ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

لوسيان بورجيلي: الشعب يُحاكم السلطة في العراء!

ثقافة
|مسرح
حفظ المقالة

يتحوّل حرم الجامعة الأميركية في بيروت إلى قرية نابضة بالصراعات والأسرار في معالجة مسرحية لنص «أعمدة المجتمع» لهنريك إبسن.

أدهم الدمشقي
أدهم الدمشقي
الخميس 18 حزيران 2026
من العرض
من العرض
الخط

يتحوّل حرم الجامعة الأميركية في بيروت إلى قرية نابضة بالصراعات والأسرار في معالجة مسرحية لنص «أعمدة المجتمع» لهنريك إبسن. عبر فضاء مفتوح يدمج الجمهور في قلب الحدث، يستكشف العرض علاقة السلطة بالحقيقة، مقدّماً تجربة انغماسية تتجاوز حدود المسرح التقليدي وتعيد تعريف دور المتفرج في صناعة المعنى


لم يستمد عرض «أعمدة المجتمع» للوسيان بورجيلي فرادتَه من استدعاء نص هنريك إبسن فحسب، بل من مغامرته الإخراجية، وتوظيفه الذكيّ للفضاء البديل عن المسرح التقليديّ.

قرية نابضة بصراعاتها

لم يتعامل المخرج مع الجامعة الأميركية في بيروت كخلفية مُحايدة، إنّما طوَّع جغرافيتها المفتوحة لتصبح عنصراً دراميّاً يُولّد المعنى، ويُجسّد القرية النابضة بصراعاتها. بفضل هذا التوظيف، انصهرت المباني الحجرية العريقة، والدرجات الواسعة، والممرات الشجرية، والإطلالة البحرية، لتصبح مكونات سينوغرافية حية منحت العرض كثافةً بصريّة ونفسية يصعبُ تحقيقها داخل العلبة الإيطالية أو المسرح المغلق. منذ اللحظة الأولى، ينصهر المتفرج في التجربة.

ويتحوّل من متلقٍّ سلبي للمشاهد، إلى فاعل يتحرك معها، ويعبر الممرات ذاتها التي تطأها الشخصيات، مستمعاً إلى الشائعات والهمسات التي تدور بين أهل القرية. هكذا تتسع حدود الحكاية، ليكتسب كل انتقال وظيفة درامية تضيف طبقة جديدة من المعنى والإحساس.

نجح بورجيلي في تطويع نص الكاتب، فالزعيم الذي يتماهى مع المصلحة العامة لتمرير مآربه، والخطابات التنموية التي تخفي شبكات نفوذ، والمجتمع الذي يحمي قشرته الخارجية على حساب الحقيقة، كلها تيمات وجدت صداها فوراً في الذاكرة الجمعية اللبنانية.

المتلقّي في قلب العرض

في مشهد افتتاح المستوصف مثلاً، حين يظهر عبد الرحيم العوجي في دور القنصل «كارستن برنيك» مخاطباً أبناء القرية، يحقق العرض إحدى أكثر لحظاته اكتمالاً. فالمكان، والأزياء، وطريقة تموضع الممثلين والجمهور، كلها عناصر تكسر الجدار الرابع، وتدفع بالمشاهد إلى قلب القرية المُتخيلة، ليراقب السلطة ويصير جزءاً من جمهورها، يصغي إلى خطابها، ويشهد كواليس صناعة هيبتها الزائفة.

تتجلى حميمية العرض في مشهد يوهان ودينا (مجد المصري وهيلين شعبان) وهما يتحاوران حول حلم الهجرة عبر البحر. يتحول المدرج الحجري إلى فضاء شاعري بمسحة سينمائية تُذكّر بأجواء «التايتانيك». هذا التأثير لم تصنعه التقنيات، بل فرضه القرب الفيزيائي، وقدرة الممثلين على إشراك الجمهور في لحظة البوح العاطفي، لينتقل المتفرج من رتبة المتلقي السلبي إلى رتبة الشاهد على اعتراف حميم.

أداء متماسك

أما على مستوى الأداء، فقد حمل عبد الرحيم العوجي ثقل الشخصية المحورية باقتدار، فجاء تجسيده صادقاً وطبيعيّاً. وما يُميّز العوجي تحديداً هو استثماره للذكاء الكوميدي الذي يمتلكه، وتوظيفه لمصلحة الدور من دون الانزلاق نحو الهزل. إذ بدت هذه الخفة جزءاً من أدوات «برنيك» الاستمالية لكسب الثقة، ما منح الشخصية أبعاداً إنسانية أكثر تركيباً وإقناعاً. ويبدو واضحاً أن العوجي بات ركيزة أساسيّة، وإضافة كبيرة إلى مسرح بورجيلي.

