ركان مياسي يدخل عالم بدو البقاع
في سهل البقاع اللبناني، يرصد «البارح العين ما نامت» كيف تتحوّل الأعراف القبلية إلى سلطة تتحكم في مصائر النساء وأجسادهن.


في سهل البقاع اللبناني، يرصد «البارح العين ما نامت» كيف تتحوّل الأعراف القبلية إلى سلطة تتحكم في مصائر النساء وأجسادهن. عبر قصة ريم وجواهر، يفكّك ركان مياسي نظام الشرف والدم بوصفه بنيةً اجتماعية كاملة، حيث تُستخدم المرأة أداةً لإعادة تثبيت توازن الجماعة وحماية القبيلة من الانهيار
في منتصف «البارح العين ما نامت» مشهد لا يريدك أن تراه. يجتمع رجال قبيلة بدوية في سهل البقاع اللبناني، في غرفة معتمة، يتحدثون عن ريم (ريم المولى) وجواهر (جواهر المولى)، الأختين اللتين أُحضرتا إليهما كفداء عن جريمة قتل.
هل سيزوجون إحداهما لأحد أبناء القبيلة؟ هل سيقتلون إحداهما؟ هل سيقتلون كلتيهما؟ لا نرى المشهد، نرى ما بعده، حين يخرج قرار شيخ القبيلة. ومن هذه المسافة الصغيرة بين ما يحدث وما نراه، يبني المخرج الفلسطيني ركان مياسي أول أعماله الطويلة.
ويُجبرك على إدراك أن ما تراه ليس همجية ولا عاطفة ولا غضباً ولا عنفاً. إنها إدارة، حوكمة. إنها ــ بكل معنى الكلمة ـــ عرف.
هذه هي الفكرة الجوهرية الكامنة في صلب الفيلم الذي عُرض أخيراً في «مهرجان كان» الحالي، وهي ما تميّز الفيلم عن تقاليد السينما العربية التي تضفي معظم الوقت طابعاً جمالياً على المعاناة. لكن مياسي لا يراقب نظام الشرف هذا كعالم اجتماع زائر، بل يصوّره من الداخل، بلغة بيروقراطية خاصة، وسينمائية صافية.
العرف كآلة لإدارة العنف
يبدأ الفيلم المشارك في مسابقة «نظرة ما» في المهرجان بـ «غَمرا»، وهذه هي أكثر إيماءاته وضوحاً. شابة متهمة بإحراق سيارة رجل اختار أخرى. تظهر غَمرا في المشاهد الأولى من الفيلم كاسم قبل أن تُصبح شخصاً مفقوداً، شائعة هامسة، قلقاً مُتوقعاً، وخوفاً مُتجسداً في قرية، مُتخذاً شكلاً أنثوياً. لا يُبرّئها مياسي تماماً ولا يُدينها بشكل كامل. ليس هذا هو المغزى. إنها كبش فداء بالمعنى الدقيق.
جسد يُلقي عليه المجتمع غموضه، وتقلباته، ورغباته المكبوتة. لذلك، عندما يدهس ياسر (ياسر المولى) رجلاً من القبيلة الثانية عن طريق الخطأ، يستجيب المجتمع للشرخ بالطريقة نفسها التي تعامل بها مع غَمرا. ليس بالتحقيق أو المساءلة، بل بإعادة تشغيل آلة الأعراف التي لا ترى الفرد إلا بقدر ما يخدم القبيلة.
يجد نساء يتحملن العواقب. المنطق واحد، لكن النطاق يختلف. امرأة واحدة تحمل عار القرية، واثنتان تحملان دين الدم. في نظام بهذا التماسك، وبهذا العبء الثقيل، تكاد المرأة لا تُرى. ما يهم ليس ذاتها، بل الدور الذي تُدفع إلى أدائه، والوظيفة التي تُسند إليها داخل آلة اجتماعية لا تعترف إلا بالجماعة.
نساء يحملن أعباء الجماعة
مشاهد «البارح العين ما نامت» حادّة، حالمة، وفي لحظات معيّنة تُحدث ارتباكاً جسدياً شبه كامل، لأنها لا تخضع لقواعد القبيلة. يعتمد مياسي على اللقطة الطويلة، والممثلين غير المحترفين، وسهل البقاع المهيب، والكاميرا التي تشهد من دون أن تتدخّل.
هذا الأسلوب يمتلك قوة هائلة، لأنه يترك النظام القبلي مكشوفاً أمام المتفرّج، بلا تعليق ولا تبرير. القصة بسيطة وواضحة، لكن مياسي يرفض هذه البساطة في صورته. كل لقطة تحمل أكثر مما تُظهر. التفاصيل الصغيرة في كل مشهد لا تزيّن بل تُعيد تشكيل المعنى. الكاميرا في حالة ترقّب دائم، تراقب الجميع من دون أن تتدخل.
إن اختيار مياسي لممثلين غير محترفين من المنطقة حصراً (من بدو سهل البقاع) ليس مجرد إرث من الواقعية الجديدة، وإن كان كذلك أيضاً. إنه طرحٌ محدد لما يمكن للسينما فعله، وما لا يمكنها فعله، بصدق مع الأجساد التي تحمل تاريخاً معيناً.
الممثل المحترف، مهما بلغ التزامه، يؤدي الدور من منظور خارجي، فالتدريب، والحرفة، والإنتاج، كلها تتدخل بين الجسد والشيء الذي يصوره. أما المؤدي غير المحترف، فلا يؤدي، بل يحمل اللهجات، والوضعيات، وطريقة جلوس الرجل حين يقرر شيئاً عن امرأة، وطريقة تحرك المرأة حين تعلم أنها موضع قرار. هذه ليست سلوكيات مكتسبة، بل متأصلة. الفيلم غني بهذا النوع من المعرفة، معرفة لا يمكن كتابتها، بل تُعاش فقط.
واقعية قاسية بلا زينة
تمنح مشاهد سهل البقاع النساء مساحة واسعة، متنفساً. عندما تعبر الشقيقتان إلى الأراضي الأخرى، تتقلص التضاريس. تصبح أكثر صخرية، وحدةً، وخالية من أي نعومة قد توحي بالراحة. ثم يأتي مشهد الزفاف المرعب. انفجار مفاجئ من الضوء والموسيقى والدفء الجماعي يُتيح للمتفرج الانغماس في الفيلم لفترة كافية تجعل الانسحاب منه أمراً لا يُطاق، لأنك تعرف أن وراءه مصيبة.
في زمن تخلط فيه السينما العربية كثيراً بين التعاطف والسياسة، يعرف «البارح العين ما نامت» كيف يفصل بينهما بدقة. التعاطف يراقب من الخارج، يلين، يواسي، يمنحك وهم أنك فعلت شيئاً بمجرد أن شعرت. أما السياسة، فتفكّك وتحلّل وتكشف البنية التي تنتج الألم. يجمع مياسي الاثنين ويرفض أن يسمح لك بالاحتماء بأحدهما وحده. لا يكفي أن تشعر. ولا يكفي أن تفهم. عليك أن تواجه، وأن تقرر مصيرك بنفسك، كما فعلت ريم حين لم يتبقَّ لها سوى نفسها.
