
في عالم تُدار فيه الحياة عبر البيانات والخوارزميات، لم يعد الخطر محصوراً في تطوّر الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في استخدامه لتوقّع السلوك البشري ومراقبته وتوجيهه. من الرقابة الرقمية إلى الحروب المؤتمتة، تتآكل الحدود بين الإنسان والمعادلات، فيما تتسع فجوة المساءلة أمام أخطاء قد تتحوّل إلى كوارث جماعية
يُطرح في الأوساط التقنية والسياسية المعاصرة تساؤل جوهري حول ماهية الخطر الحقيقي الذي يشكله الذكاء الاصطناعي على الوجود البشري. بينما يُوجه الاهتمام الشعبي والإعلامي نحو سيناريوهات «خيالية» تتعلق بظهور «ذكاء خارق» قد يهيمن على كوكب الأرض في مستقبل بعيد، تُبين القراءة المعمقة للمشهد الحالي أنّ التهديد الفعلي قد ترسّخ بالفعل في الحاضر.
يُشار في هذا الصدد إلى الأطروحة النقدية التي قدمتها الصحافية نادين بيزيمونغو، التي تحذّر من أن الخطر لا يكمن في الآلات ذاتية الوعي، بل في الكيفية التي تُحوّل بها الحكومات والشركات الكبرى البيانات الشخصية إلى أدوات لبناء «أنماط سلوكية» متكاملة.
بذلك تتجاوز هذه الأطراف عملية جمع المعلومات عن المستخدمين للاستخدام التسويقي أو الأمني، لتنتقل لإطار أكثر خطراً يتمثّل في مرحلة «التنبؤ السلوكي» وتوجيه الخيارات البشرية قبل وقوعها، مما يؤدي إلى تآكل مفهوم الإرادة الحرة وتحويل الإنسان إلى مجرد نقطة بيانات في معادلات القوة والسيطرة.
في هذا الإطار أيضاً، تصف الباحثة شوشانا زوبوف في تقرير لها في صحيفة «الغارديان» البريطانية، عملية تحويل الإنسان من فاعل مستقلّ إلى منتج تنبؤي بـ «رأسمالية المراقبة»، حيث يُستخرج «الفائض السلوكي» ليصبح أداة للسيطرة الاجتماعية والسياسية.
من جهة أخرى، ينطوي الاستعمال العسكري لهذه الأنظمة على مخاطر جمّة في نسبة خطأ تشخيص الهدف. رغم ذلك، تواصل حكومات عدّة، لا سيّما الإدارة الأميركية، معاملة المدنيين في أماكن الصراعات كحقول تجارب تراكمية لنماذج الذكاء الاصطناعي.
آليات السيطرة الخوارزمية
تصف الصحافية نادين بيزيمونغو المشهد التقني الحالي بالبنية التحتية التي تعمل على «نزع الملكية» المعلوماتية من الأفراد. وتذكر التقارير الأكاديمية أنّ أنظمة الذكاء الاصطناعي لا تكتفي بجمع البيانات، بل تسعى إلى إنتاج «يقين خوارزمي» حول التصرفات البشرية المستقبلية. ويُشار في ورقة بحثية نشرتها منصة Preprints إلى أن النماذج الرياضية التي صُمِّمت أساساً لتقييم الأسواق المالية قد جرى تعديلها لإدارة السلوك البشري في مجالات الصحة والحكم، مما أدى إلى تآكل مفهوم الخصوصية والاستقلالية الفردية.
ويُعزى هذا التطور إلى سعي الشركات الكبرى لامتلاك «مرآة ذات اتجاه واحد»، تتيح لها رؤية كل شيء في حياة الفرد من دون أن تكون هي مرئية أو خاضعة للمساءلة. وتؤكد نادين بيزيمونغو أن الحكومات والشركات لم تعد مهتمة فقط بما يفعله الناس الآن، بل ببناء نماذج تتيح معرفة «ما يمكن توقعه منهم»، وهو ما يُعد تهديداً مباشراً للإرادة الحرة. ويُلاحظ أن هذه الأنظمة تُطبق بشكل مكثف في مجالات المراقبة الحكومية، حيث تُستخدم أنظمة التعرف إلى الوجوه والتحليل السلوكي، ممّا يجبر الأفراد على تعديل سلوكهم تلقائياً خشية الرصد المستمر.
