ألبوم لجيل ما بعد الثورات المجهضة | «كايروكي»: مرثية للأحلام الكبيرة

في «سوبرنوفا»، تنقل «كايروكي» الهزيمة من الشارع إلى الداخل. بعد سنوات ارتبطت فيها الفرقة بالحلم والتغيير والثورة، تأتي في ألبومها الجديد «سوبرنوفا» لتروي ما تفعله المأساة الطويلة بالإنسان، من تعب، ولامبالاة، وحنين، ووحدة، وخوف من المستقبل، ومحاولة التمسّك بما تبقّى من الأمل. تتحدث الفرقة باسم جيل عاش صدمات متتالية، من القمع والرجعية إلى الاستهلاك والحروب والإبادة، وتعلّم كيف يتعايش مع هزيمته بعدما فقد إيمانه بالأحلام الكبيرة
النجمة التي تجسّدت في أمير عيد قبل أربع سنوات، أعلن وفاتها، وانفجرت لتتوزّع طاقتها على العالم. في ألبوم كايروكي الجديد «سوبرنوفا»، قدّمت الفرقة جمالاً نابعاً من ألم الواقع ومأساته. الألبوم الأخير هو نتاج تطوّر تجربتها الفنية، وانعكاس لتجارب أعضائها الشخصية واليومية، في بقعة عايشت كل مآسي العالم ولم تجد فيها بصيص أمل، في عالم تحكمه ثلّة من القتلة والجشعين.
يسرد الألبوم، الذي كتب عيد معظم أغانيه، ما تفعله المأساة الطويلة بالإنسان. يبدو أن الفرقة فقدت شغفها بالتغيير السياسي والأحلام الكبيرة، وأصبحت تفسّر الهزيمة في إطار شخصي، في الوحدة، والآلام الخاصة، والانكسار الفردي، وحتى النهوض الفردي. فصدمة فشل تجربة عامة ومشتركة لا يمكن أن تُشفى داخل جماعة لا تلتقي على الاعتراف بالخسارة والبحث معاً عن بدائل. وعندما يغيب هذا اللقاء، يعود كل فرد إلى فرديته، حاملاً هزيمته وحده.
يحمل الألبوم غضباً من غرق الناس بالتفاهة وسخرية من العالم. نزل إلى ما بعد الصدمة، إلى الاستسلام، والتعب واللامبالاة والحنين إلى لحظة وقف عندها جيل كامل، عند صدمة لم يتخطَّها. جيل عايش صدمات بدأت بأنظمة قمعية، وقوالب مجتمعية رجعية، وتفشي منطق الاستهلاك، ومحاولة الغوص بالأبعاد النفسية لكل ذكرى. تحدثت الفرقة باسم جيل هزم، وفُرض عليه التأقلم والتعلم كيف يتعايش مع هزيمته.
من الثورة إلى ما بعد الصدمة
تتوجّه فرقة الروك المصرية في الألبوم إلى جيل عاش خيباته واستسلم لها، إلى عالم شاهد إبادة ومرّ فوقها. عالم تشبه قباحته قباحة «سيارة تيسلا ودونالد ترامب ». ويأتي الألبوم استكمالاً لنهج الفرقة الذي اعتمدته منذ انطلاقتها عام 2003، واكتسبت من خلاله شهرتها خلال ثورة 25 يناير عام 2011 في مصر.
الشباب الذين خرجوا من أحياء فقيرة وشعبية في مصر، لم يتحوّلوا بعد الشهرة والنجاح إلى النموذج العام للفنانين المغمورين. حافظوا على حقيقتهم، ولم تتحوّل همومهم إلى هموم طبقة اجتماعية جديدة. يركّزون على عبث الحياة، وتفاهة الكماليات ومغريات العيش. هم، كما جيل كامل من المصريين وشباب العرب، حلموا بالتغيير والثورة في الربيع العربي، وصُدموا بهزيمة تلو الأخرى، وصولاً إلى الإبادة.
منذ صدوره، نال الألبوم إعجاب العالم وسخطه، عكس الإجماع الذي حصده ألبوم «روما». هو ألبوم جيل ما بعد الثورات، الذي نقل خيبته من العالم إلى داخله. حتى الحب فشل فيه. كل الظروف المادية تدعو إلى الخيبة، لكن ليس إلى الاستسلام، وإلى الأمل بهدف الاستمرار أكثر من النجاة. وقد منح هذا التناقض الألبوم شيئاً من قوته، فالتشاؤم فيه كثيف، لكنه ليس عدميّاً. الشخصيات منهكة، البطولة عبء، والذكريات تفقد قيمتها، والوحدة تلتهم صاحبها، ورغم ذلك هناك دائماً رغبة صغيرة في الإمساك بشيء ما.
تفكيك الهزيمة الشخصية
صدر ألبوم «سوبرنوفا» في 3 آب (أغسطس) الحالي، ويتألّف من عشر أغنيات، بعد أربع سنوات على صدور ألبومهم الأخير «روما». وترافق إطلاقه مع أغنيات «نسينا»، و«ما تيجي»، و«أنا فاضل»، و«تاتا تاتا»، و«حاسب حاسب»، و«مت ليه»، و«ألف مراية»، و«وحدي»، و«أنا بكبر»، و«في الختام».
في أغنية «نسينا»، تقول الفرقة ما حصل لجيل كامل في نوستالجيا إلى مكان وزمن كان الألم فيهما أخف والأمل أكبر. هو تعلّق بماضٍ لن يعود، وحاضر لا يبشّر بمستقبل أفضل. الماضي حاضر بقوة في الألبوم، في أسلوب عاطفي، كما يظهر في أغنية «نسينا» التي توصف ما حصل لجيل كامل: «سنين قسيت علينا، نسينا ولا اتنسينا».
يسرد ألالبوم ما تفعله المأساة الطويلة بالإنسان
وفي «ما تيجي»، ينفر المغني الرئيسي للفرقة وكاتب الأغنية أمير عيد من الناس والعلاقات السطحية والمجاملات، ويبحث عن علاقة واحدة وحبّ واحد حقيقي. يعترف بفشله في أداء دور البطولة، ويستسلم للجوكر، للمتوسط والساخر، في اعتراف بضعفنا وهامشيتنا، ورفض للصورة المثالية الرائجة اليوم عن كون كل شخص بطلاً في قصته. يرفض عيد دور البطولة والريادة، ويقبل بالأقل، الهادئ والبسيط، بعيداً من كل هذا الضجيج. كما يعترف بما يعانيه كثيرون: «العذاب والاكتئاب والبانيك أتاك»، حتى اعتاد عليه، فالأغنية هي اعتراف صادق بالعجز.
في «أنا فاضل»، من كتابة مصطفى إبراهيم، تدور الكلمات حول الذكريات الأولى التي تفقد قيمتها مع الوقت، ومحاولة الإنسان فهم ما تبقّى منها بعد انتهاء العلاقات وتراكم التجارب. هنا تصبح هذه الذكريات رمزاً لمرحلة كاملة من الحياة، من أول قبلة، إلى أول يد يمسكها، وأول هدية، وأول توصيل للبيت، وحتى أول مرة دخل فيها السينما مع فتاة. أشياء كانت استثنائية في لحظتها، ثم تحوّلت مع التكرار إلى أشياء عادية. لكنه يكتشف أنه في النهاية لم يبقَ في «جيبه» سوى عدد قليل من هذه الـ«أوائل»، ولا يعرف ما إذا كان سيحتفظ بها أم «يبيعها ببلاش»، أم ستتحوّل إلى ذكريات مستهلكة. يضيف دخول الطبيب والحديث عن الدواء طبقة من التعب النفسي ومحاولة العلاج والنسيان، خصوصاً مع اعترافه بأنه تحدّث لساعتين ثم لم يعد يتذكّر نصف الكلام. وفي النهاية، تبدو السيجارة التي بقيت في العلبة ولم يشربها صورة صغيرة عن كل ما تبقّى لديه. شيء كان يمكن أن يستهلكه، لكنه قرّر أن يحتفظ به حتى يصل إلى البيت.
ما الذي يبقى بعد أن تنطفئ النجمة؟
الحضور السياسي الأبرز ظهر في أغنية «تاتا تاتا»، التي تحمل الكثير من الملل والنفور من عالم اليوم. هي محاولة للهرب من الواقع إلى عالم الخيال، ومن «دنيا رزلة شكلها أغلى شبه التسلا شبه ترامب فاست فود جانك منفوخ بس ملوش لزمة» ومن ناس تلهس ورا المال و«دماغهم متأخرة».
وفي «وحدي»، التي كتبها محمد شافعي، تظهر الوحدة التي تأكل الفرد، في خضم الألم والخذلان وضغوط الحياة. هنا تصبح البطولة الفردية كامنة في هذه الوحدة. وفي «الختام»، يغوص عيد في معنى الفقد والرحيل، وتحوّل الإنسان بعد أن تتركه الأشياء والأشخاص الذين أحبهم. تتعامل البداية مع مغادرة الأماكن والسنوات والذكريات كأنها مغادرة لأجزاء من الذات، ثم يتحوّل الصمت إلى مساحة لاسترجاع الأسئلة والوداعات الأولى، المدرسة، الفراق الأول، والألم العاطفي الأول. ومع العودة إلى الشوارع نفسها والأغنية نفسها، يكتشف عيد أن المكان لم يتغيّر بقدر ما هو الذي تغيّر، حتى ظلّه يبدو كأنه يذكّره بأنه لم يعد الشخص نفسه.
تعزز الاغنية السؤال حول الهوية، فبعد كل هذا الذي حصل، ماذا يبقى منا عندما نتغير. سيصبح الإنسان غريباً في الأماكن نفسها، والناس أنفسهم، وبهذا المعنى، تبدو «سوبرنوفا» أقل اهتماماً بفكرة الانفجار نفسها وأكثر اهتماماً بما يأتي بعدها، حين تتناثر الأشياء في كل اتجاه، وحين يضطر الإنسان إلى أن يعيش وسط الحطام، ويقرر بنفسه أيّ أجزاء منه يريد أن يجمع.
في مقابلة سابقة له، رفض أمير عيد اعتبار الجمهور له قدوة، مؤكداً أن أي شخص في حياته الطبيعية يمكن أن يكون قدوة، وليس بالضرورة أن يكون فناناً أو شخصية مشهورة. كما رفض الصورة التي تُسقط عليه لمجرد أنه أصبح مشهوراً. فالفرقة تأسسّت لأنّ مجموعة من الشباب أحبّوا الموسيقى وكان لديهم ما يريدون قوله، وما قالوه في ألبومهم الأخير ليس سوى ما شعروا به هم أنفسهم. وفي قلب هذا السواد، تبقى دائماً خيارات، إما الاستسلام، أو البحث عن بديل، أو التشبّث بشيء من الأمل.

