«شيطان برادا» يطرح أزمة الصحافة... بعقلية انستغرام!
بعد عشرين عاماً على صدور «الشيطان يرتدي برادا» (2006)، يبدو الفيلم اليوم كأنه أثر من مرحلة سينمائية كانت لا تزال تؤمن بأن الخفة فن، وأن السطحية ليست عيباً إذا كانت مصنوعة بإتقان.


بعد عشرين عاماً على صدور «الشيطان يرتدي برادا» (2006)، يبدو الفيلم اليوم كأنه أثر من مرحلة سينمائية كانت لا تزال تؤمن بأن الخفة فن، وأن السطحية ليست عيباً إذا كانت مصنوعة بإتقان. كان فيلماً كلاسيكياً في بنائه، لكنه عرف كيف يقدّم تلك الكلاسيكية بلمعة خاصة، عن رحلة صعود شخصية شابة تُلقى فجأة في عالم لا يشبهها، فتتغيّر من شدّة الاصطدام. هذا القالب استُهلك كثيراً، لكنه هنا كان يعمل لأنّ الفيلم فهم شيئاً أساسياً: الجمهور لا يحتاج إلى ابتكار جذري كي يتعاطف، بل إلى شخصية يمكنه أن يرى نفسه فيها، ولو للحظة.
التمثيل كان جزءاً من تلك المعادلة أيضاً. ستانلي توتشي في أفضل حالاته، آن هاثاواي في مرحلة صعودها، وميريل ستريب التي قدّمت واحدة من أكثر الشخصيات رسوخاً في ذاكرة الثقافة الشعبية. حتى الحبكات الفرعية، مهما بدت بسيطة، كانت تعمل كخيوط صغيرة تشدّ السرد من دون أن تشتّته.
ولهذا تحوّل الفيلم إلى «كلاسيكي فوري» داخل نوعه، رغم أنه لم يدّعِ يوماً أنه أكثر من فيلم ممتع ومحبوب.
الفيلم الأول استند إلى كتاب بالعنوان نفسه للكاتبة لورين وايزبرغر، وإلى تجربتها الشخصية كمساعدة لآنا وينتور، رئيسة تحرير مجلة «فوغ». حقق الكتاب نجاحاً كبيراً ووضع ضمن خانة «أدب النساء الشابات». الفيلم الذي أخرجه ديفيد فرانكل، لم يكن سيرة بقدر ما كان محاكاة ساخرة بلمسة واقعية.
مع ذلك، ظل وفياً لوجهة نظر آندي ساكس (هاثاواي)، ما جعل الشخصيات الأخرى، خصوصاً ميراندا (ستريب)، محصورة في أدوار محددة. كان ذلك جزءاً من منطق الفيلم، عالم الموضة كما تراه فتاة من خارجه، لا كما يراه أهله.
«الشيطان يرتدي برادا 2» (2026) الذي طُرح أخيراً في الصالات اللبنانية، يدخل من باب مختلف. نجد آندي بعيدة عن غرفة أخبار مجلة «رانوي»، وقد رسخت مكانتها كصحافية مرموقة. لكن عندما تواجه المجلة أزمة بسبب تحديات الصناعة، تضطر إلى لمّ شملها مع رئيسة عملها السابقة، ميراندا، في محاولة لإنقاذ المجلة.
من السهل القول إن الجزء الثاني غير ضروري. النهاية المحكمة للفيلم الأول كانت كافية. لكن الفيلم الجديد يعرف هذا، ويبدو أنّه قرر أن يبرّر وجوده عبر شيء واحد، وهو منح الشخصيات فرصةً للنمو بدل إعادة تدويرها. عودة هاثاواي وستريب وتوتشي وإيميلي بلانت، ليست مجرّد استدعاء للحنين، بل محاولة لإعادة اختبار الكيمياء التي صنعت نجاح الفيلم الأول، لكن في عالم تغيّر كلياً.
يختار الفيلم نبرةً أكثر درامية، من دون أن يغرق في السوداوية. يضع أزمة صحافة الموضة في قلب السرد، وانهيار المطبوع، وصعود المنصات الرقمية، وإغلاق المجلات التي كانت يوماً مؤسسات ثقافية عريقة ذات رؤيا. هذه ليست مجرد خلفية، بل المحرك الأساسي للصراع. وهنا يختلف الفيلم عن الجزء الأول، حيث لم يعد عالم الموضة مساحة للخيال اللامع، بل ساحة معركة بين زمنين.
يعتمد «الشيطان يرتدي برادا 2»، مرة أخرى، على القالب ذاته: لعبة تناقضات جاهزة، بعضها مسلّ، لكنها في النهاية لعبة مألوفة.
الفيلم الأول، بكل تناقضاته، كان يتحدث عن زمن لم يكن أمام المرأة فيه، خيار سوى التضحية بكلّ شيء آخر. كان يبيّن كيف يلمّع عالم الموضة السطحي، ليخفي واقعاً لا يرتقي فيه أحد، بل يعيش الناس فقراً يبدو أنيقاً من الخارج. كان فيلماً عن كيفية تشكّل هذا الاختلالات، لكنه كان ذكياً بما يكفي ليمنح البطلة والجمهور مساحةً للتنفيس.
اليوم، مع الجزء الثاني لم يعد هناك ما يُخفى. كل المخاطر التي لمّح إليها الفيلم الأول أصبحت حقائق يومية. اقتصاد العمل الحرّ فاقم هشاشة العمالة، وقلّص الطموحات، وجرّد حتى النجاح من معناه. ومع ذلك، يختار المخرج ديفيد فرانكل الطريق الأسهل والأقل أهمية: الاحتفال مع المعجبين وضحايا الموضة، وتقديم الحلّ الساذج الذي يختزل كل التعقيدات في فكرة أن الأمور تُحلّ بوشاح أنيق، وذوق رفيع، وشخص ثري طيب القلب يتدخّل في اللحظة المناسبة.
يبدو الفيلم، في جوهره، كجزء ثان صُمّم بعقلية تجارية، لا يطمح إلى أكثر من إعادة تدوير نجاحه القديم بدل أن يغامر بطرح جديد. وهذا ليس مجرد خلل في الفيلم نفسه، بل انعكاس مباشر لأزمة السينما المعاصرة: صناعة أصبحت أسيرة النمطية، تتحرك وفق إيقاع الاتجاهات السائدة، وتستعير منطق وسائل التواصل الاجتماعي. أفلام تُبنى كمنتجات قابلة للاستهلاك السريع. إلى هنا لا بأس، السينما التجارية ضرورية ومحبوبة ولها سحرها الخاص.
ولكن «الشيطان يرتدي برادا 2» تحوّل إلى مثال صارخ إلى الانزلاق من «السينما» إلى «المحتوى». فيلم يرفع شعار الدفاع عن الصحافة التقليدية في مواجهة طوفان المؤثرين والمنصات الرقمية، لكنه في تنفيذه يتبنّى المنطق نفسه الذي يدّعي مقاومته. إيقاع سريع بلا ضرورة، مشاهد مصقولة بلا روح، وقرارات سردية تُتخذ كما لو أنها مصممة لتناسب مقطعاً قصيراً على إنستغرام أكثر مما تناسب شاشة سينما.
مع ذلك، لا يمكن إنكار أن الفيلم ينجح في شيء أساسي: تقديم تجربة مسلية، مشغولة بإتقان، تُرضي جمهور الجزء الأول. لكنه يفشل في استثمار الفكرة الأكثر إثارة فيه، مؤسسة إعلامية كانت يوماً مرجعاً، تواجه الآن انهياراً بطيئاً أمام سرعة العصر الرقمي. هذا الخيط كان يمكن أن يكون قلب الفيلم، لكنه يُختصر في سلسلة مشاهد ديناميكية تنتهي، كما في الجزء الأول، بعرض أزياء كبير وأداء موسيقي لامع في إيطاليا. إنها الوصفة نفسها، لكن بإيقاع أكثر نضجاً وأقل دهشة.
الجزء الثاني من «الشيطان يرتدي برادا» يعيش بين زمنين. زمن السينما التي كانت تصنع شخصيات، وزمن المحتوى الذي يصنع لحظات. وربما هذا ما يجعله مثيراً للاهتمام رغم كل شيء، إذ إنّه يعكس ارتباك عصره، حتى حين لا يقصد ذلك.
* The Devil Wears Prada 2 في الصالات


