
من مقطع ساخر لعمار دبا إلى حملات تطالب بمحاكمته، تواجه الكوميديا السورية اختباراً جديداً بعد سقوط نظام بشار الأسد. فبين إرث طويل من الصحافة والمسرح الساخرين وازدهار الستاند آب، تكشف المعارك الرقمية حدود الحرية في مجتمع مثقل بالاستقطاب: هل تحتمل سوريا الجديدة نكتة تتجاوز شعارات الثورة وصورها المقدّسة؟
«أرفع راسك فوق، حلوة أول تلات ساعات بس يا شباب» مقطع قصير من عرض سابق للستاند آب كوميديان السوري عمار دبا خرج من المسرح إلى منصات التواصل الاجتماعي، ليتحول إلى مادة لحملة واسعة طالبت بمحاكمته.
في عرض ساخر يقوم على المبالغة وكسر الصور النمطية والسخرية من الذات قبل الآخرين، أعادت حسابات مختلفة تداول مقطع لدبا يسخر فيه من الإفراط في استخدام أغنية «ارفع راسك فوق أنت سوري حر» بعد سقوط نظام بشار الأسد، معتبراً أن تكرارها أفقدها معناها، وأن كثيرين يخلطون بين الحرية وشعاراتها.
ورغم أن دبا يحمل الجنسية الهولندية ويقيم في هولندا، فإن الدعوات إلى ملاحقته قضائياً تصاعدت داخل سوريا، باعتبار أن ما قاله يمثل إساءة إلى السوريين.
لم تكن القضية مرتبطة بأغنية بقدر ما كانت اختباراً لحدود السخرية في سوريا الجديدة؛ فهل يستطيع الستاند آب كوميدي أن يعيش في فضاء أكثر حرية سياسياً، لكنه أكثر حساسية واستقطاباً اجتماعياً؟
من مسرح «الشوك» إلى مسرح «استيريا»
ليست الكوميديا فناً طارئاً على السوريين، لكنها تغيرت كثيراً عبر العقود. حاولت التكيف ضمن شكل يقبله المجتمع السوري بهويته المحافظة. تعرف الجمهور السوري إلى المسرح السياسي والاجتماعي بعد هزيمة الـ 1967 مع مسرح «الشوك» التي نجحت في تحويل المسرح إلى مساحة للنقد والسخرية من تفاصيل الحياة اليومية والبيروقراطية، قبل أن تصبح الكوميديا التلفزيونية جزءاً أساسياً من الثقافة الشعبية.
وقبل ذلك، امتلكت سوريا واحداً من أقدم تقاليد الصحافة الساخرة في المنطقة، منذ «حط بالخرج» (1909) التي امتازت بنقدها للأوضاع الاجتماعية والسياسية بالعامية الشامية لصاحبها سامي فخري البارودي، ثم «المضحك المبكي» (1929) التي تعتبر أشهر مجلة أسبوعية سياسية هزلية كاريكاتورية في الشرق الأوسط لصاحبها حبيب كحالة الذي كتب عن أسباب إصداره لمجلته الساخرة، فقال «لأن الهزل يزيل الهم. ويشرح الصدر. ويسهل الهضم»... وصولاً إلى تجربة «الدومري» لصاحبها رسام الكاريكاتور السوري علي فرزات، التي سمح بها بشار الأسد خلال بداية حكمه بدعوى فسح هامش للصحافة الأهلية، لكنه لم يستطع تحملها فأغلقها. ظلّت السخرية وسيلة لمساءلة السلطة والواقع، وإن كانت دائماً تدفع ثمن جرأتها بالإغلاق أو التضييق.
ومع إحكام القبضة الأمنية خلال العقود الأخيرة من حكم الأسد، تراجعت أشكال السخرية السياسية المباشرة، بينما ازدهرت الكوميديا التلفزيونية بوصفها المساحة الأكثر قبولاً لدى السلطة، ضمن هامش نقد محسوب لا يمس بنية النظام. وبرزت أعمال صنعت ذاكرة جماعية للسوريين، مثل «مرايا» لياسر العظمة، وأعمال الكاتب ممدوح حمادة والمخرج هشام شربتجي، إضافة إلى «بقعة ضوء» الذي تحول إلى أحد أهم الأعمال الساخرة العربية وإن كانت بطابع اجتماعي أكثر من كونه سياسياً.
بعد عام 2011، انتقلت السخرية إلى الفضاء الرقمي. ظهرت منصات وصحف ساخرة، إلى جانب عشرات صناع المحتوى وبرامج يوتيوب والبودكاست، الذين وجدوا في الإنترنت مساحة أكثر اتساعاً لتناول الشأن السوري في قالب ساخر. وتمكّنت مجموعة من الشباب من تأسيس فريق للستاند آب كوميدي باسم «استيريا» تعرض لكثير من الجدال حول المحتوى الذي يقدمه قبل أن يفتح سقوط النظام الباب أمام تقبل السوريين لجزء من هذه الكوميديا.
ولادة ضحك جديد
إذا كانت الصحافة الساخرة توصف أحياناً بأنها المرحلة الأكثر تطوراً في العمل الصحافي، فإن الستاند آب كوميدي أحد أحدث أشكال التعبير المسرحي في العالم العربي، وفي سوريا على وجه الخصوص. بعد سقوط نظام الأسد، شهدت البلاد نشاطاً ملحوظاً في هذا الفن، مستفيداً من مناخ أكثر انفتاحاً على حرية التعبير، حيث امتلأت المسارح بعروض سورية وعربية، واستقبلت دمشق ومدن أخرى عدداً من أشهر مؤدي الستاند آب كوميدي من لبنان ومصر، وسط إقبال كبير من الجمهور الشاب.
انصبّت العروض على السخرية من النظام السابق، وهو ما جعلها تتقاطع مع المزاج العام من دون أن تثير اعتراضات
في تلك المرحلة، انصبّ معظم العروض على السخرية من النظام السابق ومخلفاته السياسية والاجتماعية، وهو ما جعلها تتقاطع مع المزاج العام والمرحلة الراهنة، من دون أن تثير اعتراضات تذكر، بل تحولت إلى أحد رموز الانفتاح الثقافي الذي رافق المرحلة الانتقالية. لكن هذا المناخ لم يستمر طويلاً. وهذا ما يفسر استقبال كوميديين عرب داخل سوريا، وتركيز عروض السوريين خارجها.
«لهون وبس»!
رغم متابعة السوريين لعروض عربية لبنانية وكوميدية والتفاعل معها سواء كانت ستاند آب كوميدي أو برامج ساخرة مثل «لهون وبس» لهشام حداد، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لتقبل السوريين للكوميديا داخل حدودهم. مع ارتفاع منسوب الاستقطاب السياسي والطائفي، بدأت حملات تستهدف منصات ساخرة وصناع محتوى، كان أبرزها ملاحقة صانع المحتوى حسان العقاد على خلفية محتوى ساخر، والحملات التي طالت موقع «شارع الساخر»، قبل أن تصل إلى عرض عمار دبا.
تكشف هذه الحالات عن مفارقة لافتة: بينما اتسع هامش حرية التعبير مقارنة بسنوات حكم الأسد، تصاعد في المقابل خطاب التحريض والتنميط الطائفي على منصات التواصل الاجتماعي، وأصبح التفريق بين السخرية السياسية وخطاب الكراهية أكثر تعقيداً.
ويشير منتقدون إلى أن الستاند آب كوميدي يعتمد بطبيعته على أدوات قد تبدو صادمة، مثل السخرية من البيئة التي ينتمي إليها المؤدي نفسه، أو استخدام لغة حادة وأحياناً ألفاظ نابية، وهي عناصر أساسية في مدارس هذا الفن عالمياً، لكنها تصطدم بذائقة اجتماعية محافظة ما تزال تنظر إلى هذه الأساليب باعتبارها إساءة لا جزءاً من البناء الكوميدي.
الكوميديا داخل المسرح... لا خارجه
ورغم الازدهار الملحوظ لعروض الستاند آب كوميدي بعد سقوط النظام، فإنّ هذا الفن لا يزال يعيش داخل المسارح أكثر مما يعيش على الإنترنت. فالستاند آب يعتمد على عقد غير مكتوب بين المؤدي والجمهور؛ إذ يدخل المشاهد القاعة وهو يدرك مسبقاً أنه سيستمع إلى مادة ساخرة قد تكون جارحة أو مستفزة أو قائمة على تفكيك الصور النمطية، بينما يفقد العرض هذا السياق عندما تتحول دقيقة واحدة منه إلى مقطع متداول على منصات التواصل الاجتماعي، يشاهده جمهور لم يختر حضور العرض أصلاً.
ولهذا، ورغم انتشار المقاطع القصيرة وتحقيقها ملايين المشاهدات، تبقى التجربة الكاملة محصورة داخل القاعات التي تستقبل جمهوراً مستعداً لهذا النوع من الكوميديا، وهو ما يفسر أيضاً استمرار الجدل حول هذا الفن في مجتمع لا يزال يتعرف إليه، ويتعامل بحذر مع أدواته المختلفة عن الكوميديا التلفزيونية التقليدية.
ربما لا تختصر قضية عمار دبا خلافاً حول أغنية أو نكتة، بقدر ما تكشف سؤالاً أعمق يتعلق بمدى استعداد سوريا الجديدة للكوميديا والسخرية المباشرة أو غير المباشرة. فالبلاد التي خرجت من عقود طويلة من الرقابة الرسمية، تجد نفسها اليوم أمام اختبار مختلف: كيف يمكن حماية حرية السخرية في وقت يرتفع فيه منسوب الاستقطاب والتحريض المجتمعي؟