قدّم بورجيلي تجربة مسرحية انغماسية موفّقة


كذلكَ، قدمت فرح شاعر أداءً متماسكاً، قائماً على فهم سيكولوجي دقيق للشخصية والتحكم في إيقاعها الداخلي. أما رالف خوري، فنجح في نمذجة شخصية مألوفة في الواقع اللبناني: التابع اللّصيق بالسلطة، والمتحول إلى بوق دائم لها.

في المقابل، شكّل بهاء حسن إحدى المفاجآت الواعدة في العرض. فالقادم من عالم البرمجيات أظهر حضوراً مسرحيّاً رصيناً، وقدرة على تجسيد شخصية المثقف الحالم بالقيم الكبرى. وبدا منذ إطلالته الأولى أن غواية المسرح قد أصابته. فثمة ممثلون يختارون الخشبة، وثمة خشبة تختار مُريديها. لذلك، لا يسع المرء إلا مداعبته بالقول إن أعقد شيفرات البرمجة لن تمنحه طوقَ النجاة للهروب من شباك المسرح إذا ما قرر هذا الأخير احتجازَه ومطالبته بالتفرغ التام له. فهذه الخشبة، حين تعثر على أصيلها، لا تفرط به بسهولة.

إدارة فرقة هجينة

غير أن أبرز نقاط قوة العرض لا تكمن في تميزٍ فرديّ، بل في قدرة بورجيلي على إدارة فرقة هجينة تجمع بين المحترفين وطلاب في بداياتهم. في حين تطفو الفوارق الخبراتية في أعمال مشابهة، نجح المُخرج هنا في صهر النبرة الأدائية وتوحيدها، لتبدو المجموعة بالسوية الاحترافية ذاتها. ويعود ذلك إلى براعته في إدارة الممثل، حيث يُفصِّل الأدوار على مقاس الطاقات المتاحة كخياط ماهر، فلم يشعر المشاهد بأي فجوة بين الهواة والمحترفين، بل يشعر أنه أمام فرقة متجانسة تتقاسم مسؤولية بناء العالم المسرحي.

كما لعبت الأزياء دوراً دراماتورجيّاً في ترسيخ هذا العالم، واستحضار الحقبة التاريخية، والإسهام في ترسيم الفوارق الطبقية، وإظهار التناقض بين القشرة الخارجية الرصينة والاضطرابات النفسية التي تخفيها الشخصيات خلف أقنعة الوقار والحشمة والسلطة.

المشكلة في الخاتمة

وإذا كان من مأخذٍ نقدي يمكن تسجيله، فهو يتعلق بالخاتمة. بعد رحلة تميزت بتصاعد درامي وبصري مستمر، وانتقالات ذكية بين فضاءات الجامعة، جاءت النهاية دون مستوى التوقعات التي بناها المسار السابق. ورغم أن فكرة التمثال والاحتفاء المستمر بالزعيم الفاسد تنسجم مع أطروحة العمل الفكرية، إلا أن الإيقاع الختامي بدا متأرجحاً ومبتوراً قياساً بغزارة المشاهد السابقة. كان العرض يستحق قفلة تمتلك الكثافة المشهدية ذاتها التي انطلق بها، أو ذروة درامية توازي حجم الرحلة الميدانية التي خاضها الجمهور.

لكن هذا التحفظ لا يقلل من القيمة الفنية للتجربة، بل يكرس نجاحها. فحين يرفع عرض مسرحي سقف التوقعات إلى هذا الحد، تصبح المحاسبة على التفاصيل الأخيرة دليلاً على قوة المتن لا على ضعفه.

لقد نجحَ لوسيان بورجيلي في «أعمدة المجتمع» بتقديم تجربة مسرحية انغماسية موفّقة، تذكرنا بأن المسرح لا يحتاج دائماً إلى خشبة كي يصنع عالماً كاملاً. يكفي أحياناً أن يجد الفضاء القادر على احتضان الحكاية، ليثبت أن تحرير النص من الجدران المغلقة هو الخطوة الأولى لتحرير وعي المتلقي، وجعله شريكاً في تفكيك الواقع وتعرية السلطة ومواجهة المجتمع بحقيقته.

* «أعمدة المجتمع»: س:20:30 مساء اليوم ـــ نقطة الانطلاق من البوابة الرئيسية للجامعة الأميركية في بيروت.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك