ألعاب الفيديو تدخل الجبهة الأوكرانية الروسية: اقتل أكثر... تَربح أكثر!

قتيل روسي بـ12 نقطة، ومشغّل مسيّرة بـ25، ودبابة بـ40! أوكرانيا تستورد منطق ألعاب الفيديو إلى الجبهة، محوّلة القتل إلى منافسة ولوائح صدارة ومكافآت تُستبدل بمعدات قتالية. نظامٌ يرفع «الكفاءة» العسكرية، لكنه يفتح سؤالاً مرعباً: ماذا يبقى من أخلاقيات الجندي حين يصبح الموت رصيداً؟
منذ انطلاقتها في عام 2022، تحوّلت الحرب في أوكرانيا إلى حقل تجارب عملياتي لآخر صيحات تقنيّات الحروب الحديثة. من ساحات المعارك الدامية، تكشّفت أدوات التكنولوجيا المعاصرة لتهشّم مسلّمات مدارس القتال التقليدية.
لكنّ المعركة بين القوات الروسية والأوكرانية، أخرجت إلى العالم مسرحاً جديداً غير مألوف. القتال لم يعد بالضرورة بين الجنود بشكل مباشر، إنّما استحال معركةً غير متكافئة بين الإنسان والآلة. ومن بين عائلات المسيّرات الجويّة والبريّة والبحريّة المتعدّدة، سطع نجم الدرونات الصغيرة، لما تملكه من مرونة تشغيلية وقدرة تدميرية، إضافة إلى كلفتها المنخفضة. وبينما تتأقلم الجيوش على دمج أدوات التكنولوجيا الحديثة في صميم مدارسها القتالية، ذهبت القوات الأوكرانية أبعد من ذلك. أدخلت كييف إلى الحرب حقبة جديدة، تتعدّى الاستخدام المكثّف للطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي، لتشمل استيراد منطق ألعاب الفيديو نفسه إلى ساحة القتال، وتحويل الإنجازات العسكرية إلى نقاط يحقّقها الجندي اللاعب، لتتيح له استبدالها بمعدات قتالية أشدّ فتكاً.
داخل هذا المشهد المستجدّ، يتراجع العامل الإنساني رويداً رويداً، فالمشغّل الأوكراني الجالس على بعد كيلومترات من خطّ الاشتباك، ينظر إلى البثّ المباشر من طائرته المسيّرة بهدف قتل الجنود الروس لزيادة رصيده من النقاط، لأهداف تنافسية غرائزية مع زملائه المتعطّشين للارتقاء في لائحة المتصدّرين. من جانبها، أبدت الحكومة الأوكرانية اندهاشها للنتائج المبهرة للعبة القتل المسماة «برايف 1»، إذ لاحظت ارتفاعاً صاروخياً للخسائر البشرية الروسية. لكن من ناحية أخرى، خرجت انتقادات حادّة تجاه مبدأ النظام برمّته لإمعانه في تغييب المشاعر الإنسانية والأخلاقية. حتّى أنّ بعض الأصوات كانت من أوكرانيا نفسها، متسائلة عن مصير منظومة القيم للجنود الأوكرانيين وكيفيّة إعادتهم للمجتمع المدني بعد انتهاء الحرب.
«أمازون للحرب»
في مطلع العام الماضي، بدأت السلطات الأوكرانية تشغيل منصة برايف ماركت، وهي سوق إلكترونية وصفها مراقبون بأنها أشبه بـ «أمازون للحرب». تتيح المنصة للوحدات العسكرية تصفّح المعدات الدفاعية المتوافرة وطلبها باستخدام نقاط تُجمع من العمليات القتالية، وفق ما نقلته شبكة «سي بي سي» الكندية.
ويقوم النظام على مبدأ منح نقاط مقابل كل إصابة ناجحة، لتُستبدل لاحقاً بطائرات مسيّرة ومعدات حرب إلكترونية وأجهزة اتصال وأسلحة. ويحصل المقاتلون على ثماني نقاط عند إصابة جندي روسي، وعلى 12 نقطة في حال قتله. وسبق لصحيفة «الغارديان» البريطانية أن كشفت عن نجاح اللّعبة في تحفيز دموية الجنود الأوكران، إذ وصل عدد الإصابات الروسية في أيلول (سبتمبر) الماضي إلى 18 ألف جندي، كنتيجة مباشرة لزيادة عدد اللاعبين على منصّة «برايف 1».
بالإضافة إلى ذلك، يركّز نظام اللّعب على إيجاد مشغّلي المسيّرات الروسية الذين يُكافئ قتلهم بـ 25 نقطة، فيما يمنح تدمير دبابة 40 نقطة. أمّا الجائزة الكبرى، فيُعطى اللاعب الأوكراني 120 نقطة في حال أسر جندياً روسياً، بما يعكس الحاجة الملحّة إلى زيادة عدد الأسرى من أجل زيادة الضغط المعنوي على موسكو.
وتقول السلطات الأوكرانية إن نحو 400 وحدة للطائرات المسيّرة باتت تشارك في هذا النظام، بعدما كان عددها لا يتجاوز 95 وحدة في آب (أغسطس) الماضي. وتشير الأرقام الرسمية إلى أنّ فرق المسيّرات المشاركة قتلت أو جرحت نحو 18 ألف جندي روسي خلال شهر أيلول وحده، وفق ما أوردته «الغارديان» و«نيويورك بوست».
القتل لعبة
لا يقتصر نظام «برايف 1» على تشجيع الضربات بواسطة المسيّرات، بل يمتد إلى وحدات المدفعية والاستطلاع وحتى فرق الإمداد اللوجستي. فالوحدات الاستطلاعية تحصل على نقاط لقاء تحديد الأهداف، فيما تكافأ فرق الإمداد التي تستخدم مركبات ذاتية القيادة بدلاً من الجنود لنقل المؤن إلى خطوط التماس.
وتصف السلطات الأوكرانية إحدى هذه الآليات باسمUber targeting، في استعارة مستوحاة من تطبيق النقل الشهير، إذ يكفي أن تحدد وحدة استطلاع موقعاً على الخريطة، لتتولى وحدة أخرى تنفيذ الضربة، كما لو أنّها تستجيب لطلب سيارة أجرة.
ويقول قادة ميدانيون أوكرانيون إن النظام خلق منافسة واسعة داخل الجيش. فمشغلو المسيّرات يتنافسون في ما بينهم، والمجموعات تتنافس مع مجموعات أخرى، وحتى القادة الكبار يقارنون نتائجهم على لوحات التصنيف.
من منظور إداري بحت، تبدو الفكرة فعّالة. فرفع التسجيلات المصوّرة يسمح بتجميع كمّ هائل من البيانات حول أنواع الأهداف المصابة، والمناطق الأكثر نشاطاً، والطائرات الأكثر كفاءة، ما يسهّل تطوير التكتيكات العسكرية ونقل الخبرات بين الوحدات.
إلا أنّ هذه الفاعلية التقنية تخفي تحوّلاً أعمق، يتمثل في إدخال منطق السوق والحوافز التنافسية إلى قلب العمليات القتالية، بحيث يصبح العنف مورداً قابلاً للقياس، والقتل وسيلة للحصول على تجهيزات إضافية.
عندما تصبح الحرب أقل واقعية
في المخابئ الأوكرانية القريبة من الجبهة، تُقاد المسيّرات بواسطة أجهزة تحكم معدّلة من «إكس بوكس»، وهي أدوات صممتها شركات الألعاب بعد استثمارات بمئات ملايين الدولارات لجعلها سهلة الاستخدام ومريحة في اليد، بحسب الخبير الأميركي بيتر سينغر الذي نقلت عنه صحيفة «لوموند».
ويأتي المجنّدون الجدد من البيئة الاجتماعية نفسها التي أنتجت ملايين اللاعبين المعتادين على ألعاب التصويب والسباقات الإلكترونية. ولهذا، يتحدث باحثون في العلوم السياسية عن وجود «مركّب عسكري ــ ترفيهي»، نشأ خلال العقود الستة الماضية من التفاعل المستمر بين صناعة الألعاب والمؤسسات العسكرية.
غير أنّ هذا التقاطع بين الترفيه والقتال يثير تساؤلات أخلاقية متزايدة. فالباحث في أخلاقيات الحرب كريستيان إنمارك، من جامعة «ساوثهامبتون» البريطانية، حذّر من أنّ تشابه نظام النقاط مع ألعاب الفيديو قد «يقوّض إحساس الفرد بالجدية الأخلاقية للأفعال القاتلة والمدمرة التي يقوم بها».
ورغم أنّ إنمارك يعتبر «أنّ أوكرانيا تخوض حرب دفاع وطني في مواجهة الغزو الروسي»، فإنّه يشدد على أنّ ذلك لا يلغي الحاجة إلى إخضاع التكنولوجيا الحديثة للمعايير الأخلاقية التقليدية، وفي مقدمتها التمييز بين المقاتلين والمدنيين.
القانون الدولي «لا» يمنع
لا يتضمّن القانون الدولي الإنساني نصاً يحظر بصورة مباشرة أنظمة المكافآت العسكرية أو منح الحوافز على الإنجازات القتالية. لكن اتفاقيات جنيف والقواعد العرفية للحرب تقوم على مبدأ أوسع، هو الحفاظ على الحد الأدنى من الإنسانية حتى أثناء النزاعات المسلحة.
ويُلزم القانون الدولي أطراف النزاع بالتمييز بين المقاتلين والمدنيين، ويمنع المعاملة المهينة والتعرّض للكرامة الإنسانية.
من هذا المنطلق، لا تكمن الإشكالية القانونية الأساسية في وجود نظام نقاط بحد ذاته، بل في احتمال أن يؤدي تصميمه إلى تشجيع سلوكيات تنزع الصفة البشرية عن الخصوم، أو تجعل إزهاق الأرواح يبدو نشاطاً تنافسياً منفصلاً عن نتائجه المادية والنفسية.
من البنتاغون إلى أوكرانيا
لا تُعد محاولة تحويل الحرب إلى لعبة ظاهرة جديدة. خلال الحرب الباردة، طورت مؤسسة «راند» التي تأسست عام 1948 لتقديم المشورة للبنتاغون، سلسلة من المحاكاة الحاسوبية للحرب النووية، كان يشارك فيها مسؤولون أميركيون كبار يؤدّون أدوار قادة الدول الخصوم في سيناريوهات تتناول الضربات النووية المتبادلة وحسابات التدمير المتبادل المؤكد.
وفي ستينيات القرن الماضي، استضاف البنتاغون سلسلة ألعاب سرية عُرفت باسم «سيغما»، هدفت إلى محاكاة تطورات الحرب في فيتنام والتنبؤ بمآلاتها. وتشير الوثائق التي رُفعت عنها السرية لاحقاً إلى أنّ معظم السيناريوهات انتهت إمّا إلى هزيمة القوات الأميركية، أو إلى حالة جمود طويلة الأمد تؤدي إلى احتجاجات داخل الولايات المتحدة، وهي نتائج اقتربت بصورة لافتة مما جرى بالفعل على أرض الواقع.
لكن تلك الألعاب بقيت محصورة داخل غرف التخطيط الاستراتيجي ولم ترتبط مباشرة بعمليات قتل حقيقية.
أما في 2002، فأطلق الجيش الأميركي لعبة America›s Army، وهي لعبة تصويب مجانية صُممت بوصفها أداة تجنيد وتدريب تستهدف الشباب المعتادين على ألعاب الفيديو. ونجحت حينها في استقطاب آلاف المستقطبين، لكنها تعرضت لانتقادات واسعة لأنها قدمت صورة معقمة عن الحرب، وتجاهلت مشاهد الدمار والجثث والآثار النفسية للقتال.
لذلك تختلف «برايف 1» عن التجارب السابقة، لكونها لا تستخدم الألعاب لتدريب الضباط أو استقطاب المجندين، بل تربط مباشرة بين القتل الحقيقي والحوافز المادية، وبين إزهاق الأرواح والحصول على معدات إضافية. وبعد أكثر من عام على بدء تشغيل «اللّعبة» على نطاق واسع، تبدي كييف حماسة متزايدة في استثمار المنصّة لمآلات جديدة. إذ كشفت مواقع عسكرية أخيراً عن بدء استعمال مراكز بيانات «برايف 1» لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي عبر الإفادة من مئات آلاف العمليات العسكرية، في مسعى إلى تطوير أدوات دفاعية ذكيّة ضدّ المسيّرات، مذخّرة بكميّات هائلة من البيانات المستمدّة بشكل مباشر من أرض المعركة.
وسط زحمة الصراعات في شتّى أنحاء الأرض، وغياب التدخّل الفاعل لمجلس الأمن لإيقاف الحروب، لا سيّما الإبادة الأخيرة على قطاع غزة، تواصل أوكرانيا المضي قدماً في تسخير التكنولوجيا لخدمة مسعاها الآني في إيقاع أشدّ الخسائر المادية والبشرية بالقوات الروسية، من دون أي رادع وفي ظلّ مظلّة حماية إعلامية من الغرب. لكن أضرار المنصّة لا تقتصر على التشجيع على العنف المتزايد، فهي تحمل أيضاً جرثومة أخلاقية تنهش من منظومة قيم «اللّاعب» الأوكراني، وتؤدي إلى كسل إدراكي بفداحة الموت الذي اختزلته «برايف 1» بنقاط تُضاف إلى لائحة صدارة لا تنتهي.