فاجعة مدرسة ميناب
لا ينحصر استغلال البيانات في الأطر التسويقية التجارية. الأخطر من ذلك يرتبط بالاستعمال العسكري لنماذج غير جاهزة ومن دون تجارب كافية تؤكّد كفاءتها.
في هذا السياق، يُستشهد بمجزرة مدرسة «شجرة طيبة» الابتدائية في مدينة ميناب الإيرانية، التي وقعت في 28 شباط (فبراير) 2026، كنموذج صارخ لخطورة الاعتماد على الأنماط البيانية في اتخاذ قرارات مصيرية. وتؤكد «منظمة العفو الدولية» أن الضربة الصاروخية الأميركية أدت إلى مقتل 156 مدنياً، من بينهم 120 طفلاً، نتيجة تصنيف المبنى «هدفاً عسكرياً» بناءً على بيانات استخباراتية خاطئة. كما تذكر تقارير صحيفة «نيويورك تايمز» أن التحقيقات العسكرية الأولية أشارت إلى أنّ الخطأ نجم عن الاعتماد على سجلات تعود لأكثر من عقد من الزمن.
تستغلّ الحكومات والشركات الكبرى هذه التقنيات لتحويل المجتمعات إلى مساحات خاضعة للتنبؤ والتحكّم القسري
كذلك، يُكشف في تقارير الشركة المختصة في القوانين الرقمية Just Security، عن أن «واجب الرعاية المستمرة» قد تم إهماله لصالح السرعة الخوارزمية، حيث لم يُحقّق من طبيعة المبنى المدنية رغم وجود مؤشرات واضحة كرسومات الأطفال وصور الأقمار الاصطناعية الحديثة. وتضيف شبكة «إيران إنترناشيونال» أن الفاجعة تضاعفت بسبب تنفيذ ضربة «النقر المزدوج»، حيث استُهدف الموقع مرة أخرى بعد تجمع المسعفين والأهالي، مما أدى إلى مقتل معلمات وأولياء أمور حاولوا إنقاذ الأطفال من تحت الأنقاض.
وتُروى في هذا السياق قصص إنسانية مؤلمة، مثل قصة الطفل ميكائيل ميردورغي الذي وُجدت جثته محتضنة حقيبته المدرسية، وعُثر بداخلها على لوحة رسمها ليلة الحادثة تظهر صواريخ تسقط على مدرسته.
إضافة إلى ذلك، تطرّقت عشرات التقارير الأميركية خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، إلى استعمال القوات الإسرائيلية لأنظمة الذكاء الاصطناعي لتحديد بنك أهدافها. وتُجمع هذه التقارير على جزء رئيسي من الضحايا المدنيين، لا سيّما في قطاع غزة، يعود إلى الأخطاء الدائمة في تشخيص النماذج «الذكية» للأهداف.
اتساع «فجوة المساءلة» في الحروب المؤتمتة
في إطار تقييم أداء التقنيات الحديثة في الحروب المعاصرة، يُناقش في معهد «ليبر» المختص في مجال مراعاة القوانين الدولية في النزاعات المسلّحة، مفهوم «وهم الدقة» الذي يروّج له مؤيدو استخدام الذكاء الاصطناعي في النزاعات المسلحة. ويخلص المعهد إلى أن أنظمة مثل «مشروع مافن» التابع لشركة «بالانتير»، ونموذج «كلود» التابع لشركة «أنثروبيك»، قد أسهما في تسريع عمليات القتل لدرجة تتجاوز قدرة البشر على التحقق الأخلاقي.
