعلّه يستعيد قدرته على المشي. وفي حالة أخرى، احتفظت بكلب عاجز قرب منزلها لتبقى تراقبه وتعالجه حتى يتعافى. وخلال الحرب، كانت آمال تخبر نحفاوي عن خيول شردت من مزارعها، وتسعى لإيجاد أصحابها أو التواصل مع جمعيات لتأمين الطعام لها. ولم يقتصر اهتمامها على الحيوانات الأليفة، بل شمل النحل، والمواشي، والأبقار التي شردت. «كان لديها شغف حقيقي بكل كائن حي، وكانت ترى أن هذا الكائن الضعيف بحاجة لمن يتكلم باسمه».
بالنسبة إلى آمال، لم يكن هناك فصل بين الدفاع عن الإنسان أو الأرض أو الحيوان. كانت ترى أن الكرامة حق لكل كائن حي، وأن الدفاع عنها واجب. لذلك، كانت قضيتها دائماً السعي إلى الحق، مهما كان الطرف المظلوم، ولو كان شجرة، وهنا تكمن عظمة آمال.
وتخللت الوقفة أيضاً كلمات لزهراء عبد اللطيف عن «بيت أطفال الصمود»، والأسير المحرر أنور ياسين، وترايسي خوري عن «المركز اللبناني لحقوق الإنسان»، وكلمات من فلسطين.

