
في «شي عَ mtv»، تدخل الطائفية اللبنانية عالم السيتكوم من باب التنميط والسخرية. البرنامج الذي يجمع مؤثّرين من خلفيات طائفية مختلفة، يضحك من القناة وضيوفها وصورتهم المتبادلة، لكنّه يثير سؤالاً أبعد من الكوميديا: هل تفكّك النكتة الانقسام الطائفي، أم تحوّله إلى واقع مألوف قابل للاستهلاك والتسلية؟
عرضت قناة mtv الإثنين الماضي أولى حلقات «شي عَ mtv» (كلّ إثنين بعد نشرة الأخبار المسائية). هو برنامج كوميدي اجتماعي (فكرة ناصر فقيه وإخراجه)، يضمّ عدداً من مؤثّري مواقع التواصل (وهّاب جعفر، علي فرحات، علي المولى، نعمت عبدالخالق، ميساء عطالله) ويعرض يوميّاتهم (المختلقة) ضمن قالب ساخر على طريقة السيتكوم
الطائفة في عنوان البرنامج
اللعب على الكلام في العنوان متعمّد، أي إنّه مزدوج المعنى، في تذكير ببرامج كوميدية لبنانية سابقة («بس مات الوطن» على سبيل المثال). إذ يحمل في باطنه أيضاً كلمة «شيعة» بما أنّ ثلاثة من المؤثّرين هم من الشيعة (إلى جانب درزية ومسيحية كما يرِد)، يُستخدمون في النكات الموجّهة نحو إبراز التناقض بين نمط عيشهم ونمط عيش الموظّفين في القناة. فالحلقة الأولى كانت عبارة عن توجّه المؤثّرين إلى مبنى القناة لتقديم فكرة برنامجهم، فيما اصطدموا بالعاملين بالقناة من رجال أمن ومقدّمات نشرات الأخبار وموظّفين، كلّ لسبب.
بالطبع لن تستقيم كوميديا من هذا النوع من دون تنميط. هكذا، يركب «شي عَ mtv» قطار البرامج التي ظهرت في الأعوام السابقة مستخدمةً التنميط الطائفي الذي يرتكز على أبطال شيعة، على رأسها برنامج «مرحبا دولة». هنا، تُسجّل نقطة لصالح mtv ونقطة ضدّها. إذ إنّها من جهة سمحت ببثّ تنميط مقابل يطاولها، أي إنّها لم تمانع انتقاد نفسها على شاشتها، وهو أمر جديد عليها ولو أنّها تستخدمه لتلميع صورتها. لكن في المقابل، يرسّخ هذا النوع من التنميط المشكلة الطائفية اللبنانية عبر التطبيع معها بدلاً من محاولة معالجتها جذريّاً.
الطائفية مادّة للتسلية
بمعنى آخر، لا يعالج البرنامج الجديد الطائفية بقدر ما يحولها إلى مادّة للتسلية. لا مشكلة في ذلك لولا إيراد أنّه برنامج اجتماعي إلى جانب كونه كوميديّاً. صحيح أنّه يسخر من الوضع القائم، لكن بطريقة سطحية وليس بهدف الغوص والمعالجة، أي ليس كما كان يفعل زياد الرحباني أو محمّد الماغوط أو حتّى جورج خبّاز وغيرهم. هؤلاء استخدموا التنميط كذلك لكن بطريقة غير فجّة، يتجرّعها المتلقّي بسلاسة.
لا يعالج البرنامج الطائفية بقدر ما يحولها إلى مادّة للتسلية
أمّا «شي عَ mtv»، فترِد فيه نكتة على سبيل المثال حول أنّ طائرة استطلاع إسرائيلية من نوع MK بدأت تحوم فوق مبنى القناة ما إن دخل شبّان شيعة مبناها. من جهة أخرى، هناك نكتة حول أنّ القناة فيها تنوّع طائفي، قبل أن يتبيّن أنّها طوائف مختلفة تتبع الدين المسيحي. في الحالتَين، تظهر الفجاجة الآنفة الذكر، وكذلك عند الحديث المتكرّر عن الدين والطوائف حتّى عندما لا يكون هناك ما يستدعي ذلك، فتأتي بأسلوب مفتعل.
نسخة mtv من «مرحبا دولة»؟
كوميديّاً، هو مجرّد برنامج لتمرير الوقت. أي إنّه ليس مملّاً ويُخرج الضحكة من المُشاهد مرّات عدّة، لكنّه أيضاً ليس من الأفضل، ولا من أفضل ما قدّمه ناصر فقيه حكمًا على ما ظهر حتّى الآن من الحلقة الأولى. كثير من النكات معروفة أو تتكرّر على لسان الناس، غير أنّ نقطة قوّة «شي عَ mtv» معرفته كيفية توظيفها ووضعها بتوقيت وإطار تصبح فيهما فكاهية ومضحكة. في الشكل يبدو وكأنّه نسخة mtv من «مرحبا دولة»، ولو أنّ الحبكة والشخصيّات تختلف.
بشكل عامّ، هو برنامج يستحقّ المتابعة إذا ما شُخّصت عيوبه وغُضّ النظر عنها. قد تقلّ هذه العيوب في الحلقات المقبلة، لكنّه أمر مستبعَد بما أنّها جزء لا يتجزّأ من هوية البرنامج وحتّى عنوانه، وهو ما ظهر في الحلقة الأولى. الأمر الإيجابي هو محاولة mtv تقريب جمهورها من فئة لديها مشكلاتها معها وتحرّض عليها القناة باستمرار، وتصوير هذه الفئة بطريقة فكاهية ربّما يعيد تطبيع فكرة أنّنا في بلد واحد لدى هذا الجمهور.
في كلّ الأحوال، يبدو البرنامج حملة علاقات عامّة لـmtv، تصلح فيها خطاياها عبر تسخيفها والسخرية من نفسها من دون التراجع عنها. لكنّه متصالح مع نفسه، فهو فعلاً كما يصف نفسه بنفسه في عنوانه: «شي»!
* «شي عَ mtv» كلّ إثنين بعد نشرة الأخبار المسائية


