«جرائم» 7 أكتوبر: التزوير لتبرير الإبادة | «ميديابارت»: اليسار الفرنسي يتبنّى الخطاب الإسرائيلي

يتبنى موقع «ميديابارت» التقارير الإسرائيلية التي تتهم «حماس» بارتكاب اعتداءات جنسية خلال «طوفان الأقصى»، رغم غياب التحقّق المستقل من معظم الروايات، في تماه مع خطاب أوساط اليسار الفرنسي مع هذه السرديات، التي تساوي بين الاحتلال والمقاومة وتتجاهل السياق الاستعماري الذي يعيش فيه الفلسطينيون
عادت تقارير حول الاعتداءات الجنسية والاغتصاب من قبل عناصر «حماس» ضد نساء إسرائيليات، إبان عملية «طوفان الأقصى» في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023. تناقلت وسائل إعلام ووكالات أنباء أجنبية هذا الخبر، حتى منصات ومواقع يُفترض أنها داعمة للقضية الفلسطينية، من دون أي تحقق من هذا التقرير.
ملاحظة لإسرائيل وملاحظة لفلسطين
شارك إدوي بلينيل، العضو المؤسس لموقع «ميديابارت» ورئيس تحريره منذ عام 2024، مقالاً للموقع يحمل عنوان «7 أكتوبر: تقرير جديد يتهم «حماس» بارتكاب أعمال عنف جنسي «ممنهجة» و«واسعة النطاق»».
يستند المقال إلى «وكالة الأنباء الفرنسية» بعنوان «تقرير جديد بعنوان «لم نعد صامتين» يتهم «حماس» بممارسة عنف جنسي «منهجي» و«واسع النطاق»»، ويقول إن لجنة تحقيق إسرائيلية نشرت في 12 أيار (مايو) الحالي تقريراً يخلص إلى أنّ «حماس ومجموعات فلسطينية أخرى ارتكبت «أعمال عنف جنسي ممنهجة وعلى نطاق واسع» خلال هجوم 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023 على إسرائيل وأثناء احتجاز الرهائن في غزة».
وبحسب التقرير المؤلف من 300 صفحة، فإن التحقيقات استمرت عامين، واستندت إلى 430 مقابلة وجلسة استماع واجتماع، إضافة إلى مشاهدة 10 آلاف صورة ومقطع فيديو تمثل أكثر من 1800 ساعة من تحليل المواد البصرية، لكن «غير متاحة للجمهور نظراً إلى طبيعتها، لكنها قابلة للمراجعة من قبل خبراء عند الطلب».
وخلص التحقيق «بلا لبس» إلى أنّ «العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي شكّلا عنصراً مركزياً في هجوم 7 أكتوبر واحتجاز الرهائن». وقد تشكلت هذه «اللجنة المدنية» في تشرين الثاني (نوفمبر) 2023 على يد قانونية إسرائيلية، مكمّلةً لتحقيقات أخرى، بينها تحقيقات للأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية دولية.
وبحسب المقال، فقد اعتمد على تقارير للأمم المتحدة ومنظمات حكومية. وفي عودة إلى عملها، يظهر تقرير صادر عن الأمم المتحدة في 6 آذار (مارس) 2026 وثّق وقوع ثلاث حالات اغتصاب بحق إسرائيليات في 7 تشرين الأول (أكتوبر)، فيما لم يتم التثبت من باقي الحالات، بينما جزم فريق العمل بأن هناك «أسباباً معقولة» لتصديقها. لكن هذه الأخبار لم تتمكن أي وسيلة إعلامية من التحقق منها، وهذا ما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس» في تعليقها على الخبر، قائلةً: «لم تتمكن وكالة «أسوشييتد برس» من التحقق بشكل مستقل من نتائج التقرير، وقد شكّك منتقدون في بعض أبحاث إلكايام-ليفي السابقة».
بعد مشاركة بلينيل المقال، أتت ردود فعل منددة، منها من قال إنّ هذه الأخبار كاذبة، ومنهم من أشار إلى العنف الجنسي الذي تمارسه إسرائيل ضد الفلسطينيين، ليكون رد بلينيل بإعادة مشاركة تقارير للموقع بعنوان «اغتصاب وتعذيب وحرمان: إسرائيل تسحق أرواح الفلسطينيين وأجسادهم داخل سجونها». وعلّق قائلاً: «افتحوا العينين معاً وأمسكوا بكل الخيوط: مقال نشره «ميديابارت» حول العنف الجنسي ضد الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، صدر قبل نحو أربعة أشهر من هذا التقرير بشأن الانتهاكات التي ارتكبتها «حماس» خلال 7 أكتوبر».
إعلام استعماري
الإشكالية لا تكمن فقط في مسألة التحقق، بل في الطريقة التي يعيد فيها الإعلام الغربي إنتاج الرواية ذاتها، والأسوأ تبني اليسار الفرنسي هذه الروايات وتدعيمها، في محاولات مستمرة لمساواة المستعمِر بالمستعمَر، والجلاد بالضحية، عبر اختزال المشهد إلى «مأساة إنسانية متبادلة» منفصلة عن سياقها الاستعماري والعسكري.
