ترامب يُشغل العالم... بـ «الأجسام الطائرة»

منذ عودة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى البيت الأبيض، والأحداث «المفصلية» تتوالى لتعطي انطباعاً كأنّ كوكب الأرض دخل آخر فصوله. ووسط ازدحام الأجندة الرئاسية الأميركية، الهاربة من كابوس مغارة ملفات شبكة إبستين، نحو فصول تكاد لا تنتهي، بدءاً بأسر رئيس فنزويلا، نيكولاس مادورو، وتهديده المتكرّر باحتلال غرينلاند وكوبا، وصولاً إلى شنّ حروب كبرى في منطقة الشرق الأوسط. لكن ما إن هدأت، لو نسبياً، أصوات المدافع، حتى خرجت إدارة ترامب بقنبلة إعلامية من العيار الثقيل لتأسر انتباه الجموع، لا سيّما الأميركية الناقمة على مغامرات رئيسها.
لقد ارتأى ترامب أنّ التوقيت مناسب لرفع السريّة عن الملفات المثيرة للجدل، المتعلّقة برصد نشاط «الأجسام الطائرة الغامضة» (UFO). فجأة، انبرى المجتمع الأميركي بغالبيته، نحو متابعة عشرات المقاطع التي تزرع رويداً رويداً انشغالاً مستحدثاً «غبّ الطلب»، حول المخلوقات الفضائية، هل هي موجودة فعلاً؟ وهل تراقب باستمرار تمهيداً للانقضاض؟
أفلام لا تعدّ ولا تحصى مهّدت لهذه اللّحظة، وحكايات تناقلتها الولايات منذ عقود لإبقاء الموضوع جاهزاً للتقديم، مثل المؤامرات التاريخية المتعلّقة بالثكنة العسكرية الشهيرة Area 51. لكنّ الأكيد، أنّ الإعلام الأميركي والناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي، انكبوا على متابعة الحدث، بينما «المخلوقات الإبستينية»، المؤكّد وجودها على الأرض بين مليارات الأطفال والمراهقين، أخذت جرعة أمل بإزاحتها عن العناوين والملاحقة.
أجسام غامضة
أخرج البنتاغون إلى العلن قبل فترة ملفات «لم يسبق نشرها من قبل» تتعلق بظواهر شاذة غير معروفة، بعد عقود من احتفاظ الحكومة بها. وجاء هذا الإفراج بعد ما يقرب من شهر من إعطاء ترامب لمحة مسبقة عن المحتويات المحتملة، حيث أخبر تجمعاً محافظاً أن وزارة الدفاع ستنشر بعض «الوثائق المثيرة للاهتمام للغاية قريباً جداً».
وبحسب ما ذكرته الشؤون العامة في البنتاغون، أصبحت متوافرة للجمهور مشاهدة الدفعة الأولى من الملفات المتعلّقة بما تسميه الحكومة «الظواهر الشاذة غير المحدّدة»، على أن تلحقها مقاطع إضافية «بشكل مستمر».
وتتضمنت المجموعة الأولى 161 ملفاً، تفصّل أكثر من 400 حادثة من جميع أنحاء العالم، وفق ما أوردته شبكة «بي بي سي». أمّا تاريخ هذه الحالات، فتمتد منذ أربعينيات القرن الماضي، وصولاً إلى أحدث إفادات شهود العيان العام الماضي.
ويتكوّن عدد من مقاطع الفيديو التي رُفعت عنها السرية من لقطات عسكرية أمريكية غير واضحة من أجهزة استشعار الأشعة تحت الحمراء، وتضمن عدداً كبيراً من الصور غير الواضحة في الغالب التي تُظهر نقاطاً مضيئة أو مظلمة، وأجساماً ذات أشكال غير عادية.
