عزيزي أصغر فرهادي... عُد إلى إيران!
في «حكايات متوازية»، يبتعد أصغر فرهادي عن توتره الأخلاقي الإيراني المعتاد نحو لعبة ميتافيزيقية متشابكة حول الفن والتجسس والخيال.


في «حكايات متوازية»، يبتعد أصغر فرهادي عن توتره الأخلاقي الإيراني المعتاد نحو لعبة ميتافيزيقية متشابكة حول الفن والتجسس والخيال. لكن الفيلم، المشارك في «مهرجان كان»، يغرق في الاستعراض السردي والادعاء الفكري، متحولاً من بداية واعدة إلى عمل طويل ومرهق يفتقر إلى العمق النفسي الحقيقي
يواصل المخرج الإيراني أصغر فرهادي تفحّص العلاقات الإنسانية، لكن هذه المرة يحوّل تركيزه نحو تأمل ميتافيزيقي أكثر وضوحاً حول الإبداع الفنّي، والتجسّس، وذلك التداخل المقلق بين الخيال والواقع.
فيلمه الجديد «حكايات متوازية» المشارك في المسابقة الرسمية لـ «مهرجان كان»، بدأ مسلياً، ثم تحوّل إلى عبء حين قرر الشريط أن يأخذ نفسه بجدية لا يستحقها. فرهادي يُصرّ على أن الخيال قادر ليس فقط على تغيير الواقع، بل على شفائه ومنحه معنى، لكن هذا الإصرار يبدو متكلفاً، مربكاً أكثر مما هو مقنع، خصوصاً أنّ الفيلم يفتقر إلى أي عمق نفسي حقيقي.
«حكايات متوازية» فيلم عن لا شيء تقريباً، لكنه لا يعترف بذلك. عمل يتعامل مع نفسه كبيان فنّي كبير، بينما يظل في جوهره تمريناً على الدوران حول فكرة تبلورت في النصف ساعة الأولى، ولكنه لا يزال يواصل طريقه نحو اللامكان. فوق كلّ هذا، يمتد الفيلم لـ140 دقيقة، حتى الشاشة كانت تكافح لمواكبة ذلك.
يميل فرهادي هنا أكثر من المعتاد نحو السرد القصصي والتلفيق، بمعناه الجيد والسيئ في آن. «حكايات متوازية» شبكة من الشخصيات التي تراقب بعضها وتخدع بعضها، في لعبة يمتص فيها الواقع والخيال طاقة كل منهما من الآخر. الفيلم مبني على «الوصايا العشر» لكيشلوفسكي، خصوصاً «فيلم قصير عن الحبّ» (1988)، لكن فرهادي ينقله إلى باريس المعاصرة.
سيلفي روائية تعاني من جفاف إبداعي. تجسّدها إيزابيل أوبير بأداء مبالغ فيه طوال الجزء الأول، غريبة الأطوار، متطفّلة، تكاد تكون مشوّهة في بعض المشاهد. تراقب جيرانها عبر الشارع بحثاً عن مادة لكتابها القادم.
لكن هؤلاء الجيران (فيرجيني إيفيرا، فينسنت كاسل، بيار مينيه) ليسوا شخصيات عادية، بل فنانو مؤثرات صوتية. فنّانون في الخداع السمعي (فولي)، مكلّفون يومياً بخلق وهم الواقع.
الفكرة لافتة، لأن السينما نادراً ما وضعت تصميم الصوت في صميم السرد لا على هامشه. حين تُعرّف ابنة أخت سيلفي خالتها على آدم (آدم بيسا)، يبدأ التوازن الهش بالتصدع. يتسلل الشاب تدريجياً إلى حياتها وحياة الجيران وروايتها، حتى يستحوذ على السرد نفسه.
من هنا، يُشيّد فرهادي بنيته متعددة الطبقات. ليست «حكايات متوازية» بالمعنى الحرفي، بل خيوط سردية مصمّمة لتتشابك حتى يستحيل فصلها، مما يجعل النجوم الفرنسيين الكبار كأنهم عالقون في فيلم لا يعرف تماماً ما يريد قوله، وهم أيضاً لا يعرفون.
لا يستطيعون إخفاء ارتباكهم. وجوههم وإيماءاتهم تكشف حيرة حقيقية. هنا تتجلى محدودية فيلم يعرف أنه بسيط لكنه يتصرف كأنه عميق، فيتراكم الادعاء فوق الادعاء حتى ينكشف الفراغ الذي كان يحاول إخفاءه.
«حكايات متوازية» يشير في جوهره إلى ما أشار إليه فيلم «الماضي» (2013) في فرنسا و«الجميع يعلم» (2018) في إسبانيا. فرهادي يفقد الكثير حين يخرج من بلده. المسافة الجغرافية تتحول إلى مسافة درامية كلما ابتعد عن إيران، تبهت حدّته، وتفقد قصصه ذلك التوتر الأخلاقي الذي كان يمنحها وزنها وثقلها وسببها في الوجود.
