
المفاجأة في السردية الإسرائيلية في هذه الجولة من الحرب لم تكن في احتمال انخراط حزب الله في الاشتباك، إذ إن ذلك كان متوقّعاً، بل في سرعة هذا الاشتباك ووتيرته ضمن حرب أوسع مع إيران، ما أدّى إلى نشوء فجوة زمنية بين التقدير الاستخباري - السياسي من جهة، والجاهزية العسكرية والمجتمعية. بمعنى أن عنصر المفاجأة تمثّل في «التوقيت والكثافة وحدود التوسّع» أكثر مما تمثّل في «النوايا» نفسها، وهو توصيف أوردته صحيفة «هآرتس» في الأيام الأولى للحرب.
وعندما يُسأل الإسرائيليون عمّا إذا كان حزب الله قد فاجأ إسرائيل، يميّزون عادة بين المفاجأة الاستخبارية والمفاجأة الاستراتيجية. غير أن التركيز اليوم ينصبّ على ما يُسمّى «المفاجأة العملياتية»، أي ما يتصل بالتوقيت والأسلوب وكثافة النيران، إضافة إلى طبيعة الأهداف التي طاولت الجبهة الداخلية والمنشآت الحيوية.
في الشقّ السياسي، برزت حرب تسريبات بين فريق رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، والجيش والمؤسسة الأمنية في إسرائيل، إذ سرّب مكتب رئيس الحكومة إلى الإعلام أن المستوى العسكري لم يقدّم إحاطة دقيقة حول واقع حزب الله، وكان يُفترض به أن يشير بوضوح إلى وجود استعداد جدّي لدى الحزب. في المقابل، ردّت المؤسسة العسكرية والأمنية بتسريبات مضادّة، شدّدت فيها على أن قادة الجيش وأجهزة الاستخبارات أبلغوا المستوى السياسي مراراً بأن «عملية الترميم لدى حزب الله سريعة جداً»، وأنهم عرضوا على الحكومة خططاً عسكرية جاهزة للتنفيذ في لبنان.
غير أن ما يصفه خبراء العدو بـ«المفاجأة الأكبر» يتعلّق بكيفية تصرّف الحزب بعد حرب خريف 2024، إذ أشارت هيئة البث الإسرائيلية إلى أن حزب الله، «رغم الضربات القاسية واغتيال عدد من قادته، ما زال قادراً على ترميم قدراته والعودة إلى موقع التهديد». ويُقرأ هذا التقدير داخل إسرائيل بوصفه مؤشراً إلى فجوة بين «حجم الضرر» الذي تعرّض له الحزب و«قدرته على إعادة التنظيم والتموضع».
ومع ذلك، تظهر داخل إسرائيل أصوات وتقديرات تعتبر أن تدخّل حزب الله في الحرب إلى جانب إيران «منح إسرائيل ذريعة ونافذة لمحاولة تصفية ملف الشمال بصورة أوسع مما كان ممكناً سابقاً». وهو ما عكسه المتحدّثون باسم جيش الاحتلال عندما تحدّثوا عن تحوّل «خطة الأدراج» إلى ما يسمّى «خطة الدفاع الهجومي»، عبر خلايا تخطيط ميدانية ضمن الفرقة 769، تتولّى ترجمة الأوامر إلى تخطيط عملياتي ولوجستي وهندسي، بما يشمل تبدّلات في انتشار القوات وتنفيذ خطوات هجومية غير روتينية، مع اعتماد أسلوب جديد يطلق عليه العسكريون في الكيان بـ«الصيد» ضد قوات الرضوان، وذلك من خلال مطاردة مركّزة تستهدف كوادر وبنى وقدرات نوعية.
وتشير التقديرات إلى أن التدريبات التي أجريت خلال الأشهر الماضية ركّزت على سيناريو «الحرب الطويلة المعقّدة»، ما يفرض استدعاء أعداد كبيرة من قوات الاحتياط، واستخدام القوات النظامية في عمليات توغّل بري واسع قد يتجاوز نطاق منطقة الاشتباك المباشر مع مقاتلي الحزب.
خلافات حول «التقصير في المعطيات»، وجدال حول عملية برية من دون مخاطر كبيرة، وتسريبات كثيرة عن «تعاظم» قوة المقاومة
وفي هذا السياق، تبدو حكومة العدو في سباق مع الوقت، للتحضير لأثمان مواجهة طويلة مع حزب الله في لبنان. فبالنسبة إلى إسرائيل، لا تقتصر الحرب مع لبنان على تبادل الصواريخ، بل تمثّل تهديداً مباشراً لقطاع الطاقة والاقتصاد والبنى التحتية للدولة. وكما في كل جولة سابقة، ستعلن إسرائيل أن هدفها يتمثّل في إبعاد تهديد قوة «الرضوان» عن الحدود، وفرض واقع جديد في منطقة جنوب نهر الليطاني عبر تحويلها إلى منطقة شبه خالية، خاضعة لسيطرة عسكرية كاملة.
وفي موازاة ذلك، يجري العمل على تحييد القدرة الصاروخية للمقاومة، والوصول إلى آلية لتعطيل عمل وحدة المُسيّرات، بما يسمح بإعادة المستوطنين إلى الشمال.
وفي هذا الإطار، عادت التسريبات العسكرية في إسرائيل للحديث عن سيناريوات متعدّدة، من بينها:
- تصعيد محدود عبر ضربات نوعية ومواصلة الاستهدافات الموضعية ضد قوات «الرضوان»، بالتوازي مع ضغط سياسي خارجي، من دون الحاجة إلى اجتياح واسع.
- عملية برية محدودة لتوسيع «منطقة العزل» في جنوب لبنان، واستدعاء قوات احتياط، مع درس مخاطر الانزلاق إلى معركة تثبيت قوات لفترة طويلة.
- اجتياح واسع يشمل كامل منطقة جنوب الليطاني، وهو سيناريو بالنسبة إلى إسرائيل يُعدّ حرباً أعلى كلفة وأكثر تعقيداً، مع ارتفاع احتمالات الاحتكاك المباشر مع مقاتلي حزب الله.
ومع استمرار الحرب مع إيران، وتواصل النقاشات داخل إسرائيل، يبدو أن المستويين العسكري والسياسي ينتظران توصيات الأجهزة الاستخبارية، التي يُفترض أن تعطي الإشارة المناسبة للدخول في مواجهة أوسع. غير أن «مرحلة الاستعداد» هذه قد تمنح حزب الله فرصة للتحرّك من دون بصمات واضحة، عبر توجيه ضربات بالصواريخ والمُسيّرات، إلى جانب إدارة نيران مجموعاته القتالية على الجبهة. وفي المقابل، تبقى المخاوف الإسرائيلية قائمة من «مفاجأة» أخرى، تتمثّل في احتمال تنفيذ قوات «الرضوان» هجوماً مفاجئاً في مناطق غير متوقّعة.
كيف يستعدّ العدو للحرب؟
بحسب ما تنشره وسائل إعلام العدو، تواصل إسرائيل عملية تعبئة قواتها على الجبهة مع لبنان، سواء بهدف تبديل الوحدات العاملة ميدانياً أو للتحضير لعمليات توغّل باتجاه نهر الليطاني. ويُعدّ هذا النوع من التعبئة خطوة احترازية على الحدود، إذ تلجأ إليه قيادة جيش الاحتلال الإسرائيلي من أجل «تحرير» الفرق النظامية تمهيداً لشنّ هجوم، مع تحديد توقيت العملية ووضع خطة لإدارة جبهة داخلية مُعقّدة. وفي هذا السياق، يتحدّث خبراء عسكريون عن أن «السيطرة الأمنية قد تتحوّل إلى جزء من أي تسوية مستقبلية، عبر فرض واقع جغرافي - أمني جديد في جنوب لبنان».
