الصحافة البريطانية تقولها بالفم الملآن: إبادة مع سبق الإصرار

لندن | حكمت هيئة تراقب المواد الصحافية في بريطانيا بأن للصحف في المملكة المتحدة الحقّ في وصف أفعال إسرائيل في غزة بأنها «إبادة جماعية».
حرية التعبير أم توصيف قانوني؟
ورفضت «منظمة معايير الصحافة المستقلة» (IPSO) شكوى من أحد القراء ضد استخدام المصطلح من قبل جريدة «ذي ناشونال» ــ التي تصدر في إقليم اسكتلندا ــ لوصف الحرب الإسرائيلية على القطاع الفلسطيني. وارتبطت الشكوى المتعلقة بتقرير نشرته «ذي ناشونال» في تشرين الأول (أكتوبر) من العام الماضي ونوّهت به على الغلاف بعنوان: «زار 27 نائباً بريطانياً إسرائيل خلال إبادة غزة – انظر القائمة الكاملة».
وجاء في فحوى الشكوى أنّه من غير الدقيق استخدام وصف «إبادة جماعية» ترتكبها إسرائيل كحقيقة، بحكم أن الهيئة القانونية المكلفة بإصدار مثل هذا القرار هي محكمة العدل الدولية التي لم تصدر حكمها في هذا الشأن بعد ـ رغم أنها تنظر فيه منذ عام 2023. وأورد قرار المنظمة: «لم تكن IPSO في موقع يمكّنها من الفصل في أفعال إسرائيل بما في ذلك تحديد ما إذا كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة أم لا. وفي غياب حكم قانوني بهذا الخصوص، لم يمكن لنا أن نحدد ما إذا كان المقال غير دقيق أو مضلّاً أو مشوهاً في هذه النقطة».
غضب جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل
ومع ذلك، فقد قررت المنظمة أنّ التقرير غير دقيق لأن 28 نائباً، وليس 27، زاروا الدولة العبرية خلال الفترة التي يغطيها.
ووصف متحدث باسم «حملة مكافحة العداء للسامية» قرار المنظمة بـ«المثير للضحك». وتساءل: «هل لا يزال الناس غير مدركين لحقيقة أنّ التأكيد المتكرر على أن الدولة اليهودية ارتكبت إبادة جماعية في وقت لم تصدر فيه أي هيئة قضائية مستقلة وكفؤة مثل هذا الحكم إنما يسهم في خلق جو من العداء تجاه الشعب اليهودي؟».
وشن نواب وشخصيات ممن يصفون أنفسهم بـ«أصدقاء إسرائيل» هجوماً لاذعاً على منظمة معايير الصحافة، وطالبها أحدهم بـ«إعادة النظر في هذا القرار الكارثي بشكل عاجل».
تصريحات نتنياهو ومسؤولين «دليل مباشر على نية ارتكاب الإبادة الجماعية»
ودائماً ما اشتكت الجماعات اليهودية والمنظمات المرتبطة باللوبي الصهيوني من استخدام كلمة «إبادة جماعية» في سياق الحرب في غزة، قائلة إنه تعبير يفتقد إلى الدقة، ويغذي «معاداة السامية»، ويهين ذكرى ضحايا الهولوكوست على حد تعبيرها.
وكانت تحليلات قانونية نشرتها لجنة تحقيق حول الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل تتبع مجلس حقوق الإنسان قد اتهمت الدولة العبرية بارتكاب إبادة جماعية في أربع من أصل خمس فئات كما حددتها الاتفاقية الأممية لعام 1948 بعد الهولوكوست النازي.
تقارير أممية واتهامات بالنية المسبقة
وبحسب الاتفاقية، فإنّ تعبير الإبادة الجماعية يطبّق عندما يكون أحد الأفعال الخمسة على الأقل قد وقع.
يقول خبراء القانون الدولي إنه غالباً ما يكون من الصعب تثبيت تهم الإبادة الجماعية بسبب الحاجة إلى إثبات النية المسبقة.
لكن لجنة التحقيق قالت إن الهجوم الإسرائيلي على غزة قد شن «بنيّة تدمير، كليّ أو جزئيّ، لمجموعة قومية أو عرقية أو دينية»، مستندة إلى مقابلات مع جرحى وشهود وأطباء، ووثائق مفتوحة المصدر موثقة، وتقارير من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية، وتحليلات صور الأقمار الصناعية التي جمعت منذ بداية الحرب.
وقد خلصت إلى أن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومسؤولين آخرين كانت «دليلاً مباشراً على نية ارتكاب الإبادة الجماعية». واستشهد التقرير برسالته إلى الجنود الإسرائيليين في تشرين الثاني (نوفمبر) 2023 التي قارن فيها عملية غزة بما وصفته اللجنة بـ«حرب مقدسة للإبادة الكاملة» كما في التوراة العبرية. وأنشئت اللجنة قبل أربع سنوات من قبل مجلس حقوق الإنسان ــ التابع للأمم المتحدة ــ ويعمل فيها ثلاثة خبراء مستقلين، لكنها لا تتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة التي لم تتبنَّ بعد مصطلح «الإبادة الجماعية» رسمياً رغم مطالبات عدد من الدول الأعضاء بذلك.

