ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

من «ما لنا وللسلاطين» إلى «حروب الآخرين»: كيف توجّه المصطلحات الوعي الجمعي؟

ثقافة
|ميديا
حفظ المقالة

لا تُخاض الصراعات بالسلاح وحده، بل تبدأ بمعركة على المعاني والمفردات التي تحدد كيفية فهم الأحداث وتفسيرها.

زهراء الحسيني
زهراء الحسيني
الثلاثاء 16 حزيران 2026
من «ما لنا وللسلاطين» إلى «حروب الآخرين»:  كيف توجّه المصطلحات الوعي الجمعي؟
الخط

لا تُخاض الصراعات بالسلاح وحده، بل تبدأ بمعركة على المعاني والمفردات التي تحدد كيفية فهم الأحداث وتفسيرها. فمن خلال المصطلحات والشعارات، يُعاد تشكيل الوعي الجمعي، وتُبنى السرديات السياسية، وتتبدل مواقع القضايا في أذهان الناس، بما يؤثر في مواقفهم وخياراتهم وحدود تفاعلهم معها


تبدأ الحروب في ميدان الوعي قبل أن تنتقل إلى ميدان القتال العسكري. فقبل تحريك الجيوش وإطلاق النار، تدور معركة على تفسير الأحداث وتسميتها وتحديد موقعها في وعي الناس. وفي هذه المعركة يحتل المصطلح موقعاً متقدماً، لأنه يحدد الإطار الذي يتم من خلاله فهم الوقائع وبناء المواقف.
حرب المصطلحات ليست ظاهرة جديدة. منذ القدم سعت قوى الهيمنة إلى اختيار المفردات التي تمنحها الشرعية، وإلى فرض توصيفات تقلص التعاطف مع خصومها. وفي كثير من الأحيان، كان الخلاف يدور حول تعريف القضية نفسها قبل أي شيء آخر.

ما لنا وللسلاطين

في الوقائع التي مهّدت لكربلاء، برزت عبارة «ما لنا وللسلاطين» وسيطرت على جزء من الوعي العام في الكوفة. وقد أسهم هذا المصطلح في إعادة تعريف الصراع الدائر آنذاك. فاستقر في أذهان كثيرين أنهم أمام نزاع على السلطة بين أطراف متنافسة، لا أمام مشروع إصلاحي يحمل مسؤولية أخلاقية واجتماعية تستدعي موقفاً وتضحية. ومع هذا التحول تغيّر الموقف من القضية والكلفة المرتبطة بها. وكانت النتيجة بحجم كربلاء.

وقد تتبدل المصطلحات من عصر إلى آخر، فيما تبقى الوظيفة واحدة. فالغاية تتمثل في إعادة تعريف الواقع والسياق وموقع الناس من القضية. ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في عدد من القضايا المعاصرة. فمشروع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الذي يرتكز على عناوين مواجهة الاستكبار ودعم قضايا المستضعفين والمقاومة، جرى تقديمه عبر مصطلحات مثل «المشروع التوسعي» و«الهلال الشيعي» و«المشروع الصفوي». ومع الوقت تحولت هذه المصطلحات إلى إطار تفسيري أعاد تعريف الصراع في أذهان كثيرين، فتراجع حضور عناوين الاحتلال والسيادة والاستقلال، وتقدم تصور يقوم على تنافس قوى تتنازع النفوذ والمكاسب.

«محور الاعتدال» في مواجهة «محور التطرف»

ومع انطلاق مسار التسويات والتطبيع في التسعينيات، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من هندسة المصطلحات. فظهر ما سُمّي بـ«محور الاعتدال» في مقابل «محور التطرف». وحملت هذه الثنائية وظيفة تتجاوز التصنيف السياسي إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي العربي وتحديد سقف الخيارات المتاحة أمامه. فجرى الترويج لفكرة أن «إسرائيل» تمثل حقيقة راسخة في المنطقة، وأن التكيف مع تفوقها وقبول شروطها هو التعبير عن الواقعية والعقلانية السياسية.

وفي المقابل، أُحيطت المقاومة بمفردات هدفت إلى تقديمها كخيار محكوم بالفشل وكلفة لا طائل منها. وبهذه الطريقة جرى تضييق مساحة الخيارات في الوعي العربي ودفعه نحو قناعة بأن التسليم بالأمر الواقع هو المسار الوحيد الممكن.
غير أن تحرير جنوب لبنان عام 2000 شكّل ضربة قاسية لهذا المشروع، وسرعان ما بدأت تظهر تداعيات ذلك مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية وتصاعد عمليات المقاومة العراقية، وصولاً إلى تحرير غزة عام 2005. فقد أعادت هذه الأحداث الاعتبار لخيار المقاومة، وأربكت كثيراً من القناعات التي جرى العمل على ترسيخها خلال سنوات التسويات والتطبيع.

«ثقافة الحياة» في مواجهة «ثقافة الموت»

ومع هذا التحول، صعّد المحور المعادي للمقاومة حملته السياسية والإعلامية بهدف محاصرة مشروع المقاومة وتجريده من شرعيته الشعبية. وجاء القرار 1559 وموجة الاغتيالات التي شهدها لبنان عام 2005 لتشكل أرضية خصبة لهذه الحملة. وفي تلك المرحلة برزت ثنائية «ثقافة الحياة» و«ثقافة الموت» كأحد أبرز عناوين المواجهة الإعلامية والسياسية.