وفيما ترتفع التحذيرات داخل إسرائيل من الوقوع مجدّداً في «الفخ» أو «المستنقع اللبناني». وتشير النقاشات داخل القيادة الشمالية للجيش إلى دروس عملياتية تقوم على أن العقيدة القتالية تفرض التحرك سريعاً عند رصد مؤشرات ميدانية، والخروج إلى المبادرة بدلاً من الاكتفاء بالدفاع. وينعكس ذلك أيضاً على طريقة إدارة الجبهة الداخلية، إذ تحتاج إسرائيل عملياً إلى «تهيئة الرأي العام» وإعداده للتكيّف مع احتمال حرب طويلة. فالتجارب السابقة تشير إلى أن أي مواجهة واسعة تعني إدارة استثنائية للاقتصاد، وضغطاً كبيراً على قطاع الطاقة، وتوسيعاً لبنك الأهداف، فضلاً عن توقّع موجة انتقادات دولية أكبر.
لكنّ المعضلة الأبرز في الداخل الإسرائيلي تتعلّق بقطاع الطاقة تحديداً. فخبراء الكيان يشيرون إلى مخاطر متزايدة تطاول هذا القطاع، خصوصاً في ظل عدم وضوح الكيفية التي قد يتصرّف بها حزب الله: هل يتجه إلى إطالة حرب الاستنزاف أم يفاجئ بضربة كبيرة ومركّزة؟ وفي هذا السياق يرتفع النقاش حول ضرورة حماية الجبهة البحرية ومنشآت الطاقة، بعدما باتت منصات الغاز في البحر ضمن «بنك المخاطر»، إذ إن أي ضربة تطاول هذه المنصات قد تعني ضغطاً اقتصادياً وسياسياً داخلياً كبيراً، وتؤثّر على قدرة الدولة على تمويل حرب طويلة، كما تضرب صورة «القدرة على حماية البنى التحتية الاستراتيجية».
الحرب البرية
وقد برز أمس، ضخّ إعلامي إسرائيلي مكثّف حول العملية البرية المحتملة في لبنان. وتشير المؤشرات الميدانية في جنوب لبنان إلى أن التمهيد للعملية بدأ بالفعل عبر الاشتباكات في مناطق عيترون والطيبة ومحور القوزح - بيت ليف واللبونة، فضلاً عن سعي العدو الإسرائيلي لتثبيت حضوره في منطقة الخيام والسيطرة على محاورها.
وفي هذا السياق، نقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن «الموقف من العملية البرية مرتبط بقراءة ميدانية تفيد بأن حزب الله يحتفظ بقدرات هجومية متنوّعة، تشمل القصف الصاروخي والطائرات المُسيّرة وعمليات التسلل والغارات الحدودية». وأوضحت أن التقديرات العسكرية الإسرائيلية تعتبر أن قدرات الحزب تجعل أي مناورة برية واسعة محفوفة بالمخاطر، وتفرض على الجيش موازنة دقيقة بين الأهداف العسكرية والكلفة الاستراتيجية. ويبرز التردّد الإسرائيلي في شنّ اجتياح بري شامل، وفق الصحيفة، من خلال حسابات دقيقة تتعلّق بمعادلة الربح والخسارة أمام حزب الله، الذي يُنظر إليه على أنه يمتلك خبرة قتالية متقدّمة وقدرة على إدارة الاشتباك على مستوى تكتيكيٍّ عالٍ. لذلك، يفضّل الجيش الإسرائيلي خوض معركة دفاعية محدودة داخل الأراضي اللبنانية، من دون الانخراط في توغّل بري واسع.
وتشير التقديرات إلى عوامل «مُقلِقة» بالنسبة إلى الجيش الإسرائيلي، أبرزها «طبيعة ساحة القتال في جنوب لبنان ووجود مواقع مُحصّنة وشبكات أنفاق تتيح تنفيذ كمائن والاشتباك عن قرب، إضافة إلى تطوّر قدرات الحزب القتالية، خصوصاً الانتشار الواسع للصواريخ المضادة للدروع والاستخدام المكثّف للطائرات المُسيّرة». كما يشكّل «تعدّد الجبهات تحدّياً إضافياً، بما يشمل المواجهة مع إيران والصواريخ البعيدة المدى، إضافة إلى الجبهة اللبنانية واحتمالات التصعيد في الضفة الغربية وغزة واليمن».