مشاهدات على سطح القمر
في نهاية ستينيات وبداية سبعينيات القرن الماضي، وفي ذروة الحرب الباردة، أعلنت «وكالة الفضاء الأميركية» (ناسا)، عن مهمّات «أبولو» البشرية المتتالية على سطح القمر. من بين الملفات الموجودة في المجموعة الأولى الصادرة عن البنتاغون، حوادث وقعت خلال بعثات «أبولو 11» و«أبولو 12» و«أبولو 17» إلى القمر. ففي تقرير عام 1969 بعد رحلة «أبولو 11»، أفاد رائد الفضاء باز ألدرين أنه شاهد «ومضات صغيرة داخل المقصورة، تفصل بينها بضع دقائق»، بينما كان يحاول النوم. وفي حادثة أخرى، وصف ألدرين أنه شاهد «ما بدا أنه مصدر ضوء ساطع إلى حد ما، والذي نسبناه مؤقتاً إلى ليزر محتمل».
وخلال بعثة «أبولو 12» في عام 1969، أفاد رائد الفضاء آلان بين عن «ومضات ضوئية» وصفها بأنها «تبحر بعيداً في الفضاء». في السياق ذاته أيضاً، وفي رحلة «أبولو 17»، وهي المهمة الأخيرة للبرنامج في عام 1972، شاهد الطاقم «جزيئات ضوئية شديدة السطوع كانت تتدحرج وتدور بعيداً في الأفق»، ووصفها رائد الفضاء هاريسون شميت، أنّها «بدت مثل عيد الاستقلال الأميركي».
الولايات الفضائية
في إطار الوثائق المرفوع عنها السرية، تظهر نسخة مكتوبة لمحادثة بين رائد الفضاء فرانك بورمان من بعثة «جيميني 7» عام 1965، يشير فيها إلى «جسم غامض»، وقد حدث ذلك بعد حوالى أربع ساعات ونصف من بدء الرحلة الفضائية. وعندما تطلب مركز التحكّم الرئيسي لـ «ناسا» في هيوستن توضيحاً من بورمان حول مشاهداته، وصف رائد الفضاء الجسم الغامض على النحو الآتي: «يبدو وكأنه مئات الجسيمات الصغيرة».
من جانبٍ آخر، تتضمّن الملفات مشاهدات على الأرض، ومنها حوادث من عام 2020 حتى الوقت الحاضر، كتقارير مهمات من سلاح الجو الأميركي تحدد «وجود كائنات جوية غير معروفة»، مع القليل من التفاصيل حول ماهية الكائن أو متى أو أين تم تحديده.
إضافة إلى ذلك، تتضمن الملفات أيضاً تقارير من أشخاص من جميع أنحاء الولايات المتحدة الأميركية منذ أربعينيات القرن الماضي، جمعتها الحكومة لسنوات.
في حالات معيّنة، حجب البنتاغون بعض المشاهد، مثل تقرير صدر في أيلول (سبتمبر) 2023 عن مقابلة أجراها «مكتب التحقيقات الفيدرالي» عبر تطبيق «فايس تايم» مع مشغل طائرة من دون طيار شاهد، مع زملائه، «ضوءاً ساطعاً فوق الأفق» في موقع اختبار أميركي. ويشير المستند إلى أنه «تم حجب بعض المعلومات لحماية هوية الشهود العيان، وموقع المنشآت الحكومية، أو المعلومات التي قد تكون حساسة بشأن المواقع العسكرية غير المرتبطة بالأجسام الطائرة غير المعروفة».
وفي وصف مفصّل للمشهد الذي رصده الجنود الأميركيون: «جسم خطي يضيء ضوءٌ شديد السطوع على الجانب الشرقي منه. كان الضوء أبيض ناصعاً وواضحاً بدرجة كافية لرؤية خطوط داخل الضوء. كان لون الجسم معدنياً أو رمادياً. ولم يكن به أي أجنحة أو فتحات عادم. كان الجسم أصغر من طائرة من طراز 737، وطوله يعادل طول مروحية أو مروحيتين من طراز بلاك هوك، وكان بالتأكيد أكبر من طائرة من دون طيار».
وقال الشهود إنّ الجسم كان على ارتفاع حوالى 1500 متر فوق سطح الأرض، ثم تحرك من الشرق إلى الغرب قبل أن يختفي بعد حوالى 5 إلى 10 ثوانٍ.
في مستندات أخرى، يُظهر أحد الملفات أن رجلاً أخبر «مكتب التحقيقات الفيدرالي» في مقابلة أجريت عام 1957 أنه شاهد مركبة كبيرة دائرية الشكل ترتفع عن الأرض. وهناك أيضاً مقابلات أجريت في شهري أيلول (سبتمبر) وتشرين الأول (أكتوبر) 2023، أفاد فيها مواطنون أميركيون بأنهم شاهدوا أجساماً معدنية تحوم في الهواء وتظهر من ضوء ساطع.
سوريا والعراق والإمارات
تتضمّن الملفات مقاطع فيديو يقول الجيش الأميركي إنّه التقطها في الشرق الأوسط، تعود إلى عام 2022. مع العلم أنّ المنطقة تضمّ عشرات القواعد العسكرية التي تنتشر على غالبية دول المنطقة.
وتُظهر مشاهد ملتقطة في العراق وسوريا والإمارات العربية المتحدة، ما يصفه موقع البنتاغون الإلكتروني بـ «ظاهرة شاذة غير محددة الهوية لم يتم حلها».
وفي أحد المقاطع المؤرّخة لعام 2022 من موقع لم يُكشف عنه في الشرق الأوسط، تبرز المشاهد جسماً بيضاوي الشكل يمر بسرعة من اليسار إلى اليمين، وقد وصفه تقرير مصاحب له بأنه «صاروخ محتمل».
سوق جاهزة
عمل ترامب، في عالم الأعمال طوال حياته. وفي هذا المجال، تعدّ توجّهات الأسواق، أي مطلب الجمهور، إحدى أبرز الركائز المحدّدة لماهية السلعة أو الخدمة التي ستأسر عقول الزبائن. في سياق متّصل، تُظهر دراسة حديثة لمركز «يوغوف» المختص في مجال أبحاث السوق وتحليل البيانات للحصول على رؤى قيّمة، أنّ 65 في المئة من الأميركيين يؤمنون بوجود كائنات ذكية على كواكب أخرى، وترتفع هذه النسبة إلى 76 في المئة بين من تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً، وإلى 70 في المئة بين الرجال. في هذا السياق أيضاً، تشير دراسة أجرتها في عام 2022 شركة «ستاتيستا» العالمية في مجال جمع بيانات الأسواق، أنّ حوالى 57 في المئة من الأميركيين يعتقدون بوجود مخلوقات فضائية، كما أنّ 34 في المئة من الشعب الأميركي يرى أنّ «الأجسام الطائرة الغامضة» هي بالفعل «سفن فضائية».
لذلك توضح هذه الأرقام وجود بيئة حاضنة رئيسية جاهزة «لابتلاع الطعم»، وإعادة تدوير عناوين إعلامية جديدة تبعد تلك التي تُزعج الرئيس الأميركي، مثل اقتراب سعر غالون البنزين في الولايات المتحدة من 5 دولارات أميركية.
إدارة «شفّافة»
من جانبٍ آخر، واكبت وزارة الحرب الأميركية الحدث، بنشر صفحة إلكترونية على موقعها، تتضمّن رسائل سياسية لمسؤولين من إدارة ترامب. إلا أنّ معظم هذه التصاريح صبّت في سياق تأكيد «شفافية الإدارة»، عوضاً عن محاولة شرح مضمون المستندات. وتأتي هذه المحاولة لتعويم ترامب وحاشيته الملطّخة أسماؤهم بخطايا شبكة أبستين، لا سيّما بعد انتفاض الجمهور الأميركي على الرئيس الأميركي الذي تخلّف عن وعوده الانتخابية بـ «الشفافية الكاملة»، تحديداً لجهة كشف خبايا هذه الشبكة.
في هذا الإطار، قال وزير الحرب، بيت هيغسيث، إنّ «وزارته تسير جنباً إلى جنب مع الرئيس ترامب لتحقيق شفافية غير مسبوقة». ويعيد ويكرّر، أنّ «نشر هذه الوثائق التي رُفعت عنها السرية التزام الإدارة الجاد بتحقيق شفافية غير مسبوقة».
تركيز هيغسيث على استعمال هذا المصطلح لم يأت محض مصادفة. إلى جانبه، تُظهر صفحة وزارة الحرب قول مديرة «الاستخبارات الوطنية»، تولسي غابارد: «لطالما سعى الشعب الأميركي إلى تحقيق الشفافية بشأن ما تعرفه الحكومة». إضافة إلى ذلك، تصريح مدير «مكتب التحقيقات الفيدرالي»، كاش باتيل، أنّه «لأول مرة في التاريخ، يتمتع الشعب الأميركي بحرية الوصول إلى الملفات الحكومية التي رُفعت عنها السرية بشأن الظواهر الشاذة غير المحددة الهوية، وهو مستوى من الشفافية لم تحققه أي إدارة سابقة».
إلى جانب ذلك، اجتمعت مداخلات مدير وكالة «ناسا»، جاريد إيزاكمن، وعضو الكونغرس عن الحزب الجمهوري، تيم بورشيت، إضافة إلى النائبة الجمهورية، آنا باولينا لونا، على الإشادة بالجهود التي يبذلها الرئيس ترامب «لتحقيق مزيد من الشفافية للشعب الأميركي».
لا يأتي هذا الاستهداف المباشر لتعويم «مصداقية» الإدارة الحالية من خارج السياق، إذ إنّ أحد أبرز أوجه الأزمة التي تواجه ترامب شعبوياً، هي فقدان الثقة مع الجمهور الأميركي. وبينما يتهيّأ أنّ الحدث يُعالج ظاهرة الطائرات الغامضة، إلّا أنّ صقور الإدارة اليمينية استنفروا محرّكاتهم لبناء الجسور مع قواعدهم الشعبية الناقمة على سياسات يدفعوا ثمنها من أموالهم.
في هذا السياق، أكّدت عضوة الكونغرس السابقة، مارجوري تايلور غرين، وهي حليفة سابقة لترامب، أنّ الكشف عن الملفات كان بمثابة إلهاء عن القضايا الأكثر إلحاحاً التي تواجه الأميركيين، مثل القدرة على تحمل الأسعار والحرب في إيران.
الجدير بالذكر أنّ شبكة «إن بي سي نيوز» بيّنت أنّ وثائق نُشرت أخيراً تدحض بعض الحوادث المذكورة في المستندات. على سبيل المثال، في 5 أيلول (سبتمبر) 1948، ورد تقرير من أفراد طاقم عسكري كانوا يحلقون على ارتفاع 9 كيلومترات فوق هولندا، أفادوا فيه برؤية طائرة مجهولة الهوية. وأشار الطاقم إلى «تسارع مفاجئ تلاه صعود». وفي غضون بضعة أشهر، خلص مسؤولو الاستخبارات إلى أنها كانت طائرة نفاثة ذات محرك واحد تستخدم «مساعدات صاروخية ذات طاقة احتياطية هائلة». مع الإشارة إلى أنّ البنتاغون يقدّم في المستندات مشاهد تطرح أسئلة مفتوحة تدفع إلى التّفكير في طروحات غير مثبتة علمياً، فيما معظم هذه الحالات تحتمل وجود تفسيرات عسكرية منطقيّة لا تمتلك واشنطن كامل معطياتها.