ويُشار إلى أن هذه الأنظمة تعمل كـ «ببغاوات إحصائية» تفتقر إلى الفهم السياقي للبيئة المحيطة، مما يحول البشر في قواعد البيانات إلى مجرد «ارتباطات احتمالية» بدلاً من كائنات حية.
في هذا الإطار أيضاً، تذكر صحيفة «الغارديان» أن التركيز الإعلامي على «جنون الذكاء الاصطناعي» قد صرف الانتباه عن المشكلة الحقيقية، وهي دمج هذه الخوارزميات في «السباكة التحتية» للجيوش من دون وجود ضمانات كافية. ويُحلّل هذا التوجه بوصفه «عسكرة للبيانات» (Warification)، حيث توسّع بشكل كبير نطاق الأهداف المشروعة من خلال التقييمات الاحتمالية للمخاطر، مما يؤدي بالضرورة إلى زيادة الخسائر المدنية تحت غطاء «الخطأ التقني».
وهو ما تشير إليه بدورها منصّة EJIL Talk التي تفيد بأنّ استخدام هذه الأنظمة يخلق «فجوة في المساءلة»، إذ يُصعب إثبات القصد الجنائي لدى القادة العسكريين الذين يدعون «الخطأ غير المقصود» بناءً على مخرجات الآلة.
استعادة الإنسانية في مواجهة التنميط الرقمي
تجتمع هذه القراءات العلمية لتصبّ في خانة أنّ عشرات آلاف الضحايا في الحروب المعاصرة، كحادثة مجزرة مدرسة ميناب، ليست مجرّد «خلل تقني»، بل هي نتيجة بنيوية للنظام الذي حذرت منه نادين بيزيمونغو، حيث يوضع «اليقين» الرياضي فوق الواقع الإنساني. وتؤكد التقارير الحقوقية ضرورة سد الثغرات القانونية التي تسمح للشركات التقنية الكبرى بالإفلات من الرقابة الدولية، خصوصاً في ظل استثنائها من قوانين الذكاء الاصطناعي بدواعي «الأمن القومي».
على المقلب الآخر، يسوّق عمالقة التكنولوجيا في وادي السيليكون إلى أنّ أنظمة الذكاء الاصطناعي تنطوي على رسالة إنسانية لتطوير الحياة إلى مستوى أرقى. إلّا أنّ خلف هذه الشعارات الرنّانة، منعطفات عدّة توضح أهداف الشركات الفعلي، وانصهارها العضوي بالنظام الرأسمالي.
وتعدّ تجربة «تشات جي بي تي» أحد أكبر النماذج الشاهدة على هذا المسار، إذ ما بدأ على أسس غير ربحية، تحوّل سريعاً إلى شركة تجارية تبغى المليارات، لو كلّفها ذلك التخلّي عن بعض الحواجز الأخلاقية. علماً أنّ عشرات من مدراء وباحثي الشركة الرائدة، اختاروا الاستقالة احتجاجاً على السياسات التي لا تراعي ضمان التطوير الآمن للذكاء الاصطناعي.
يُذكر أنّ الحكومات تتماشى مع شركات التكنولوجيا في تقديم سردية علمية بأنّ البيانات «محايدة». على المقلب الآخر، تطرح أبحاث علمية عدّة أنّ هذه البيانات تعكس قيمَ ومصالح مَن يصيغون الخوارزميات بحسب أجندتهم السياسية. وبينما ينكبّ الاهتمام على التحذير من مخاطر الذكاء الاصطناعي المستقبلية، تستغلّ الحكومات والشركات الكبرى هذه التقنيات لتحويل المجتمعات إلى مساحات خاضعة للتنبؤ والتحكّم القسري، مما يُترجم بثقة عمياء في أنماط رقمية، رغم هامش الخطأ الكارثي، على حساب الحقيقة والتعاطف البشري.

