ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

يوم الرجوع إلى بيت ياحون

لبنان
|سياسة
حفظ المقالة

الطريق إلى بيت ياحون في اليوم الأول من الهدنة لا تشبه نفسها، عليها احتشدت آلاف القصص لجنوبيين تركوا بيوتهم وعاشوا التهجير وعادوا في الأمس

مريم علي
مريم علي
السبت 18 نيسان 2026
(آمال خليل)
(آمال خليل)
الخط


منذ الساعة الثانية عشرة ليلاً، لم يعد في البيت الذي نزحنا إليه في الجبل شيء على حاله. قبل دقائق من موعد سريان وقف إطلاق النار، كنّا نجلس حول الهاتف كأننا نراقب ولادة نهار جديد، لا هدنة فقط. لم يكن أحد يجرؤ على الفرح، أو على تصديق الخبر دفعة واحدة. كنّا نسأل بعضنا الأسئلة نفسها التي كرّرناها عشرات المرات في الأشهر الماضية: هل انتهت فعلاً؟ هل سننطلق صباحاً على طريق إلى بيت ياحون؟ هل الطريق سالكة؟ وهل البيت ما زال بيتاً؟

عندما دخلت الهدنة حيّز التنفيذ، لم تصرخ أمّي، لم تبكِ، لم تقل شيئاً كبيراً. نهضت فقط، ومشت إلى الغرفة التي وضعنا فيها الحقائب الفارغة، وكأنها كانت تعرف منذ البداية أنّ هذه اللحظة ستأتي، مهما تأخرت. قالت: «يلا، منبلّش». عندها فقط شعرت أنّ الخبر صار حقيقياً. الهدنة ليست ما يقال على الشاشات، بل ما يجعل أمّي تفتح الخزانة في منتصف الليل لتطوي الثياب التي سنعود بها إلى القرية.
في تلك الساعات، لم نكن نرتّب أمتعة بقدر ما كنّا نلملم شتات التهجير. أبي تفقّد ملف الأوراق الرسمية. أختي راحت تبحث عن ألعابها الصغيرة التي نجت من التنقّل بين البيوت. أمّي وضعت الأدوية في كيس مستقل، ثم وضعت فوقها مفتاح منزلنا في بيت ياحون، كأنها تخشى أن تضيع الطريق من دونه. أمّا أنا فكنت أتنقّل بين الغرف، أحمل شيئاً وأترك آخر، غير قادرة على فهم كيف يمكن لإنسان أن يحزم خوفه بهذه السرعة.

لم ننم. عند الفجر كنا جاهزين. خرجنا من دون القهوة هذه المرّة. بدا الهواء ساخناً وثقيلاً معاً. في السيارة، لم يأخذ أحد مكانه كما في أي رحلة عادية. جلسنا كأننا داخل امتحان طويل، نراقب الطريق والهواتف والوجوه. كان في الخارج شيء يشبه العيد وشيء يشبه الجنازة. سيارات مُحمّلة بفرشات وحقائب وخبز ومياه، وأخرى لا تحمل إلا أهلها ولهفتهم. كل من على الطريق كان يعرف إلى أين يذهب، حتى لو لم يكن يعرف ماذا سيجد هناك.

كلما اقتربنا جنوباً، بدأت الحرب تخرج من صورتها البعيدة على الشاشات وتصير حجارة وحديداً وغباراً وروائح حريق. طرقات مقصوفة، حفر واسعة، وجسور مكسورة ومُعلّقة بين ضفتين. في أماكن كثيرة، اضطررنا إلى التباطؤ كثيراً، أو الالتفاف عبر طرق فرعية، أو المرور واحداً واحداً بين الردم والسيارات العائدة.

في السيارة، كان الصمت أثقل من الكلام. أبي يقود بعينين متوترتين، وأمّي تهمس كل بضع دقائق: «الحمد لله». أختي تلتقط صوراً من خلف الزجاج ثم تمسحها ثم تعيد التقاطها، كأنها لا تعرف أي صورة تصلح للعودة. أمّا أنا فكنت أراقب اقتراب اسم بيت ياحون منّا، مفرق بافليه، جويا، السلاسل... أعدت إحصاء ما تبقّى من لافتات قرى ترحّب بكم، أو تشكر زيارتكم.

عند مدخل القرية، لم أتعرف إليها فوراً. بدت كأنها خرجت من ليلة طويلة من التعب. بعض البيوت مفتوحة على السماء، وبعض الجدران مثقوبة. ومع ذلك، كان في المكان شيء لا يُخطأ: رائحة الأرض نفسها. الرائحة التي لا تشبه إلا بيت ياحون. عندها فقط أدركت أننا عدنا فعلاً.
وصلنا إلى منزلنا ببطء، كأننا نخشى أن يفاجئنا المشهد. نزل أبي أولاً. بقي لثوانٍ واقفاً أمام الباب بلا حركة. ثم أخرج المفتاح من جيبه، المفتاح نفسه الذي حملته أمّي فوق الأدوية، وأداره في القفل. فتح الباب. نظر إلى الداخل. التفت إلينا وقال بصوت منخفض، كأنه يخشى أن يوقظ البيت: «سليم».

دخلنا دفعة واحدة. لم يكن المنزل مرتّباً أو نظيفاً مثلما تعيد أمي صناعته يومياً. كان مُغلقاً منذ زمن، بارداً، ساكناً، ومُثقلاً بالغبار. لكنه كان واقفاً. الجدران في مكانها، النوافذ شبه سليمة، الصور ما زالت مُعلقة، والأكواب ما زالت في الخزانة. اقتربت أمّي من الحائط ولمسته بكفّها. أختي جلست على أول كرسي وبكت. أبي فتح الشبابيك كلها دفعة واحدة. وأنا وقفت في وسط الصالون، أنظر حولي كأنني أراه للمرة الأولى.

في تلك اللحظة فهمت معنى أن يعود الإنسان إلى منزله سليماً. فالبيت، حين ينجو، يجمع ما تبعثر من أعمارنا. شعرنا أننا لم نعد فقط إلى بيت ياحون، بل إلى أسمائنا، إلى عاداتنا الصغيرة، إلى صوت الماء في المطبخ، إلى ضوء الصباح الذي يدخل من هذه النافذة بالذات. خرجنا من النزوح أخيراً، لا لأن الطريق انتهت، بل لأن المفتاح دار في القفل، ولأن البيت فتح لنا بابه كما لو أنه كان ينتظرنا طوال هذا الوقت.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك