ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

انطلاق قطار «العدالة الانتقالية » في دمشق: الإعلام السوري يهلّل لمحاكمات القرون الوسطى!

ثقافة
|ميديا
حفظ المقالة

تتسارع في سوريا مؤشرات إطلاق ما تصفه الحكومة المؤقتة بمسار «عدالة انتقالية»، مع تزايد مشاهد التوقيفات العلنية وبثّ جلسات المحاكمات على نحوٍ مكثّف.

الأخبار
الجمعة 8 أيار 2026
انطلاق قطار «العدالة الانتقالية » في دمشق: الإعلام السوري يهلّل لمحاكمات القرون الوسطى!
الخط

تتسارع في سوريا مؤشرات إطلاق ما تصفه الحكومة المؤقتة بمسار «عدالة انتقالية»، مع تزايد مشاهد التوقيفات العلنية وبثّ جلسات المحاكمات على نحوٍ مكثّف. يترافق هذا المسار مع جدلٍ واسع حول طبيعته وحدوده، في ظل اتهامات بتحويله إلى أداة إعلامية وسياسية أكثر منه إطاراً قانونياً شاملاً


«ما عندك قلب حتى تقتل الناس بهذه الطريقة؟» سؤال بنبرة أخلاقية طرحه وزير الداخلية السوري أنس خطاب على أمجد يوسف المسؤول عن ارتكاب مجزرة في دمشق سنة 2013.

تداول كثير من وسائل الإعلام المشهد بوصفه تحقيقاً للعدالة وإثارة للموقف الأخلاقي وراء جرائم الحرب. لكن الإعلام تجاهل حقيقة أنّ السؤال المطروح يأتي من الوزير المعروف باسم «أبو أحمد حدود» المصنف لتاريخ قريب على قوائم الإرهاب الدولية بسبب ارتكاب جرائم حرب بدوره.

هكذا فاللحظة التي أُريد لها أن تبدو استعادة للعدالة، كانت في عمقها تطرح إشكالية أعمق: من يملك حق مساءلة من؟

تسريبات ونشر بتوقيت محدد

بكاميرات متعددة ولقطات احترافية، شكّلت مشاهد لحظة إلقاء القبض على أمجد يوسف يوم 24 نيسان (أبريل) الماضي مادةً إعلامية مثيرة للجدل. بينما عرضت وزارة الداخلية مشاهد تظهر يوسف، وهو يعيش حياة طبيعية داخل منزله في قريته في ريف حماه قبل توقيفه، كشفت مصادر لنا «أن يوسف موقوف فعلياً منذ أيلول الماضي»، ما يرجّح أنّ ما عُرض كان إعادة تمثيل مدروسة.
تواصلنا مع المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا من دون الحصول على جواب حتى اللحظة.

هذا التضارب في الروايات حول كيفية وتاريخ إلقاء القبض على يوسف، يطرح تساؤلات حول نية السلطات السورية استخدام الحدث كأداة لإدارة الرأي العام وصرف الأنظار عن أزمات معيشية متفاقمة، لا تحقيق العدالة بالضرورة، خصوصاً أنّ اعترافات يوسف، تضمنت تحمّله لكامل جريمته ونفيه تلقي أي أوامر عسكرية عليا، بما يتناسب مع فرضية براءة فادي صقر المسؤول الأمني عن «التضامن» حيث وقعت المجزرة. علماً أنّ صقر سبق أن عقد اتفاق مصالحة مع النظام السوري الجديد، تولى على إثرها ملف «السلم الأهلي» في سياق يجعل من إلقاء القبض على يوسف جزءاً من استراتيجية سياسية - إعلامية.

يأتي توقيف يوسف نتيجة مسؤوليته عن إعدام عشرات المدنيين في «حي التضامن» جنوب دمشق. كشفت هذه العملية للمرة الأولى في 27 نيسان (أبريل) 2022، عبر تحقيق لصحيفة «الغارديان» البريطانية التي نشرت مقطعاً مصوراً قالت إنّه مسرّب من أحد المجندين في النظام السوري السابق، ويُظهر قتل 41 شخصاً وإحراق جثثهم.

جاء إلقاء القبض على يوسف في سياق متزامن مع نشر وتسريب مجموعة كبيرة من مقاطع الفيديو تتعلق بمواقع وجرائم مرتبطة بالنظام السابق، من بينها مشاهد حصرية للحظات الأولى لدخول سجن صيدنايا نشرتها منصة «سوريا الآن» التابعة لشبكة «الجزيرة» الإعلامية، وأخرى عبارة عن تسريبات مجهولة المصدر قيل إنّها مقاطع فيديو ملتقطة عبر كاميرات المراقبة داخل السجن في ليلة سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، تلتها فيديوهات لمشاهد تعذيب قيل إنّها مأخوذة في أحد المستشفيات العسكرية.

أشعلت الفيديوهات السابقة منصات التواصل الاجتماعي، مثيرة تساؤلات حول دلالاتها وأهدافها، خصوصاً في ظل غياب مصدر واضح للتسريبات المنسوبة إلى كاميرات المراقبة داخل السجن. ذهب متابعون إلى التساؤل حول سبب عدم الكشف عن هذه التسجيلات في وقت سابق، وعما إذا كان توقيت النشر مرتبطاً باعتبارات سياسية أو إعلامية كما في حالة أمجد يوسف، بدلاً من نشرها حال العثور عليها، أو جزءاً من حملة تحريض واسعة.

كل التسريبات السابقة لم تُنتج نقاشات جدية حول العدالة بقدر ما أطلقت موجة من الاستقطاب الحاد. انزلق الخطاب سريعاً من مساءلة الجرائم إلى نقاشات طائفية، وتحولت منصات التواصل إلى ساحات تحريض واتهامات ودعوات بإنزال أشد العقوبات بجماعات كاملة، من خلال ممارسة «محاكمات شعبية» افتراضية أقرب إلى منطق القرون الوسطى.

من بين هذه الحملات انتشار مطالبات بمعاقبة جميع أهالي قرية أمجد يوسف الذي قُبض عليه داخلها، بعدما اعتبر المتابعون أنّ القرية كانت تغطي على يوسف، حتى اضطرت منصة «سوريا الآن» إلى تصوير تقرير يتضمّن شهادات من أهالي القرية ينفون فيها معرفتهم بوجوده داخل منزله في القرية ويدينون جريمته السابقة.

انتباه... محكمة!

بعد مرور يومين على إعلان القبض على يوسف، أعلنت دمشق عن انطلاق أولى جلسات محاكمات العدالة الانتقالية في سوريا، في محاكمة علنية حضورية لعاطف نجيب، أحد أبرز رموز النظام السابق، المتّهم بارتكاب انتهاكات خلال الحرب السورية. لم تكن هذه الجلسة أقل جدلاً من الأحداث التي سبقتها، إذ رافقها كثير من التعليقات والاعتراضات على أصل وقانونية المحاكمة والتغطية الإعلامية المرافقة لها وتكثّف العناصر الدرامية خلالها.

المتهم الأول مرتبط بالشرارة الأولى لانطلاق الثورة وقضية اعتقال أطفال درعا عام 2011، ويصادف أنه الاسم الأول في قفص الاتهام، وهو ما يبدو أنّ السلطة في سوريا تعيه، إذ أشار إليه حسن الدغيم المقرب من النظام في دمشق، لافتاً إلى أن نجيب تربطه علاقة قرابة ببشار الأسد، ما يجعل رمزيته أكثر فاعلية.

لم تتوقف العناصر الدرامية على عاطف نجيب وصنّاع المحتوى الذين تناوبوا على رشقه بالأسئلة، والتقاط «السيلفي» معه، فالقاضي السوري الذي تصدّر المشهد بعد ترؤسه أولى جلسات العدالة الانتقالية في دمشق، هو فخر الدين العريان، وهو قاضي منشق عن النظام السابق، صدر بحقه سابقاً حكم غيابي بالإعدام، ما يزيد من رمزية ودرامية الجلسة العلنية الأولى، ويجعلها تفاصيل مغرية لمحتوى السوشال ميديا في وسائل الإعلام. ما سبق جزء من الأسباب التي جعلت المحاكمات تقابل برفض واعتراض طيف واسع من الناشطين والحقوقيين، في مقدمتهم أسامة عثمان المدير التنفيذي لمنظمة «ملفات قيصر لأجل العدالة».

إذ كتب على فايسبوك «من محاكمة القرن إلى مسرحية هزلية، من يحاكم من؟». ووصف عثمان المحاكمات بأنها «محاولة لتفريغ العدالة من مضمونها: هي دعاية سياسية، وأي قبول بهذا المسار (حتى بحجة النقد) قد يتحول إلى اعتراف ضمني بشرعية إجراءات لا تستوفي أصلاً الحد الأدنى من شروط العدالة».

حدّد عثمان شروطاً للعدالة وجدها غير متوافرة في المحاكمات، وهي «قضاء مستقل لا يخضع لتوجيه سياسي أو أمني وقوانين تجرّم الجرائم الجسيمة كجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وإبادة (لجميع الأطراف)، وشمول سلسلة القيادة ونزع الحصانات عن كل منصب سياسي أو أمني أو عسكري سابق أو حالي».

ورغم محاولة إظهار الجلسات كحدث علني مفتوح للإعلام، إلا أنّ مصادر كشفت لنا أنّ الجلسة الأولى كانت منظمة عبر دعوات محددة لصحافيين وصنّاع محتوى معروفين بولائهم للسلطة، في مقدمتهم الثنائي المثير للجدل جميل حسن وهادي العبدالله، فيما مُنع صحافيون آخرون من الدخول والتغطية. بذلك، تتحول المحاكمة إلى عرض درامي مُتحكَّم فيه، تضمن مشاهد مخاطبة للمتهم وتصوير «ستاندات» بلاغية من أمام قفص الاتهام.

يعاني مسار ما يُطرح بوصفه «عدالة انتقالية» من مشكلات جوهرية، أبرزها الانتقائية في اختيار من تتم محاكمتهم وفق معايير غير معلنة، إضافة إلى أنه يتم وفق القانون السوري السّابق، الذي لا يتضمن نصوصاً واضحة حول جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية، ما يعني أنها تستهدف أفراداً لا بنية نظام، وتفتح الباب لإسقاط جرائم مرّ عليها أكثر من عشر سنوات، وفق مبدأ التقادم كما جاء على لسان أنور البني رئيس «المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية» في تعليقه على مجريات الجلسة الأولى لمحاكمة شخصيات من النظام السوري السابق.

تحولت المحاكمة إلى عرض درامي تضمن مشاهد مخاطبة للمتهم

وصف البني الجلسة بـ «السيرك» والاستعراض الإعلامي معتبراً في تصريح للإعلام السوري بأنّ «ما جرى داخل قاعة المحكمة لا يمتّ لأصول المحاكمات بصلة»، مشيراً إلى توجيه الصحافيين الأسئلة للمتهم والقاضي خلال الجلسة، كأمر «لا يحدث حتى في محاكم بدائية في دول متخلّفة» على حد تعبيره.

يضيء كلام البني على قانونية المحاكمات الجارية التي تستأنف ثاني جلساتها في الشهر الحالي. فوفق المعلن والمعمول به، هي تجري وفق قانون قديم غير صالح وشامل لموضوع المحاكمة، أو وفق قانون غير معلن عنه، وهذا يثير الكثير من الأسئلة حول تسييس القانون والقضاء لصالح السلطة الحاكمة اليوم في دمشق في ممارسة لا تختلف عمن سبقها. وبالتالي، فإن أي رغبة جدية في محاسبة المجرمين تتطلب تشريعاً قانونياً جديداً، وهو أمر غير ممكن من دون انعقاد مجلس الشعب السوري، وهو ما يجعل المسار الحالي قاصراً بنيوياً عن تحقيق العدالة.

تضخيم الشرّ وتهميش العدالة

في قاعة محكمة مكتظة بالناس وصناع المحتوى والكاميرات وسط دمشق، يستدعى متهم بجرائم جسيمة ارتُكبت خلال سنوات الحرب. تُتلى عليه التهم، تتعالى أصوات الحضور، ويُقدّم الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي المشهد بوصفه لحظة انتصار للعدالة.

لكن خلف هذا الإخراج المكتمل ظاهرياً، يبرز سؤال أكثر إزعاجاً: هل نحن أمام مسار عدالة حقيقي، أم أمام إعادة إنتاج للشر؟ هذا السؤال ليس جديداً. قبل أكثر من ستة عقود، تحوّلت محاكمة أدولف أيخمان أحد ضباط النازية في القدس إلى لحظة تأسيسية في تاريخ العدالة الحديثة، ونموذج باكر لتقاطع العدالة مع السياسة. كان هدفها وفق ما صرّح دافيد بن غوريون «تذكير العالم بما تعرض له اليهود»، أي تحويل المحكمة إلى أداة لإنتاج ذاكرة سياسية استخُدمت لاحقاً كأحد مبررات العنف الإسرائيلي الممتد لعقود.

هذا التداخل بين العدالة والسياسة لا يبدو بعيداً عن السياق السوري اليوم. فالمحاكمات الجارية، رغم ما تحمله من مطالبات مشروعة بمحاسبة مرتكبي الجرائم، تُطرح ضمن آليات غير متوافق عليها، وتُدار من قبل سلطة كانت حتى وقت قريب، طرفاً في النزاع وجرائم الحرب.

ورغم أن هذه المحاكمات تُرضي شريحة واسعة من المتضررين، وتمنح شعوراً فورياً بالإنصاف، فإنها في الوقت نفسه تُقيّد النقاش العام، وتجعل نقدها محفوفاً باتهامات التشكيك أو التواطؤ.

ومع ذلك، برزت أصوات رافضة لهذا المسار، من بينها أسامة عثمان، الذي اختار موقعاً صعباً برفضه منح هذه المحاكمات شرعية قانونية أو شعبية، انطلاقاً من إيمانه بالعدالة.

هذا الموقف يعيد استحضار الجدل الذي أثارته حنة أرندت في كتابها «آيخمان في القدس: تقرير حول تفاهة الشر». إذ لم يكن اعتراضها على محاكمة أيخمان بحد ذاتها، بل على الطريقة التي جرى من خلالها تأطير الجريمة. فهل نحن أمام عدالة انتقالية، أم أمام نسخة مُعاد تدويرها من السلطة، تستخدم القضاء كأداة لإعادة تثبيت شرعيتها؟

الجدل حول المسؤولية الأخلاقية (هل تقع على الفرد أم على النظام؟) أو الجدل حول عدالة الجهة القضائية ليس جديداً، بل يتكرر في معظم محاكمات القرن الماضي، من سلوبودان ميلوشيفيتش إلى صدام حسين، وصولاً إلى المحاكمات التي تسعى دمشق إلى إجرائها اليوم بحق مسؤولين من النظام السابق.

وضمن هذا المناخ، تمارس دمشق «لعبة سياسية» خطيرة في تأجيج الخطاب، من خلال تضخيم الإثارة المرتبطة بـ «الشرّ»، وتهميش الأسئلة الجوهرية، المرتبطة بـ «العدالة».

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك