ضخّ مبالغ طائلة في «الجبهة الثامنة»: «الهاسبارا» تعيد اليمين الأميركي إلى الحظيرة؟

مع تصاعد الانتقادات داخل اليمين الأميركي لسياسات بنيامين نتنياهو ودعم إدارة دونالد ترامب لإسرائيل، كشفت تقارير إسرائيلية عن تخصيص أكثر من 40 مليون دولار للتأثير على الجمهور المحافظ في الولايات المتحدة. يأتي ذلك ضمن ميزانية دعائية قياسية تتجاوز 700 مليون دولار عام 2026، فيما تصف تل أبيب معركة السرديات والإعلام بـ«الجبهة الثامنة» في حروبها
تشنّ إسرائيل حروباً على جبهات عدة، إلّا أنّ حملاتها لا تنحصر في الإطار العسكري. في نهاية العام الماضي، أعلنت «الخارجية» الإسرائيلية عن عزمها ضخّ مبالغ غير مسبوقة على حملاتها الدعائية التي وصفتها بمثابة «الجبهة الثامنة».
بالتوازي مع إطلاق محرّكات الماكينة الدعائية الصهيونية، الشهيرة بمصطلح «الهاسبارا»، لفت رئيس وزراء الكيان، بنيامين نتنياهو، إلى أنّ الحرب على السردية في زمن وسائل التواصل الاجتماعي يعدّ «السلاح الأهمّ» في الحروب المعاصرة. لذلك، رفعت تل أبيب ميزانيتها الدعائية لعام 2026 بأربعة أضعاف، متخطّية عتبة 700 مليون دولار.
في هذا الإطار، كشفت تقارير عبرية قبل أيام عن تخصيص أكثر من 40 مليون دولار حصراً للتأثير على الجماهير اليمينية في الولايات المتحدة، التي تعدّ تاريخياً الأكثر تأييداً لها. يأتي التركيز على هذه الشريحة بعينها، في ظلّ خروج أصوات سياسية وإعلامية (آخرها تاكر كارلسون) وشعبية يمينية منتقدة لسياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب في دعم «إسرائيل» ونفوذها غير المبرّر في دوائر اتخاذ القرار في واشنطن، لا سيّما أخيراً في خيار الذهاب إلى خيار الحرب على إيران.
حملة على «الساحة الخلفية»
أفادت صحيفة «هآرتس» عن زيادة تل أبيب إنفاقها بشكل ملحوظ على حملات العلاقات العامة والتأثير التي تستهدف تحديداً الجماهير المسيحية المحافظة في الولايات المتحدة. ووفقاً للصحيفة، تبدّلت أهداف الحملة منذ إطلاقها في أواخر العام الماضي، لتصبّ تركيزها أخيراً على الدفاع عن الحرب على إيران ومحاولة إسكات الانتقادات المتصاعدة ضدّ نتنياهو وحكومته.
وفي ظلّ تراجع دعم «إسرائيل» بين مختلف شرائح الرأي العام الأميركي، بمن في ذلك الناخبون الجمهوريون، قرّرت حكومة الاحتلال مضاعفة الميزانية المخصّصة لخدمة هذه الجهود لتصل إلى أكثر من 40 مليون دولار.
بالإضافة إلى ذلك، كشفت الصحيفة العبرية أنّ الحملة الحالية تركّز على تسويق أفكار متعلّقة بإيران والصين وقطر لتشكيل الخطاب العام بين الجماهير الأميركية، موضحة أنّ المبادرة هدفت في السابق إلى «مكافحة معاداة السامية» والترويج للاحتلال في مواجهة الفلسطينيين، لكنّها أصبحت تُستخدم بشكل متزايد لتبرير الحرب على إيران.
ووفقاً للتقرير، يأتي هذا التحوّل على وقع الاتهامات الواسعة في الولايات المتحدة، لا سيّما من الشريحة اليمينية، بأنّ نتنياهو جرّ الرئيس الأميركي إلى حرب غير ضرورية.
اليمين «الفتيّ» يتمرّد
ترتبط أهداف الحملة الدعائية الإسرائيلية ارتباطاً عضوياً بتغيّرات موثّقة في الرأي العام الأميركي. في هذا السياق، أُجريت استطلاعات رأي من مصادر عدّة خلال الأسابيع الماضية، وأجمعت نتائجها على وجود تبدّل جذري بعد حروب الأعوام الأخيرة في القاعدتين الديمقراطية والجمهورية على حدّ سواء داخل الولايات المتحدة.
في نيسان (أبريل) الماضي، كشف مركز «بيو» للأبحاث عن أنّ 57 في المئة من الناخبين الجمهوريين من الفئة العمرية بين 18 إلى 49 عاماً، ينظرون بطريقة سلبية إلى «إسرائيل» بينما يشاركهم 24 في المئة من الفئة التي تتجاوز الخمسين عاماً هذا الرأي، بما يُظهر اختلافاً في وجهات النظر بين الموقف التاريخي والتبدّلات المستجدة على وقع الأداء الأميركي – الإسرائيلي في الشرق الأوسط.
في المقابل، ينظر 84 في المئة من الفئة الفتية لدى الناخبين الديمقراطيين إلى الاحتلال بطريقة سلبية، بما يتشابه إلى حدّ كبير مع المزاج العام للفئة ما فوق الخمسين عاماً التي عبّر 75 في المئة منها عن الموقف نفسه.
تتابع غرفة حرب إعلامية التغطية العالمية على مئات الوسائل الإعلامية
لذلك، تسعى تل أبيب في استراتيجيّتها الدعائية المحدثة، إلى العودة خطوة إلى الخلف وصبّ الجهود على المحافظة على نفوذها، أقلّه داخل أحد المعسكرين الأميركيين، لا سيّما بعد خسارتها شبه الكاملة شعبياً داخل صفوف الجماهير الديمقراطية.
في هذا الإطار، أشار استطلاع رأي أجرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية في نهاية أيار (مايو) المنصرم، إلى أنّ حوالى 75 في المئة من الناخبين الديمقراطيين يرفضون المساعدات العسكرية الأميركية للاحتلال، علماً أنّ هذه النسبة كانت 45 في المئة قبل اندلاع الحرب في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023. كما عبّر نصف المُستطلعين من هذه الشريحة عن عدم رضاهم عن أداء الحزب الديمقراطي في القضايا المرتبطة بـ «إسرائيل»، بينما رفض 95 في المئة منهم الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران.
«الهاسبارا» تلملم الخسائر
خلال عام 2025، وصلت ميزانية الحملة الدعائية الإسرائيلية إلى 150 مليون دولار، أي ما يوازي 20 ضعف مستويات ما قبل عام 2023. وعلى وقع تدهور الصورة العالمية الناجم عن الإبادة الجماعية في قطاع غزة وجنوب لبنان، والحروب الإقليمية والضربات الجوية التي طالت فلسطين ولبنان وسوريا والعراق وإيران وقطر واليمن، ارتأت الحكومة اليمينية الإسرائيلية تخصيص مبلغ غير مسبوق، قدره 730 مليون دولار لمديرية الدبلوماسية العامة الوطنية، المعروفة باسمها العبري «هاسبارا»، التي تُشرف على الدعاية الإسرائيلية، وفق ما نشرته في وقت سابق صحيفة «جيروساليم بوست».
وبينما تدأب تل أبيب على تكثيف جهودها الرامية إلى تحسين صورتها دولياً، لا سيّما في الدول الحليفة مثل الولايات المتحدة، عبر زيادة حجم الإنفاق الإعلامي، لا يزال وقع جرائمها المستمرّة يتردّد بين ضمائر شعوب العالم. من جهة، تتواصل تبعات قتلها وجرحها لأكثر من 250 ألف فلسطيني في الأعوام الثلاثة الأخيرة، وتجويعها 2.3 مليون إنسان في غزة، وإنشائها نظام فصل عنصري في الضفة الغربية. إضافة إلى أعمالها العدوانية تجاه دول المنطقة، حصد العدوان المستمرّ على لبنان أرواح آلاف المدنيين، مع احتلال لعشرات القرى بعد تدمير منازلها ومنشآتها المدنية بشكل كامل.
من ناحية أخرى، تلقّت «إسرائيل» ضربات إعلامية قوية في الولايات المتحدة بسبب اتهامات بوجود ارتباط بين شبكة جيفري إبستين والموساد، إضافة إلى تكشّف جرائم الاعتداء الجنسي لرئيس الوزراء الأسبق، إيهود باراك.
كذلك، تُلاحق المحكمة الجنائية الدولية نتنياهو بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، بينما تواجه «إسرائيل» تهماً بالإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية.
أمّا لجهة المشاركة الأميركية في العدوان على إيران، فتململ الشارع داخل الولايات المتحدة بسبب انخراط إدارة ترامب في حرب غير مبرّرة أدّى إلى اضطراب الاقتصاد العالمي، وما تبعه من أعباء مادية مباشرة على المواطن الأميركي.
«الجبهة الثامنة»
بالتوازي مع زيادة الميزانية، قرّرت وزارة «الخارجية» الإسرائيلية توسيع جهازها الإعلامي، وأشرف الوزير جدعون ساعر، على إنشاء وحدة متخصّصة مُكلّفة بتشكيل السرديات حول العالم.
ومن بين المبالغ المفرزة لهذه العملية، أطلقت الحكومة حملة إعلانية بقيمة 50 مليون دولار على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب إنفاق 40 مليون دولار على استضافة مئات الشخصيات الأجنبية، بين سياسيين ورجال دين ومؤثرين وجامعيين.
وفي قلب «الجبهة الثامنة»، تتابع غرفة حرب إعلامية التغطية العالمية على مئات الوسائل الإعلامية وتُراقب آلاف المقابلات والمنشورات. ووفقاً لـ «جيروساليم بوست»، وقّعت وزارة الخارجية اتفاقاً بقيمة 1.5 مليون دولار شهرياً مع شركة مرتبطة بالمستشار الاستراتيجي السابق لترامب، براد بارسكال، من أجل استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في الحملة الدعائية. كما أُنفقت أموال إضافية على الشبكات الإنجيلية وحملات المؤثرين التي تُدار من خلال شركات علاقات عامّة خاصة.
يأتي هذا الاهتمام الاستثنائي بالحرب الدعائية، في ظلّ تحذيرات حديثة أطلقها باحثون في «معهد دراسات الأمن القومي» في تل أبيب، من أنّ «إسرائيل» تواجه عزلة تمتد من الأطر الدبلوماسية، وصولاً إلى قلب الرأي العام، بمستويات «لم يشهدها منذ تأسيس» الكيان. إضافة إلى ذلك، سلّط المعهد الضوء على «المقاطعة الاقتصادية الزاحفة» بسبب تجنّب الشركات والمؤسسات الأكاديمية إقامة علاقات مع الاحتلال.

