
بعد أسبوع على المجزرة التي ارتكبها العدو الإسرائيلي في حيّ السلم في الضاحية الجنوبية، لا يزال حجم الكارثة يتكشّف تباعاً، كاشفاً مشهداً يفوق الوصف، ويُثبِّت، بالوقائع والأسماء والضحايا، حقيقة واحدة: ما جرى لم يكن استهدافاً «نوعياً» لـ«قيادات» و«بنى عسكرية»، بل مجزرة جماعية طاولت المدنيين في منازلهم.
يصف رئيس مركز الضاحية الإقليمي في الدفاع المدني سعد الأحمر ما حصل بـ«أمّ الكوارث». ووفق الإحصاءات الأولية، سقط 75 شهيداً، ولا يزال شخصان في عداد المفقودين، إضافة إلى أكثر من 118 جريحاً، في حصيلة مرشّحة للارتفاع، إذ إن العدد الفعلي أكبر بكثير لأن عدداً من المصابين نُقلوا إلى المستشفيات بواسطة سيارات خاصة ودراجات نارية.
توزّعت هذه الحصيلة على ست نقاط تعرّضت للقصف المباشر، القاسم المشترك بينها كان واحداً: أبنية سكنية مكتظّة في أحياء شعبية تحوّلت في دقائق إلى ركام فوق عشرات الضحايا، معظمهم من النساء والأطفال: 20 شهيداً و30 جريحاً في المنطقة الواقعة خلف «برادات الحاج حسن للفواكه»، 5 شهداء و7 جرحى قرب جامع العرب، 10 شهداء و20 جريحاً قرب تعاونية ناصر الدين، 9 شهداء و16 جريحاً مقابل مدرسة الغزالة، 19 شهيداً و25 جريحاً قرب مدينة العباس، و12 شهيداً و20 جريحاً قرب صيدلية دانيال.
في حيّ السلم، لا تُروى الأرقام مُجرّدة، بل بأسماء عائلات أُبيدت بالكامل. معظم الضحايا كانوا داخل منازلهم، يمارسون حياتهم اليومية: جدّات، أمهات، أطفال، شبّان عائدون من أعمالهم أو متوجّهون لقضاء حاجاتهم. بين هؤلاء، أمينة سويدان التي استشهدت مع ابنتها إيمان غضبون وحفيدتيها بتول وزينب، وزينب عبد الحق ورضيعها وابنتاها مي وزهراء سيف الدين، وعلياء بدر الدين مع أولادها محمد وعلي وفاطمة الأطرش، وأشرف الفوعاني الذي استشهد مع أولاده الخمسة: التوأم زينب وآية (11 عاماً)، وبنين (5 أعوام)، والتوأم فواز وأحمد (4 أعوام)، زينب صولي وابناها حسن وحسين ريحاني وحفيدها حسن رزق.
ولم ينجُ من الموت من كانوا في أعمالهم أو باحثين عن لقمة عيشهم، فسقط «الدكنجي» علي أحمد، والفوّال يوسف عبدالله، وبطل المصارعة الحرة علي دهيني. كما حصد القصف أرواح عابرين صادف وجودهم في المكان، مثل الشاب علي حيدر الذي وقعت الغارة أثناء عودته على دراجته من منزل صديقه، وفياض عوّاد (22 عاماً) الذي انتُشل جثمانه بعد ثلاثة أيام من تحت الأنقاض.
عندما وقعت الغارة، كانت زينب حمية تحضّر الطعام في منزلها مع ثلاثة من أولادها، فيما كان زوجها علي أحمد (41 عاماً) في الدكان المجاور ينهي أعماله قبل العودة إلى المنزل، وابنها جواد (14 عاماً) «عائداً من الفرن وبيده منقوشة». تقول: «وسط الدخان الأسود، رأيت أولادي مطروحين على الأرض، لم أعرف من أين أتتني القوة لأحملهم خارجاً، قبل أن أبحث عن زوجي وابني. عندما نزلت إلى الشارع وشاهدت حجم الدمار، صرختُ لوالدة زوجي: اختفوا يا مرت عمي».
عثرت زينب على علي في براد الموتى في أحد المستشفيات: «لم يكن فيه أي خدش. حاولت إيقاظه كأنه نائم، ثم أمسكت بيده فكانت باردة جداً». أمّا جواد، فقد انتُشل من تحت الركام بلا رأس، و«تعرّف إليه عمه من الوحمة التي تميّزه وأظفاره الطويلة التي لطالما تشاجرنا من أجل تقليمها».
في روايات الناجين، تتكرّر صورة واحدة: انهيار مفاجئ، صراخ، وركام. أطفال ينادون إخوتهم من تحت الأنقاض، وجثث متفحّمة أو مُقطّعة، وحالة هستيرية عمّت المكان. فاطمة، التي خسرت أمّ زوجها وشقيقه في المبنى الذي انهار، تروي كيف قفز بعض أفراد العائلة نحو نهر الغدير، فيما «خرجت أنا وابنتي من تحت الركام بأعجوبة».
تستعيد اللحظة الأولى: «شخرة الصاروخ، تمايل البناء، صوت الحجارة تتحرّك، وتهاوي الأسقف علينا». عندها ركضت نحو ابنتها (سنتان)، واحتضنتها، لتجدا نفسيهما وحيدتين تحت الركام، فيما كان النفس يضيق وضربات القلب تتسارع. تقول إنها ظلت ساعتين تستنجد: «أنقذوا ابنتي»، وتزحف بها نحو أي منفذ محتمل للنجاة، قبل أن تنجح فرق الإنقاذ في إخراجهما.
في حيّ السلم، لا تزال الصدمة حاضرة، وأصوات الصراخ والعويل محفورة في ذاكرة زينة قهوجي: «كان الجميع يستغيث، وعندما تراجع الدخان وانقشعت الرؤية رأيت الناس يركضون بحالة هستيرية». ما جرى في هذه المنطقة الشعبية الفقيرة، وفق شهادات الناجين، لم يكن «ضربة نوعية»بل مجزرة موصوفة، تفضحها وجوه الأطفال تحت الركام، وأسماء عائلات أُبيدت بالكامل، ولم يبقَ من بعضها من يروي الحكاية.

