المودوفار يتلو خطاياه الصغيرة والكبيرة
في «مهرجان كان السينمائي» الحالي، يعود المعلّم الإسباني إلى أكثر مناطق السينما هشاشة وانكشافاً.


في «مهرجان كان السينمائي» الحالي، يعود المعلّم الإسباني إلى أكثر مناطق السينما هشاشة وانكشافاً. «عيد ميلاد مرير» ليس فقط فيلماً عن الذاكرة والفقدان، بل مواجهة مفتوحة بين الفن والحياة، حيث تتحوّل السيرة الذاتية إلى متاهة من المرايا، ويصبح الاعتراف السينمائي شكلاً من أشكال محاكمة الذات
مع «ألم ومجد» (2019)، خُيّل إلينا أن بيدرو ألمودوفار أغلق الدائرة على حياته الخاصة. كتب العمل الذي يوازي مذكراته: الطفولة، الخسارات التي حفرت فيه، الحبّ الذي أفلت من يده، الأصدقاء الذين ابتعدوا، وموت الأم التي قالت له يوماً: «لم تكن ابناً باراً».
بعد اعتراف مماثل، يبدو أن لا شيء آخر يمكن قوله. لكن ألمودوفار لا يسلّم بسهولة. يحتفظ دوماً بجرح صغير لم يُفصح عنه.
الأم نفسها، عاتبته يومها: «لا تضمّن هذا في أفلامك. لا أحب السيرة الذاتية المتخيّلة. جيراني لا يريدون أن تُصوّرهم». هنا يظهر الخيط الذي يشدّ «ألم ومجد» إلى «عيد ميلاد مرير» (Bitter Christmas)، تلك المنطقة الهشة التي يتقاطع فيها الإبداع مع الحياة، حيث يصبح كل تفصيل شخصي مادة محتملة للفيلم، وكل علاقة إنسانية سؤالاً أخلاقياً.
مرايا الذات
«عيد ميلاد مرير» المنافس على «السعفة الذهبية» في «مهرجان كان السينمائي الحالي»، يتشابك ويتلوّى، كأنه يختبر حدود اللعبة. أسئلة غير مريحة تتراكم: ما الذي يحق لنا أن نأخذه من حياة الآخرين؟ ما الذي يمكن التضحية به من أجل رغباتنا؟ هل يستطيع الفنّان أن يستخدم حياة الآخرين لينقذ نفسه، أم أن ذلك شكل آخر من الاستغلال المقنّع؟
ألمودوفار اليوم في مرحلة تأمل، قاس ربما على نفسه. «عيد ميلاد مرير»، (عنوان مضلّل قليلاً لأن العيد ليس سوى ذريعة) قاعة مرايا يواجه فيها ذاته. كيف يخلق؟ ممّن يستلهم؟
ما الذي يخشاه أكثر من غيره؟ الحبكة لعبة سينمائية صريحة. سيناريو يكتبه ألمودوفار، يليه سيناريو يكتبه مخرج داخل الفيلم، ثم سيناريو ثالث تكتبه مخرجة. طبقات فوق طبقات، لكن من دون إرباك. يضع ألمودوفار علامات طريق صغيرة كي لا يضيع المشاهد. يقدّم المتاهة بوضوح محسوب كأنه يقول: «أنا أعرف أنك تراني ألعب، وأنا أريدك أن ترى ذلك».
على الشاشة، نتابع حياة راوول (ليوناردو سباراغليا)، المخرج السينمائي الكبير، وهو يكتب سيناريو فيلمه الجديد، ثم نرى ما يكتبه يتحول إلى مشاهد. وفيها المخرجة إلسا (باربرا ليني) التي تعيش صدمة وفاة والدتها، تسافر إلى لانزاروت لمساندة صديقتها المقربة باتريسيا (فيكتوريا لونغو) في أزمتها، وهناك تجد شرارة الإلهام لفيلمها الجديد في امرأة مفجوعة بفقدان ابنها.
بين طبقات الزمن والواقع والخيال
في فيلمه الرابع والعشرين يختبر ألمودوفار حدود أدواته، يجرّب الانتقال بين طبقات الزمن والواقع والخيال. وفي لحظة ما يحدث ذلك المشهد الذي يعيد تعريف الفيلم كله، حين يكشف ألمودوفار أنه لا يقدّم نسخة بديلة لنفسه هذه المرة، بل نسخة داخل نسخة، ظلاً داخل ظل. السيرة الذاتية المتخيّلة لم تعد كافية، فابتكر سيرة ذاتية متخيّلة مضاعفة. عند هذه النقطة، ندرك أن كلّ ما رواه ألمودوفار كان يدور حول هذا بالضبط، وأنه واعٍ تماماً لخطاياه الصغيرة والكبيرة. يتركنا في مساحة معلّقة بين الواقع والخيال، أمام شاشة ونقطة تومض. لا أحد يعرف نهاية قصة، فهي لا تزال تُكتب.
ومن خلال هذه المتاهة، يصنع فيلمه الأكثر هشاشة وانكشافاً. فيلم غير مكتمل عمداً. الشخصيات لا تتحرك فقط داخل القصة، بل داخل بعضها. كل وجه يطل من وجه آخر، وكل دمعة تجد صداها في دمعة مقابلة. طقس اعتراف جماعي، المخرج يعترف، الشخصيات تعترف، ونحن نُجبر على رؤية أنفسنا في هذا الانكسار.
البصمة الجمالية الألمودوفارية حاضرة كالعادة، الألوان المشبعة، والتكوينات الدقيقة، وذلك الحس البصري الذي لا يخطئه أحد. لمسات كوميدية خفيفة تتخلل الدراما، وتحيّته لتشافيلا فارغاس. لانزاروت ليست مجرد خلفية. الرماد الرمادي والحمم البركانية الخامدة والمناظر التي تبدو وكأنها ما تبقّى بعد كارثة قديمة، كلها تتحول إلى استعارة بصرية لعالم نسائي مفجوع، يحمل في داخله صهارة وطاقات مكبوتة.
ميلودراما داخل ميلودراما
الفيلم يتحرك بلا خريطة واضحة، استطرادات، شذرات من نص لم يكتمل، نوبات غضب طفولية، مآس لا تُسمّى. لكنه يتحرك بثقة غريبة، كأن الفوضى جزء من الخطة. وفي النهاية ينكسر. ينكسر فعلاً، كعمل فنّي وكاعتراف وكمرآة. ونحن ننكسر معه. ألمودوفار يبني ميلودراما داخل ميلودراما لا ليشرح نفسه بل ليحاصرها. يقدّم لحظة حقيقة أو ما يشبه الحقيقة. هل هذا نقد ذاتي حقيقي؟ هل هذا تواضع؟ ألمودوفار يعرف أنّ هذه الأسئلة ستُطرح، ويبدو أنه يستمتع بتركها معلّقة.
