
بينما تتسع موجة التضامن الأوروبي مع فلسطين، تتجه حكومات غربية إلى تشديد الرقابة على الأصوات المؤيدة لها. من لندن إلى باريس، تتحوّل حرية التعبير تدريجياً إلى ساحة مواجهة سياسية وأمنية. وفي قلب هذا المشهد، يبرز قرار السلطات الفرنسية ترحيل رامي شعث بوصفه اختباراً جديداً لعلاقة أوروبا بالقضية الفلسطينية
تتواصل الصحوة الشعبية في غالبية البلدان الأوروبية تجاه فلسطين ومظلوميّة شعبها، بالترافق مع الفظائع الإسرائيلية المرتكبة على امتداد الشرق الأوسط. وبينما يزداد حضور هذه القضية في الفعاليات الثقافية والفنية والشعبية لتستحيل جزءاً من الخطاب السياسي، يختار بعض الحكومات العودة إلى مسار التضييق السياسي والإعلامي بغية إطفاء شعلة الوعي الإدراكي المتفشيّة في مجتمعات القارّة العجوز.
بعد إقدام بريطانيا على إجراءات تصل إلى حدّ تجريم بعض التظاهرات المتضامنة مع فلسطين، انضمّت السلطات الفرنسية إلى هذا المسار القديم الجديد. في هذا السياق، استنفرت باريس محرّكاتها القضائية، لا لمحاسبة من حدّدتهم محكمة العدل الدولية بمجرمي الحرب، بل لطرد الناشط السياسي الفلسطيني البارز، رامي شعث، من على أراضيها، بسبب أرقها من نشاطه السياسي.
خنق الحريّات
من جهتها، برّرت السلطات الفرنسية بدء إجراءات ترحيل الناشط الفلسطيني، بتصنيفه من قبل الأجهزة الأمنية على أنّه «تهديد خطير للأمن العام». أمّا شعث، فربط هذه القرار في إطار الحملة المتصاعدة ضدّ الفلسطينيين والنشطاء المتضامنين مع فلسطين في فرنسا.
وكشف الناشط الخمسيني، في مقطع فيديو نشره عبر منصات التواصل الاجتماعي، أنّ مديرية نانتير في باريس أخطرته رسمياً بقرار الترحيل، واضعاً هذا الإجراء ضمن الاستهداف السياسي لمحاسبته على مواقفه ونشاطه العلني دفاعاً عن القضية الفلسطينية.
في هذا السياق، علّلت قناة «فرانس 24» الفرنسية، قرار السلطات الفرنسية بعلاقات شعث مع شخصيات ومجموعات مؤيدة لفلسطين، في مقدمتها حركة «طوارئ فلسطين»، التي تنظّم فعاليات ومسيرات تضامنية مع الشعب الفلسطيني في مدن فرنسية عدّة.
باريس شريكة
رغم الاستهداف الشخصي لرامي شعث بغية إسكاته، إلّا أنّ ذلك لم يفلح. إذ ردّ الناشط على الخطوة الفرنسية باتّهام حكومة البلاد بالتواطؤ مع الاحتلال خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة. ولفت إلى أنّ الحرب الإسرائيلية ترافقت مع دعم سياسي وقانوني وإعلامي فرنسي، إلى جانب تعاون عسكري وتبادل معلومات، بما يسمح باستمرار الحرب على القطاع.
حاولت السلطات سابقاً تمرير قانون يمنع الحديث عن فلسطين
كما أشار شعث إلى أنّ باريس صعّدت أخيراً إجراءاتها ضد الأحزاب والنقابات والحركات والأفراد المشاركين في الحراك الداعم لفلسطين، معتبراً أنّ الجالية الفلسطينية تواجه استهدافاً ممنهجاً عبر المحاكمات والترحيلات والفصل من العمل والتضييق الإداري.
ملاحقة غير إنسانية
من جانبٍ آخر، تحدّث شعث عن محاولة سابقة لملاحقته قانونياً بتهمة «تبرير الإرهاب»، اصطدمت بإغلاق النائب العام الفرنسي الملفّ من دون إحالة الناشط الفلسطيني إلى القضاء، وهو ما اعتبره دليلاً على غياب أي أساس قانوني للاتهامات الموجّهة إليه.
بعد فشل الملف القضائي، انتقلت السلطات إلى المسار الإداري، من خلال تعطيل تجديد إقامته التي تحصّل عليها بصفته زوجاً وأباً لمواطنتين فرنسيتين، إضافة إلى منعه من السفر والعمل.
ووصلت عملية إخناق رامي شعث إلى مستوى إغلاق السلطات الفرنسية لحسابه المصرفي من دون إنذار مسبق. كما حُرم الناشط من تأمينه الصحّي بسبب مشكلات الإقامة، علماً أنّ وضعه الصحي غير سليم، وكان قد خضع أخيراً لعمليتين جراحيتين.
وضع شعث سياق ما تعرّض له ضمن محاولات إسكات الصوت الفلسطيني في فرنسا، معتبراً أنّ باريس «تحاول حرمان الشعب الفرنسي من حقه في النقاش والفهم والاستماع إلى الرواية الفلسطينية». في هذا الإطار، لفت إلى أنّ السلطات حاولت سابقاً تمرير قانون يمنع الحديث عن فلسطين، إلّا أنّ مسعاها لم ينجح.
وأمام ما وصلت إليه الحال، أكّد رامي شعث عزمه الطعن في قرار الترحيل أمام القضاءين الفرنسي والأوروبي، مشدّداً على أنّه وعائلته سيواصلان مواجهة «سياسات القمع والترهيب والتفريق الأسري».
أثمان متراكمة
يعدّ رامي شعث، البالغ 54 عاماً، أحد أبرز الأصوات الفلسطينية الناشطة في أوروبا، وهو نجل القيادي الفلسطيني نبيل شعث، أحد قياديي «منظمة التحرير الفلسطينية». وخلال الأعوام الماضية، اشتهر شعث بنشاطه السياسي والإعلامي الذي توّجه بالمشاركة في تأسيس حركة «طوارئ فلسطين» (Urgence Palestine) الداعمة للقضية الفلسطينية في فرنسا.
الجدير بالذكر أنّ شعث سبق أن تعرّض للاعتقال من قبل السلطات المصرية في القاهرة في حزيران (يونيو) 2019، ووجّهت إليه اتهامات تتعلّق بـ «إثارة اضطرابات ضدّ الدولة». وبعد حوالى ثلاثة أعوام، أفرجت عنه السلطات في مقابل التخلّي عن الجنسية المصرية، ليُسمح له بالسفر إلى فرنسا للالتحاق بزوجته الفرنسية سيلين لوبران وابنته.

