
بين أنقاض الحجر ورماد الشجر، يواجه جبل عامل فصلاً وحشياً من الإبادة الشاملة. لا يكتفي الاحتلال بتدمير القرى، بل يشنّ حرباً ممنهجة لاقتلاع الهوية الثقافية والبيئية من حرق الموائل الطبيعية إلى نسف التضاريس، ليتحول الجنوب الصامد من واحة تنوع حيوي إلى أرض محروقة تقاوم محو الذاكرة
تتكامل معالم الإبادة الإسرائيلية في جنوب لبنان. بعد القتل والتهجير المتواصل على مدى أكثر من عامين، والتدمير الممنهج للبيوت والمدارس والبنية التحتية المدنية، إضافة إلى الجوامع والكنائس، بدأ يظهر بعض من فيض الآثار البيئية للعدوان. وبينما يمتد هذا الجانب ليطال الطبيعة والأشجار الكثيفة في هذه المناطق، ترزح الحيوانات أيضاً تحت وطأة آلة الحرب والتدمير.
في هذا الإطار، أعلنت جمعية «الجنوبيّون الخضر»، التي تُعنى بحماية البيئة في جنوب لبنان، أنّ التفجيرات الواسعة التي يعتمدها الاحتلال تتجاوز تدمير الأبنية، لتُشكّل نمطاً من الإبادة المتعدّدة الأوجه والمستويات، يشمل الإبادة البيئية والحضرية والثقافية. ولفتت الجمعية إلى أنّ «إسرائيل» تتعمّد استهداف الموائل الطبيعية والتنوّع الحيوي والذاكرة الجمعية المتجذّرة في هذه القرى اللبنانية.
إلى جانب ذلك، حذّر «الجنوبيّون الخضر» من أنّ تفكيك النظم البيئية المحليّة، بالتوازي مع محو الأحياء والمعالم والفضاءات المرتبطة بتاريخ المجتمع وحياته اليومية، يُخلّف أضراراً عميقة وطويلة الأمد على البيئة والهوية الثقافية لجبل عامل.
وأشارت الجمعية إلى أنّ التدمير الممنهج طال مستعمرات الطبسون، أو الوبر الصخري، المنتشرة في المناطق الصخرية في بلدة البياضة وفي مناطق قريبة من ساحل الناقورة. وقال الناشطون البيئيون إنّ تقدير حجم الأضرار لا يزال غير ممكن في ظلّ الأوضاع الحالية.
وتقع بلدة البياضة على هضبة مرتفعة مطلّة مباشرة على البحر الأبيض المتوسط، كما تطلّ على مجموعة وديان وتتصل بمرتفعات تمتدّ من البحر غرباً إلى أقصى شرق الجنوب اللبناني، لتُشكّل شبكة متناغمة تشقّ طريقها بين القرى الجنوبية. ومن الميزات البيئية للقرى المحتلّة ضمن «الخطّ الأصفر»، أنّها تفيض بالأشجار من أعالي جبالها وصولاً إلى وديانها. إلّا أنّ الاحتلال تعمّد، إلى جانب تدمير القرى، جرف أماكن شاسعة ونسف بعضها، وحرق أخرى، بغية تحويل المنطقة بأكملها إلى أقرب ما يكون إلى صحراء جرداء.
يذكر أنّ المنظمات الدولية، إلى جانب أخرى محلية، وثّقت بالصورة والمكان، خرق الاحتلال للقوانين الدولية ليس فقط في الجرائم الإنسانية والبيئية، إنّما أيضاً في الأسلحة المستخدمة. وفي هذا السياق، وثّقت الجمعيات استعمال قنابل الفوسفور الأبيض المحرّمة دولياً في أكثر من مناسبة، تحديداً في بلدات يحمر الشقيف وزوطر الشرقية ودير سريان والطيبة.
إلى جانب ذلك، عمدت القوات الإسرائيلية إلى نسف جبل في بلدة القنطرة عبر تفجير 450 طناً من المتفجرات وفق بيان الاحتلال، ممّا أدّى إلى تغيير حتى معالم الأرض الطوبوغرافية. وبذلك، تستكمل «إسرائيل» عملية إبادة معالم الحياة البشرية والمعمارية والأثرية والبيئية في أكثر من خمسين قرية في جنوب لبنان، إذ نسف وجرف الاحتلال الغالبية العظمى من بيوتها لإنهاء إرثها الثقافي والإنساني من الذاكرة.

