عينا خافيير بارديم!
بين صحراء التصوير وخراب العلاقات العائلية، يبني رودريغو سوروغوين في «المحبوبة» فيلماً متوتراً عن السلطة والذنب والغياب.


بين صحراء التصوير وخراب العلاقات العائلية، يبني رودريغو سوروغوين في «المحبوبة» فيلماً متوتراً عن السلطة والذنب والغياب. العمل، الذي عرض أخيراً في «مهرجان كان السينمائي الدولي» المستمرّ حتى 23 أيار (مايو)، مواجهة مؤجلة بين أب مخرج وابنته تتحوّل إلى مختبر قاسٍ للمشاعر والانكسارات، فيما يمنح خافيير بارديم الفيلم ثقله الحقيقي، بعينين تحملان جاذبية مقلقة وعنفاً مكتوماً لا يفارق الشاشة
«هذا فيلم عن شخصين لا ينظران إلى عيني بعضهما»، بهذه الجملة يفتتح استيبان مارتينيز (خافيير بارديم) فيلم «المحبوبة» مُطلقاً السرد من نقطة اختناق. يمتدّ المشهد الافتتاحي المهيب لأكثر من 15 دقيقة، بما يمكن اعتباره فيلماً قصيراً قائماً بذاته: توتر وصمت وجرح عائلي لم يلتئم يوماً. مارتينيز، مخرج يعود إلى مدريد بعد سنوات في نيويورك، محمّلاً بمشروع ضخم عن تاريخ الصحراء الكبرى، المستعمرة الإسبانية السابقة. زوجة أميركية، وطفلان صغيران، وأوسكاران في الرصيد. حياة بدت مكتملة من بعيد. لكن كل ذلك يتلاشى في اللحظة التي يجلس فيها أمام ابنته إميليا (فيكتوريا لينغو) التي لم يرها منذ 13 عاماً.
مواجهة مؤجلة داخل موقع التصوير
المشهد الافتتاحي مصوّر بالكامل بلقطات مقرّبة خانقة. الكلمات حين تُقال، كأنها تُنتزع من مكان مؤلم. إميليا تجاوزت الثلاثين، لم تجد موطئ قدم حقيقياً في التمثيل، وتعمل نادلة لتأمين معيشتها. حضورها أمام والدها ليس لقاءً، بل مواجهة مؤجلة منذ سنوات. ثم فجأة، من دون تمهيد، يعرض عليها استيبان دور البطولة في فيلمه الجديد «الصحراء»، قصة عن المغامرة والخيانة والحب والهجر. لماذا هي؟ لماذا الآن؟ إيمان بموهبتها أم محاولة متأخرة لتصحيح ما لا يمكن تصحيحه؟
حين يقول لها «أريد مساعدتك»، تستعيد فوراً تاريخاً من الإهمال وأذى لحق بها وبوالدتها الممثلة التي هجرها ليصعد وحده نحو النجومية. يتبادلان الاتهامات. ثم تقبل. ومن هنا يبدأ الفيلم الحقيقي. ساعتان تقريباً من التصوير في ظروف قاسية، تتكشّف فيها كلّ أنواع التجاوزات: الغرور، وسوء المعاملة، والانفجارات العاطفية، والانهيارات المهنية. مشاهد طويلة تجمع بين الكوميديا السوداء والقسوة الصافية، كمشهد الغداء الفوضوي في الهواء الطلق، وصدامات متكررة بين إستيبان وأفراد الطاقم، ومع إميليا نفسها.
يبني المخرج الإسباني رودريغو سوروغوين فيلمه داخل فيلم. طبقات من التمثيل والتصوير فوق بعضها، وكواليس إنتاج معقّد في قلب الصحراء يتحول تدريجياً إلى مختبر للمشاعر المتضاربة. شريط طويل عن الذنب والغياب والمرارة التي تتسرب ببطء من علاقة أب مخرج وابنته الممثلة، بعد لقاء متأخر يعيد فتح جروح قديمة ويضعهما وجهاً لوجه داخل العمل نفسه. الصدى واضح ولا يمكن تجاهله: فيلم «قيمة عاطفية» (2025) لواكين ترير حاضر في الخلفية، لكن سوروغوين يأتي بنبرة أكثر خشونةً وحرارة، وأقل رقة وأكثر استعداداً للجرح.
وفي طبقة موازية، يقدّم الفيلم نقداً لاذعاً لإساءة استخدام السلطة داخل طاقم العمل. عنف صامت، تمييز جنسي مموّه، وتوترات تتكاثر كلما اقتربت الكاميرا من الحقيقة التي يحاول الجميع إخفاءها. موقع التصوير هنا مجتمع مصغّر يحمل كل أمراض المجتمع الكبير: هرمية، خوف، وصمت مفروض.
معجزة سينمائية صغيرة
ما ينجزه سوروغوين هنا معجزة سينمائية صغيرة، قدرة على تحويل خلاف بين أب وابنة إلى مادة درامية تُصاغ بدقة عبر أدوات السينما نفسها. التداخل المستمر بين مشاهد التصوير والقصة التي يجسّدها الممثلون لا يعمل فقط كتعليق على صناعة الفيلم، بل يخلق طبقة عاطفية إضافية تتسرّب إلى كل مشهد من دون أن تُعلن عن نفسها.
«المحبوبة» في جوهره فيلم عن النظرة قبل أي شيء آخر. من يرى من؟ ومن يملك حق تفسير الصورة؟ وفي مركز هذه اللعبة كلها، عينا خافيير بارديم. عينان تحملان عالماً كاملاً، تبثّان غموضاً لا يمكن القبض عليه، وتحاصران المشاهد في كل لقطة مقرّبة كأنهما تختبران قدرته على الاحتمال.
أداء بارديم ليس مجرد عنصر قوي في الفيلم، بل محرّكه الأساسي. طاقة متقدة وموهوبة بقدر ما هي سامة، جاذبة بقدر ما تحمل من عنف مكتوم. حضور يبتلع المشهد ويعيد تشكيله، ويمنح الفيلم نبضه الحقيقي، ذلك النبض الذي يجعلك تشاهد شيئاً يصعب تسميته تماماً، لكنك تعرف أنه يترك أثره داخلك.
