
منذ بداية الإبادة، تعرّض الصحافيون في غزة ولبنان لحملة قتل ممنهجة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، حتى تخطى عدد العاملين في القطاع الإعلامي 290 في البلدين. ورغم عدم اتخاذ أي تدبير لمحاسبة إسرائيل وحماية الصحافيين، قررت لجنة حماية الصحافيين تعديل قاعدة بيانات الصحافيين الذين استشهدوا في غزة.
هذه المراجعة لم تُطبَّق، حتى الآن، على أي حربٍ أخرى توثقها اللجنة. فقد شملت التعديلات 20 اسماً من قاعدة بيانات الحرب الإسرائيلية على غزة، ثمانية حُذفوا بعدما قالت اللجنة إنهم شاركوا في القتال، وسبعة بعدما خلصت إلى أنهم لم يكونوا صحافيين أو عاملين في الإعلام، وثلاثة صحافيين إسرائيليين لأنهم لم يكونوا في مهمة صحافية عند مقتلهم، إضافة إلى حالتين أزيلتا بعدما تبيّن أن الشخصين لم يُقتلا. وفي المقابل، لم تعلن اللجنة عن مراجعة مماثلة لقواعد بياناتها الخاصة بالحروب الأخرى، سواء في أوكرانيا أو السودان أو اليمن أو غيرها.
15 اسماً خارج قاعدة البيانات
في منهجيتها، تؤكد اللجنة أن الصحافي هو كل من يمارس جمع الأخبار أو إنتاجها أو تحريرها أو نشرها، سواء أكان موظفاً أم مستقلاً، كما تشمل فئة «العاملين في الإعلام» المصورين والمترجمين والمثبتين والسائقين وغيرهم ممن يسهمون في العملية الصحافية.
وقبل إعلان اللجنة نتائج مراجعتها، كانت الأسماء كلها، مدرجة في قاعدة بياناتها ضمن الصحافيين أو العاملين في الإعلام الذين قُتلوا في الحرب الإسرائيلية على غزة. إلا أن اللجنة أعلنت لاحقاً حذف ثمانية منهم، لأنها قالت إن تحقيقاتها اللاحقة أظهرت أنهم «شاركوا في القتال». وتشمل هذه الأسماء: محمد منهل أبو عرمانة، ومحمد ناصر أبو هويدي، ويعقوب البرش، ورزق أبو شكيان، وميسرة أحمد صلاح، ومهدي المملوك، ومصطفى بحر، وعبد الله درويش.
وتختلف هذه الفئة عن سبعة فلسطينيين آخرين حذفتهم، بعد أن خلصت مراجعتها إلى أنهم «لم يكونوا صحافيين أو عاملين في الإعلام» أصلاً، وهم: محمد خير الدين، وبهاء عكاشة، وسلمى مخيمر، وأحمد فاطمة، ومحمد الجاجة، وأسعد شملخ، ومحمد فايز أبو مطر.
سير مهنية موثقة
غير أن مراجعة الأسماء المحذوفة، تبين أن محمد منهل أبو عرمانة، كان صحافياً في وكالة فلسطين الإعلامية من مخيم النصيرات، ومحمد ناصر أبو هويدي كان مصوراً صحافياً في صحيفة الاستقلال، ويعقوب البرش كان المدير التنفيذي والمصور في إذاعة نماء، ورزق أبو شكيان كان محرراً في وكالة فلسطين الإعلامية، ومهدي المملوك كان مهندس البث في قناة القدس اليوم، ومصطفى بحر كان المراسل والمؤسس المشارك لمنصة Palestine Breaking News، وعبد الله درويش كان مصوراً في قناة الأقصى، إضافة إلى أن ميسرة أحمد صلاح كان صحافياً ومصمماً غرافيكياً في شبكة قدس الإخبارية.
أما الأسماء السبعة الأخرى، فتبين أن محمد الجاجة كان صحافياً في بيت الصحافة، ومحمد خير الدين كان صحافياً في قناة الأقصى، ومحمد فايز أبو مطر كان مصوراً صحافياً حراً، وسلمى مخيمر وأسعد شملخ كانا صحافيين مستقلين، وبهاء عكاشة كان مصوراً صحافياً في شبكة الأقصى الإعلامية، وأحمد فاطمة كان يعمل في بيت الصحافة الفلسطيني.
تبرير اللجنة
في تبريرها للقرار، قالت الرئيسة التنفيذية للجنة جودي غينسبيرغ: «دائماً ما أوضحت لجنة حماية الصحافيين أننا لا نُدرج أي شخص في قواعد بياناتنا إذا توافرت أدلة على أنه كان يشارك في القتال أو يحرّض على عنف وشيك. ويتوافق ذلك مع القانون الدولي الإنساني، الذي يعتبر الصحافيين المرتبطين بجهات غير حكومية مدنيين، ما داموا لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية».
وقالت اللجنة في بيان نشر في 25 حزيران (يونيو) إنها قبل إدراج أي شخص في قاعدة بياناتها بصفته صحافياً أو عاملاً إعلامياً، تعتمد على مصدرين مستقلين للمعلومات على الأقل، إلى جانب البحوث المكتبية والتحقق الميداني كلما أمكن.
وأضافت غينسبيرغ: «تدين لجنة حماية الصحافيين بشكل قاطع تقديم المقاتلين على أنهم صحافيون أو عاملون في وسائل الإعلام، أو إساءة استخدام شارة «الصحافة». فمثل هذه الأفعال تعرّض كل صحافي يحاول أداء عمله بصورة مشروعة للخطر. ونحن نجري مراجعة شاملة لجميع الأسماء الواردة في قوائمنا للتأكد من عدم إدراج أي شخص كان يشارك فعلياً في القتال ضمن بياناتنا». وأشارت اللجنة إلى أنها تتوقع الانتهاء من هذه المراجعة خلال شهر تموز (يوليو) الحالي.
من يملك حق التصنيف؟
يعكس هذا القرار توجه اللجنة إلى تجريم العمل السياسي للصحافيين، أو حتى إعلانهم صراحةً موقفاً سياسياً، لا يتناسب مع مراكز القرار، ويفتح نقاشاً أوسع حول تعريف الصحافة نفسه. رغم ادعاء اللجنة التزامها بعدم استبعاد الصحافيين بناءً على خلفياتهم السياسية أو المؤسساتية، فإن قرار الحذف يكشف عن معايير مزدوجة تطبق تحت وطأة الضغوط السياسية، ويثير تساؤلات حول المعايير الفعلية المطبقة.
يأتي هذا القرار في سياق أوسع يطبع جزءاً كبيراً من المؤسسات الإعلامية الغربية، التي توسّع، منذ سنوات، القيود المفروضة على العاملين فيها في ما يتعلق بالنشاط السياسي والتعبير العلني عن المواقف. فوكالات أنباء ومؤسسات إعلامية كبرى تفرض على صحافييها الامتناع عن الانخراط في النشاط الحزبي أو الدعوة إلى مواقف سياسية علنية، بحجة الحفاظ على الاستقلالية والحياد. وبهذا المعنى، يُعاد تعريف الصحافي بوصفه منتجاً للمعلومة فحسب، مع فصل هويته المهنية عن أي انخراط سياسي أو اجتماعي خارج إطار المؤسسة.
لكن فكرة «الإعلام المحايد» نفسها تعرضت لانتقادات واسعة في دراسات الإعلام، التي أظهرت أن وسائل الإعلام لا تكتفي بنقل الوقائع، بل تسهم في تحديد أولويات النقاش العام وصياغة الرأي العام. وفي ظل الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وحروبه في المنطقة، تكتسب هذه العملية بعداً سياسياً مضاعفاً، إذ يدور الصراع حول الأرض أو القوة العسكرية، كما على الرواية والشرعية والذاكرة.
ومن هنا، فإن تصوير الصحافي الفلسطيني أو اللبناني بوصفه مجرد «منتج للمعلومة»، يتجاهل عمداً أحد الأدوار التاريخية للصحافة في المجتمعات الواقعة تحت الاستعمار، إذ ارتبط العمل الصحافي، منذ نشأة الصحافة الوطنية، بتوثيق الانتهاكات، وبناء الوعي العام، ومواجهة الرواية الرسمية للقوة المسيطرة. ففي هذه الحالات، لا يكون إنتاج الخبر فعلاً تقنياً محضاً، بل يصبح جزءاً من الصراع على الحقيقة نفسها.