فقد عملت قوى سياسية وإعلامية مرتبطة بهذا المحور على ربط المقاومة بالحروب والخسائر والاضطراب، مقابل تقديم مشروع التسوية والتطبيع باعتباره طريق الاستقرار والازدهار.

الفراغ الذي يتركه أصحاب قضية ما سرعان ما تملؤه روايات أخرى

وترافقت هذه الحملة مع تعبئة سياسية ومذهبية وإعلامية واسعة، فيما كانت الإدارة الأمريكية تتحدث عن «الشرق الأوسط الجديد». وبالتوازي مع الاستعدادات العسكرية، جرى العمل على تهيئة بيئة سياسية ونفسية تتقبل استهداف المقاومة وتتعامل معه بوصفه خطوة مبررة ضمن عملية إعادة تشكيل المنطقة.

هل قلت «مغامرين»؟

وعندما نفذت المقاومة عملية الأسر في تموز 2006، فرضت توقيتاً جديداً للمواجهة وسحبت عنصر المباغتة من حرب كان يجري الإعداد لها سياسياً وإعلامياً وعسكرياً. ومع اندلاع حرب تموز، تدفقت البيانات والتصريحات التي وصفت المقاومين بـ«المغامرين» و«المتهورين»، وتركز النقاش على عملية الأسر نفسها، فيما تراجع الحديث عن السياق الأوسع للصراع والتحضيرات التي سبقت الحرب.

وترافقت هذه المرحلة مع عملية تغذية إعلامية متواصلة للمصطلحات المتداولة. عندما يراد ترسيخ صورة المقاومة بوصفها «ثقافة موت»، يتركز الاهتمام على الخسائر والتضحيات، ويتم تجهيل الفاعل غالباً، ولا يتم وصفه بالعدو، فيما يتراجع الحديث عن إنجازات المقاومة وانتصاراتها إلى الخلفية. ويمكن ملاحظة ذلك في الخطابات والبيانات المرتبطة بذكرى الخامس والعشرين من أيار. خلال إحياء المناسبة هذا العام، ركّز رئيس الحكومة نواف سلام على الشهداء والتضحيات، فيما غاب ذكر المقاومة ودورها في تحقيق التحرير. وعندما تغيب النتيجة عن السردية، تتقدم الكلفة إلى واجهة المشهد.

تطبيع مشاهد العدوان

وفي السياق نفسه يمكن فهم مصطلحات متداولة اليوم من قبيل «حروب الآخرين» التي تتشابه مع وظيفة عبارة «ما لنا وللسلاطين». في الحالتين تتم إعادة تعريف القضية بطريقة تدفع المتلقي إلى إعادة تموضعه منها. فتتحول التهديدات والمخاطر والحقوق المرتبطة بالمجتمع إلى مصالح ضيّقة وشأن يخص أطرافاً أخرى، وتتراجع مساحة المسؤولية تجاهها.

وينطبق الأمر نفسه على تعابير مستحدثة من قبيل «المنطقة التجريبية»، التي تمنح الاعتداء توصيفاً مخففاً وتدفع الفاعل الحقيقي إلى الخلفية، بما يسهم في تطبيع مشاهد العدوان والتعامل معها بوصفها أمراً اعتيادياً أو مفروضاً.

ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، دخلت حرب المصطلحات مرحلة أكثر تأثيراً. تحولت المنصات الرقمية إلى أداة ضخ واسعة للمفردات والروايات التي تستهدف صورة المقاومة في الوعي الجمعي العربي. وتولت جيوش إلكترونية وحسابات منظمة تكرار مصطلحات محددة بصورة مكثفة، في تكامل واضح مع خطاب شخصيات ومنصات تنتمي إلى محور التطبيع.

وتصب هذه العملية في اتجاه واحد: تشويه المقاومة ورموزها، وتقديمها بوصفها مصدراً للحروب والخراب، فيما تضعّف الخوارزميات انتشار المصطلحات المرتبطة بالمقاومة ورموزها، وتضاعف من سرعة انتشار ووصول الآراء المقابلة، لا سيما حين تزداد التفاعلات عليها حتى السلبية منها فتزداد فرص وصولها لكونها مثيرة للجدل.

أهم معارك العصر

لهذا تبقى معركة الوعي من أهم معارك العصر. والتعامل مع حرب المصطلحات لا يقتصر على تفكيك المصطلحات المضللة وكشف خلفياتها، بل يشمل أيضاً المبادرة إلى ترسيخ المصطلحات الدقيقة والسرديات الأقرب إلى الحقيقة. فالرأي العام لا يعيش في فراغ، والفراغ الذي يتركه أصحاب قضية ما سرعان ما تملؤه روايات أخرى ومفاهيم أخرى.
ومن هنا تبرز أهمية المبادرة، وبناء الخطاب، وتقديم الرواية، وعدم الاكتفاء بموقع الدفاع أو الاكتفاء بالرد على ما ينتجه الآخرون. فمن «ما لنا وللسلاطين» إلى «حروب الآخرين»، تتغيّر الكلمات وتبقى الوظيفة واحدة: ضرب الوعي تمهيداً لضرب الوجود.

* اختصاصية في المجال التربوي وباحثة ومدربة في مجال الإعلام الرقمي

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك