لبنان في العقيدة الإسرائيلية: حلقة وصل مركزية لا جبهة حدودية
تكشف القراءة المتأنّية للعقيدة العسكرية الإسرائيلية أن لبنان ليس مجرد جبهة حدودية، بل حلقة وصل مركزية في استراتيجية «ضرب رأس الأخطبوط»


خلافاً للانقسام السائد في لبنان، ومسارعة بعض الأطراف إلى تحميل حزب الله سلفاً مسؤولية أي عدوان إسرائيلي، تميل السردية الإسرائيلية إلى مقاربة الساحة اللبنانية بوصفها جزءاً من المواجهة الأوسع مع إيران.
وركّزت المؤسستان العسكرية والإعلامية في إسرائيل في القترة الماضية على ضرورة تهيئة الرأي العام لاحتمال العودة إلى خيار الحرب في أي لحظة، فيما قرر الكابينت في جلسته التي سبقت التصعيد مساء الأحد الماضي، توجيه ضربة استباقية ضد حزب الله في لبنان، إلا أن الحزب «بادر بإطلاق النار فجراً، ما حوّل الخطة إلى سلسلة ردود إسرائيلية مكثفة داخل لبنان» بحسب القناة 12 العبرية.
وبغض النظر عن السجال اللبناني الذي يبقى في جوهره تعبيراً عن اصطفافات سياسية مرتبطة بمحاور إقليمية أوسع، فإن حصر المسؤولية بطرف لبناني واحد يتجاهل الاستراتيجية الإسرائيلية الأشمل، التي تنظر إلى لبنان كساحة ضمن مشروع إقليمي يتجاوز منطق «ردّ الفعل»، ويرتكز إلى أربعة أسس تبلورت خلال العامين الماضيين:
- ضرب «رأس الأخطبوط»: ترى إسرائيل نفسها في مواجهة محور تقوده إيران، لا مجرد نزاعات حدودية، وتتبنّى عقيدة استهداف طهران مباشرة. وبذلك تُعدّ الجبهة اللبنانية جزءاً من هذه المعركة.
- الهجوم الاستباقي: منذ 7 تشرين الأول 2023 انتقلت إسرائيل من «الاحتواء» إلى «الهجوم الاستباقي»، مانحة نفسها غطاءً ذاتياً لشن عدوان شامل على لبنان متى رأت ذلك مناسباً، بذريعة «إزالة تهديدات مُحتملة».
- حرية العمل المطلقة: خلال جولات التفاوض والمبادرات الدبلوماسية التي حملها موفدون عرب وأجانب، ومنها مساعي الموفد الأميركي والمداولات ضمن لجنة «الميكانيزم»، برز تمسّك إسرائيل بشرط الاحتفاظ بحق التدخل العسكري وشن غارات داخل الأراضي اللبنانية متى تشاء، بما يؤسّس عملياً لمعادلة صراع مفتوحة، تجعل احتمالات الحرب قائمة بصورة دائمة.
- «الشرق الأوسط الجديد»: يتحدث الخطاب الإسرائيلي عن إعادة تشكيل المنطقة بالقوة العسكرية، ويضع لبنان في صلب هذا المشروع الاستراتيجي بما يتجاوز منطق الرد على حزب الله.
تكشف القراءة المتأنّية للعقيدة العسكرية الإسرائيلية، ربطاً بهذه الأسس الأربعة، أن لبنان لم يعد مجرد جبهة حدودية، بل حلقة وصل مركزية في استراتيجية «ضرب رأس الأخطبوط».
تبدو قرارات الحكومة امتداداً لمقاربتَي وانشطن تل أبيب حيال الجيش اللبناني وتمهّد الطريق لهما لمزيد من الوصفات الجاهزة المتعلقة بدوره
وعليه، تُبدّل إسرائيل بين «الغموض الاستراتيجي» و«الوضوح الصارم» وفق مصلحتها العسكرية. فتارةً تفصل الساحات للاستفراد بكل جبهة، وطوراً تربطها لتبرير ضربات استباقية، ما يدلّ على أن قرار التصعيد قرار إسرائيلي خالص لا يرتبط بتطورات الداخل اللبناني. وكان رئيس الأركان السابق هرتسي هليفي، ومعه كبار قادة جيش الاحتلال قد ركزوا على مفهوم «نقل مركز الثقل»، بمعنى أن العدو هو من يحدّد توقيت نقل الثقل العسكري من الجنوب (غزة) إلى الشمال (لبنان)، ما ينفي فرض الحرب عليها.
أين الجيش اللبناني؟
في قلب هذه التجاذبات، يبرز الجيش اللبناني بوصفه «العقدة والحل» معاً، خصوصاً بعد حقل الألغام الجديد الذي وجد نفسه في وسطه إثر قرار حكومة سلام حظر أنشطة حزب الله العسكرية والأمنية باعتبارها خارجة عن القانون، والطلب من الأجهزة العسكرية والأمنية اتخاذ إجراءات فورية لمنع إطلاق صواريخ أو طائرات مسيّرة من الأراضي اللبنانية وتوقيف المخالفين.
هذه القرارات تمنح إسرائيل ذريعة مثالية لزيادة الضغط العسكري والسياسي على الجيش اللبناني عبر إسقاط صفة الحياد عنه، وبالتالي تحميله المسؤولية المباشرة عن الفشل في القضاء على حزب الله، وهي المهمة التي فشلت إسرائيل في تحقيقها عبر كل حروبها ضد الحزب.
كما أنه أصبح باستطاعة إسرائيل رفع سقف مطالبها، وفرض جداول زمنية تعجيزية من خلال مطالبة الجيش اللبناني بتفكيك البنية العسكرية لحزب الله فوراً وفي كافة الأراضي اللبنانية (وليس فقط جنوب نهر الليطاني).
وبما أن تركيبة الجيش اللبناني وتوازناته الداخلية لا تسمح له بالاصطدام المفتوح والشامل مع الحزب، فإن أي تأخير سيُفسر إسرائيلياً بأنه «غطاء لبناني رسمي»، مما يبرر لها مواصلة وضرباتها توسيعها. وهذا يفتح الباب أمام إسرائيل أيضاً لاستهداف البنية التحتية للدولة كذريعة لـ«تقصير الحكومة اللبنانية في الالتزام بتعهداتها»، مبررة ذلك أمام المجتمع الدولي نفسه الذي تعتمد عليه الحكومة، بأن «الدولة اللبنانية أعلنت سيادتها نظرياً لكنها فشلت عملياً، لذلك نتدخل للقيام بالمهمة نيابة عنها».
تبدو قرارات حكومة سلام امتداداً لمقاربتَي وانشطن تل أبيب حيال الجيش اللبناني، وممهدّة الطريق لهما للمزيد من الوصفات الجاهزة المتعلقة بدوره في المرحلة الراهنة وما بعدها. ففي الأساس، كانت إسرائيل تنظر إلى الجيش اللبناني ليس بوصفه مؤسسة وطنية، بل كـ«ورقة تفاوض» أساسية وساحة اختبار للنوايا.
وتضع أمامه شروطاً تعجيزية لتبرير حرية عملها العسكري، واتهمته بـ«التواطؤ والتنسيق» مع حزب الله وزعمت أنه غير قادر أو غير راغب في تفكيك البنية العسكرية للمقاومة جنوب نهر الليطاني. في حين تنظر واشنطن إلى الجيش كأداة لفرض واقع أمني يرضي إسرائيل، مستفيدةً من الدعم المالي والعسكري للضغط من أجل تعديل عقيدته ومنحه صلاحيات هجومية في التفتيش والمداهمة، متجاوزاً دوره التقليدي.