حين يجري الحديث عن جسد الإسرائيلية وجسد الفلسطينية ضمن اللغة نفسها، ومن خلال مقاربة أخلاقية مجردة، يجري تجاهل حقيقة أنّ الجسد الفلسطيني يعيش أصلاً تحت الحصار والقصف والاعتقال والتجويع والاستباحة اليومية. هنا لا يعود الأمر متعلقاً فقط بـ«العنف الجنسي» بوصفه فعلاً معزولاً، بل بعلاقة قوة كاملة يتحكم فيها الاحتلال الإسرائيلي بحياة الفلسطينيين وأجسادهم وحركتهم وحدود وجودهم.
خطاب وضع الفلسطيني والإسرائيلي في الخندق
الأخلاقي ذاته
وتاريخياً، لم تكن تهمة الاغتصاب منفصلةً عن خطاب الحرب الاستعمارية. استُخدمت هذه السردية مراراً لتبرير الحروب والتدخلات العسكرية، عبر تصوير «الآخر» بوصفه متوحشاً جنسياً يهدد «حضارة» الغرب وأجساد نسائه. واليوم، يُعاد استحضار هذه اللغة في خضم حرب إبادة مستمرة على غزة، مع توظيف سياسي وإعلامي مكثف لاتهامات لم يثبت معظمها بصورة مستقلة، بينما يتم التعامل مع الجرائم الموثقة بحق الفلسطينيين بوصفها مجرد «تجاوزات» أو «ادعاءات تحتاج إلى تحقيق».
تكشف هذه القضية أيضاً حدود الاعتراف الغربي بالرواية الفلسطينية. فالإسرائيلي، حتى عندما يكون طرفاً مباشراً في الحرب، يُعامل كمصدر موثوق، فيما تبقى الشهادة الفلسطينية موضع شك دائم، ولا تكتسب شرعية إلا إذا أعادت صياغتها مؤسسات غربية أو وسائل إعلام أوروبية وأميركية. حتى التقارير التي توثق التعذيب والعنف الجنسي بحق الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية، لا تحظى بالانتشار نفسه، ولا تُستدعى بالزخم السياسي والأخلاقي ذاته، إلا في حال صدرت عن مؤسسات إعلامية أو مؤسسات إنسانية غربية.
يسار فرنسي أبيض
حتى بلينيل نفسه، رغم مواقفه المنتقدة للحرب الإسرائيلية على غزة، واتهامه الغرب بازدواجية المعايير تجاه فلسطين، فإنّ مقاربته تبقى أسيرة خطاب ليبرالي فرنسي كلاسيكي، يقوم على المساواة الأخلاقية بين الطرفين، وعلى استدعاء «الإنسانية المشتركة» بمعزل عن اختلال ميزان القوة الاستعماري.
وقد انتقد بلينيل مراراً الدعم الغربي غير المشروط لإسرائيل، واعتبر أن ما يجري في غزة يعبّر عن نفاق أوروبي ومعايير مزدوجة. إلا أن هذا الخطاب نفسه يعيد، في لحظات كثيرة، وضع الفلسطيني والإسرائيلي في الخندق الأخلاقي ذاته، كأننا أمام «مأساة متبادلة» بين طرفين متساويين، لا أمام شعب واقع تحت الاحتلال وآخر يمتلك آلة عسكرية ودولة ودعماً غربياً كاملاً.
وتنطلق مقاربته من موقع المثقف الأوروبي الأبيض، الذي يحاول التوفيق بين إدانة الجرائم الإسرائيلية وبين الحفاظ على خطاب «التوازن» و«المسافة الأخلاقية» بين المستعمِر والمستعمَر، وهو يريد للشعوب أن تنتفض «بالشوكة والسكينة». وهو جزء من خطاب اليسار الفرنسي، الذي يظهر عاجزاً عن التحرر الكامل من الإرث الاستعماري الفرنسي، ومن مركزية النظرة الأوروبية إلى العالم. حتى داخل الأوساط التي تعلن تضامنها مع فلسطين، غالباً ما يجري التعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها «ملفاً إنسانياً» أو «أزمة حقوقية»، لا باعتبارها قضية تحرر وطني لشعب يعيش تحت استعمار استيطاني مستمر.
وهو في بحث دائم عن «توازن أخلاقي» بين الاحتلال والمقاومة، كأنّ المطلوب من الفلسطيني أن يثبت نقاءه الكامل حتى يستحق التضامن. لذلك، تأتي كل إدانة لإسرائيل مشروطة بإدانة مقابلة للفلسطيني، وكل حديث عن المجازر في غزة يتبعه فوراً تذكير بـ«عنف حماس»، بما يحوّل الجريمة الاستعمارية إلى مجرد «دوامة عنف متبادل» بين طرفين متساويين.
ويكشف هذا الأمر أيضاً حدود الخطاب النسوي الغربي السائد، الذي يتحدث عن «حرية الجسد» بصورة مجرّدة، من دون ربطها بالبنية السياسية والاستعمارية التي تتحكم في هذا الجسد. فالجسد الفلسطيني ليس جسداً «حراً» يتعرض فقط لانتهاك عارض، بل هو جسد يعيش تحت المراقبة والحصار والاعتقال والقصف والتجويع والتهجير. لذلك، فإن وضع الجسد الفلسطيني والجسد الإسرائيلي ضمن المعادلة الأخلاقية نفسها، من دون الاعتراف بعلاقة السيطرة القائمة بينهما، يؤدي عملياً إلى محو واقع الاستعمار نفسه.

