بعد الاستهداف الممنهج للصحافيين واغتيالهم | جنوب لبنان: «التغطية مستمرّة» مع «الجزيرة»
منذ اندلاع حرب إسناد غزة، استهدفت إسرائيل عدداً من الصحافيين اللبنانيين. وخلال الحرب الحالية تحديداً، حاولت جاهداً إطفاء الكاميرات عن الجنوب اللبناني، فهل نجحت في التعتيم على جرائمها؟


تحوّل جنوب لبنان إلى إحدى أخطر البيئات على العمل الصحافي خلال السنوات الثلاث الأخيرة. منذ اندلاع حرب الإسناد في تشرين الأول (أكتوبر) 2023، سعى العدو إلى شلّ مظاهر الحياة في المنطقة، محوّلاً الفرق الطبية والمواطنين والصحافيين إلى أهداف مباشرة، في محاولة لمنع نقل صور المجازر التي يرتكبها بحق المدنيين الأبرياء.
مع اندلاع الحرب الحالية، توزعت الفرق الإعلامية على امتداد الخطوط الأمامية، من رميش إلى إبل السقي ومشارف بنت جبيل، التي شهدت مواجهات عنيفة بين المقاومة والعدو وصولاً إلى ضاحية بيروت الجنوبية. استمر هذا الواقع لأسابيع عدة، قبل أن تتسع دائرة العمليات العسكرية مع محاولات التوغل وتهديد مناطق واسعة من الجنوب، وصولاً إلى النبطية ومشارف صيدا. ورغم هدير الغارات واتساع رقعة الاستهدافات من الخطوط الأمامية إلى النبطية وصيدا والبقاع الغربي، لا يزال الصحافيون يحملون أرواحهم على كفّهم، مواصلين أداء رسالتهم المهنية، وإن بوتيرة أقل مقارنة بالأيام الأولى للحرب.
التغطية بين الحربين
يبرز فارق كبير بين التغطية الإعلامية خلال حرب 2024 والحرب الحالية، إذ كان المراسلون ينتشرون سابقاً في مختلف الجنوب، من القرى الحدودية إلى عمقه الداخلي. أما اليوم، فقد تحوّلت مدن ومناطق محددة، مثل صور وإبل السقي والنبطية، إلى نقاط ارتكاز رئيسية للصحافيين، مع حضور محدود على مشارف صيدا.
ومع إعلان هدنة هشة واستمرار الاعتداءات، اضطر بعض المؤسسات الإعلامية إلى سحب فرقه من الخطوط الأمامية، نتيجة المخاطر الأمنية المتزايدة وانهيار مقومات الحياة الأساسية، من شبكات الاتصال إلى الكهرباء والمحروقات. ولم يكن ذلك مستغرباً، بعدما تحولت الصحافة نفسها إلى هدف مباشر.
في المقابل، قررت قنوات أخرى البقاء في الميدان وتغطية الحرب منذ يومها الأول حتى نهايتها. خيار يتطلب جرأة مهنية كبيرة وميزانيات تشغيلية مرتفعة. في المقابل، عانت مؤسسات إعلامية أخرى من استنزاف مالي بسبب طول أمد الحرب، ما دفعها إلى تجميد حركة بعض مراسليها. وبين هذا وذاك، يعتمد عدد من القنوات على صحافيين ومصورين من أبناء الجنوب لنقل الصورة الميدانية من قلب الحدث.
الكاميرا في مواجهة القصف
لا تزال كاميرات الصحافيين تعاند محاولات العدو إطفائها، مصرّةً على نقل الوقائع تحت أزيز المسيّرات وصخب المقاتلات الحربية. إلا أنّ خطط المؤسسات الإعلامية شهدت تعديلات متكررة في أماكن تمركز طواقمها، خشية استهدافها المباشر. فقد استهدف العدو عشرات الصحافيين والمصورين خلال الحربين، بدءاً من المصور عصام عبدالله، وصولاً إلى الزميلة آمال خليل (1984-2026)، وعلي شعيب مراسل قناة «المنار»، وفاطمة فتوني مراسلة «الميادين»، وغيرهم من الإعلاميين الذين دفعوا ثمناً باهظاً أثناء أداء واجبهم المهني. وبعد مرور أربعة أشهر على الحرب، يبرز سؤال أساسي: كيف تبدو خريطة التغطية الإعلامية في جنوب لبنان اليوم؟
«الجزيرة» في الميدان
تتصدر «الجزيرة» المشهد الإعلامي في الجنوب اللبناني، عبر انتشار فرقها في أكثر المناطق سخونةً. ويطلّ مدير مكتب القناة في لبنان، مازن إبراهيم والمصور المحترف عصام مواسي، من النبطية، التي تُعدّ اليوم إحدى أبرز ساحات العمليات. كما يتولى إيهاب العقدي التغطية من إبل السقي، فيما تظهر كارمن جوخدار وكاترين حنا وغيرهما من نقاط مختلفة بين بيروت والجنوب.
«التلفزيون العربي» يواصل تغطيته من صور رغم تصاعد المخاطر الأمنية
وكانت تغطية الشبكة القطرية محفوفة بالمخاطر؛ إذ تعرّض مازن إبراهيم أخيراً لقصف سقط على بعد نحو مئة متر من موقعه أثناء تقديمه رسالة مباشرة من النبطية، في ما بدا رسالةً واضحة مفادها: «أطفئ كاميرتك». إلا أنه واصل بثّه، ناقلاً تفاصيل العمليات العسكرية في النبطية ومحيطها ومشارف قلعة الشقيف وزوطر.
من جهته، يتناوب فريق «التلفزيون العربي» القطري المؤلف من إدمون ساسين ورامز القاضي وزملائهما على التغطية من مدينة صور، التي باتت بدورها منطقة شديدة الحساسية بفعل استهداف المستشفيات والطواقم الطبية. وقد تشهد خطة القناة تغييرات إضافية تبعاً للتطورات الميدانية.
شاشات محلية... وحضور متفاوت
تُعد NBN من أبرز الشاشات المحلية في تغطية الحرب، إذ يتمركز علي عطوي في النبطية، فيما ينقل حسن فقيه صورة الأحداث من صور، بينما تطل رشا الزين من صيدا، التي تعيش تحت وطأة التهديدات وتشهد موجات نزوح متواصلة.
بدورها، تواصل «المنار» تغطيتها الشاملة للجنوب عبر شبكة من المراسلين المنتشرين على امتداد الجبهات. يطلّ سامر الحاج علي من صور، وهاشم السيد حسن من بنت جبيل، فيما يتابع علي شبيب تطورات النبطية، وأمين شومر منطقة الزهراني، وماهر قمر البقاع الغربي. ويواكب هؤلاء المراسلون المستجدات الميدانية لحظة بلحظة، ناقلين الأخبار العاجلة والتقارير الموسعة ضمن نشرات الأخبار.
أما «الجديد»، فقد قلّصت انتشار مراسليها على الخطوط الأمامية، مع تمركزهم بشكل أساسي على أطراف بيروت وصيدا، حيث يقدّم إبراهيم ضاوي ومحمد فرحات وغيرهما تقارير ميدانية مفصلة. كما تبث القناة بين الحين والآخر رسائل من مشارف إبل السقي وصور وبعض المناطق المحيطة بساحات المواجهة.
غياب عن التغطية
في المقابل، برز غياب التغطية الميدانية لشبكة «سكاي نيوز عربية» عن جنوب لبنان، مع تركيز محتواها على الملفات الإنسانية والاجتماعية. كما سحبت TRT التركية مراسليها من الجنوب، متمركزةً في بيروت لمتابعة التهديدات الإسرائيلية باستهداف الضاحية الجنوبية.
