
لم يرُقْ لوزير العدل الكتائبي عادل نصّار قرار المحكمة العسكرية إخلاء سبيل ثلاثة شبان ضُبطت بحوزتهم أسلحة غير مُرخّصة، بعد أسبوع على توقيفهم. ورغم أنه لم يسبق للمحكمة العسكرية أن أبقت أحداً موقوفاً أكثر من ثلاثة أيام بهذه التهمة، إلا أن نصّار، الذي يعلن حرصه على استقلالية القضاء ويُسوّق للرأي العام مواقف شعبوية عن انكبابه وفريقه على إعداد مشروع قانون لاستقلالية السلطة القضائية، يريد عملياً من القضاء أن يصدر أحكامه بما ينسجم مع قرارات سياسية اتخذتها السلطة التنفيذية، ولا سيما تلك المتعلقة بـ«حظر نشاط حزب الله العسكري والأمني». وبحسب معطيات «الأخبار»، فإن الأمر لا يقتصر على موقف نصّار، إذ تشير المعلومات إلى وجود «ضغوط سياسية وتوجيهات لتحديد مدة توقيف من يحوز أسلحة غير مُرخّصة، تبعاً لمعايير طائفية».
وكان الجيش اللبناني أوقف الثلاثاء الماضي ثلاثة شبان على أحد حواجزه أثناء توجّههم من البقاع إلى الجنوب، بعدما ضُبطت بحوزتهم أسلحة حربية من دون ترخيص، شملت خمسة رشاشات متوسطة (PKC)، وأربعة رشاشات خفيفة من نوع كلاشينكوف، إضافة إلى قنابل يدوية ونحو ثلاثة آلاف طلقة. وعلى الأثر، ادّعى مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية عليهم بجرم جنحتي المادتين 72 و76 من قانون الأسلحة والذخائر، اللتين تعاقبان كل من ينقل أسلحة وذخائر من دون ترخيص بالسجن من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وبالغرامة، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
وأُحيل الموقوفون إلى المحكمة العسكرية التي عقدت جلستها الأولى يوم الجمعة في 6 آذار. وخلال استجوابهم، أقرّوا بانتمائهم إلى حزب الله، وبأنهم كانوا متوجّهين إلى الجنوب للمشاركة في القتال ضد العدو الإسرائيلي. وفيما كان يُفترض أن تصدر المحكمة حكمها في الجلسة نفسها، إلا أن تبايناً في الآراء بين هيئة المحكمة حال دون ذلك.
فبينما مال رئيس المحكمة العسكرية العميد وسيم فياض إلى إخلاء سبيلهم، اعترض المستشاران في الهيئة (قاضي عجلة وضابط في الجيش)، ما أدّى إلى تأجيل الجلسة إلى يوم أمس، والتي عُقدت برئاسة العميد فياض، وبحضور معاون مفوّض الحكومة زياد الشعراني. ومثل الموقوفون الثلاثة إلى جانب وكيلتهم المحامية عليا شلحة. وفي ختام الجلسة، قرّرت المحكمة إخلاء سبيلهم بعد أسبوع من توقيفهم (من الثلاثاء 3 آذار إلى الإثنين 9 آذار)، مع مصادرة الأسلحة المضبوطة وفرض غرامة مالية قدرها 900 ألف ليرة على كلّ منهم.
وطلبت شلحة في مرافعتها إبطال التعقّبات بحق موكّليها، معتبرة أن حق تقرير المصير حق أساسي يسمو على الدستور، وأن حق الدفاع عن النفس تكفله المعاهدات الدولية، ولا سيما الاتفاقية الرقم 57 الموقّعة عام 1999 التي لا تُصنّف الكفاح المسلح ضد الاحتلال جريمة. إلا أن هيئة المحكمة رفضت طلبها.
ضغوط سياسية وتوجيهات لتحديد مدة توقيف من يحوز أسلحة غير مُرخّصة، تبعاً لمعايير طائفية
وتجدر الإشارة إلى أنه قبل صدور القرارات الحكومية الأخيرة بحظر الأنشطة العسكرية لحزب الله، كانت المحكمة العسكرية تتعاطى مع قضايا حيازة الأسلحة الحربية غير المُرخّصة وفق آليتين. ففي حال كان السلاح فردياً (مسدس) والشخص يحوز قطعة واحدة، يُصار إلى مصادرة السلاح وتوقيف صاحبه يومين أو ثلاثة أيام كحد أقصى، قبل إخلاء سبيله مقابل غرامة مالية. أمّا في حال حيازة أكثر من قطعة سلاح، فيُوقَف الشخص أيضاً لمدة ثلاثة أيام، ثم يُحال إلى المحكمة العسكرية التي قد تحكم عليه بالحبس لمدة شهر أو بفرض غرامة مالية أعلى من تلك المفروضة على من يحوز قطعة واحدة، لكنها لم تكن تتجاوز عشرة ملايين ليرة، أي ما يعادل نحو 112 دولاراً.
وتؤكّد مصادر قضائية أنه رغم أن المادتين 72 و76 تنصان على الحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات كحدّ أقصى، إلا أنه لم يُسجّل عملياً توقيف أي شخص لأكثر من ثلاثة أيام، ولم يصدر حكم بالحبس لأكثر من شهر، وغالباً ما يكون مع وقف التنفيذ مقابل دفع غرامة مالية.
وفي هذا السياق، تشير معلومات مؤكّدة إلى أن الجيش اللبناني أوقف قبل أيام عند حاجز المدفون مواطناً لبنانياً كان بحوزته مسدس غير مُرخّص، قبل أن يُخلى سبيله بعد ثلاثة أيام من التوقيف، مع مصادرة السلاح وفرض غرامة مالية بسيطة، ما يثير تساؤلات حول أسباب الدعوة إلى تشديد العقوبة في حالات معينة دون غيرها، وما إذا كان ذلك يعكس ازدواجية في التعاطي القضائي.
يأتي استنفار وزير الكتائب الذي دعا إلى مؤتمرٍ للسلام مع العدو الإسرائيلي قبل أيامٍ فيما الجنوبيون ينزفون منذ 15 شهراً، في سياق متوقّع لوزير وجد فرصته وسط أجواء الانتقام والاستقواء السائدة في البلد. وقد دفعته حماسته - أو حقده لا فرق - إلى تجاوز الأصول والقوانين.
فقد أكّد «نادي القضاة» أن إحالة القاضي عباس جحا، المستشار لدى المحكمة العسكرية الدائمة، إلى التفتيش القضائي من قبل نصّار على خلفية صدور حكم عن هذه المحكمة، «تشكّل فضيحة مدوّية ومساساً بهيبة القضاء واعتداءً صارخاً على استقلاليته»، معتبراً أن ذلك يعكس «الذهنية السائدة والمستمرة في تجاهل هذه الاستقلالية». ولفت النادي الى أن نصّار، «أياً تكن أفكاره السياسية أو انتماءاته الحزبية، لا يملك أن يوجّه إلى القضاء تعليمات، سواء لجهة الأشخاص الواجبة ملاحقتهم، أو توصيف الأفعال المرتكبة وما إذا كانت تشكّل جرائم أم لا»، كما لا يحق له التدخّل في قناعة القاضي عند إصدار حكمه.
ولفت أيضاً إلى أن صلاحية الوزير في إحالة قاضٍ إلى التفتيش يُفترض أن تبقى سرّية وفق الأصول المُعتمدة في الملاحقات أمام هيئة التفتيش القضائي، منعاً للتشهير بالقاضي المعنيّ. وختم «نادي القضاة» بمناشدة هيئة التفتيش القضائي اتخاذ «القرار الجريء والعادل والملائم» لمنع نصّار من التعدّي على استقلالية القضاء، وإبعاد السلطة القضائية عن التجاذبات السياسية.
ويحفل تاريخ لبنان بالأحكام المخفّفة لعملاء ثبت أنهم أعطوا العدو الإسرائيلي معلومات حساسة وخطيرة استُخدمت في قتل اللبنانيين، مثل العميل محي الدين حسنة الذي اعترف بعمالته وحُكم عليه 15 سنة خُفّفت إلى 22 شهراً بعد ضغوطات سياسية، ومثله فايز كرم الذي حُكم بالسجن سنتين فقط، وليال رمضان التي حُكم عليها بسنة واحدة واللائحة تطول، دون أن يُحال القضاة المعنيون بتلك الملفات إلى التفتيش. وراهناً، مع وجود وزير يؤيّد السلام والتطبيع كعادل نصّار، الحريص على عدم ملاحقة الناشطين الذين يتواصلون مع العدو، سيكون الجسم القضائي أمام تحدّيات تطويعه وترهيبه ليطبّع مع فكرة العداء لكل من يعادي إسرائيل.

