
«العدو الإسرائيلي يستهدف الصحافية آمال خليل في بلدة الطيري الجنوبية، أمس».
كان هذا الخبر الأخير لـ»مراسلة الأخبار«، كما تحب أن نناديها، خبراً صحافياً وفياً لها ولمسيرتها وسرديتها المعادية للاحتلال، في كل عنصر من عناصره الخمسة: الفعل المتوحش من محاصرة واستهداف مباشر لمكان لجأت إليه ومنع الفرق من إنقاذها، الفاعل معروف بوحشيته، وللتوقيت خلال فترة الهدنة دلالة على الغدر، والمكان ساحة آمال، أمّا السبب فمن المعيب شرحه في رثاء آمال، راجعوا كتاباتها ومقاطعها المصوّرة.
كانت مشكلة العدو الإسرائيلي مع آمال في حريتها، حرية الحركة في الجنوب رغماً عن خرائطه وخطوطه الصفراء والحمراء، »مش هوي بحددلي وين وكيف اتحرك بأرضي«، كرّرت آمال ذلك بعد كل مرة كانت تصلها تهديدات مباشرة من جيش الاحتلال بـ»فصل رأسها عن جسمها«. كسرت آمال كل القيود على حركتها وعلى حرية قلمها وصوتها العالي والصورة التي فضحت أكاذيب العدو، وناضلت من أجل هذه الحرية حتى استشهدت. لكن هل تموت الحرية بموت صاحبها؟
كل مغالاة العدو أمس للنيل من حرية آمال، وإسكاتها، والوحشية في قتلها وقطع أي سبيل لنجاتها، عزّزت سردية آمال، وصنعت منها بطلة بحق. فانقلب السحر على الساحر، وصار صوت آمال في غيابها أعلى وأقوى بكثير، وغدا قتلها شعلة لجميع الصحافيين، لا تنطفئ. حتى بعض من كانوا يميلون إلى طريق السلام مع إسرائيل، كانت في موت آمال صحوة لضمائرهم، وهزة في الوسط الشعبي والإعلامي، زادت الكره للمحتل، والإيمان بقوة الكلمة وأثرها، وضرورة الاستمرار حيث توقفت آمال.
الحرية بالنسبة إلى آمال ليست موقفاً سياسياً نضالياً فحسب، بل هي جزء من شخصيتها التي لا تعرف الركون. وكما لم تطق أصفاد المحتل، حطّمت كل القيود التي تكبّل تغطيتها الميدانية الحية، بالصوت والصورة.
لذلك، وطوال السنوات الخمس التي أمضيتها في جريدة «الأخبار»، لم أرَ آمال يوماً تجلس على مكتب خلف شاشة، بل تمر بسرعة بين الحين والآخر، توزّع ابتساماتها وقبلاتها وأحضانها على الجميع، وتعود إلى ساحتها: الجنوب. حتى ارتبط اسم آمال بالجنوب، داخل الجريدة ننسّق معها إذا اقتربنا من «ملعبها»، وخارج الجريدة عُرفت بـ«مراسلة الجنوب».
كانت مشكلة العدو الإسرائيلي مع آمال في حريتها حرية الحركة في الجنوب رغماً عن خرائطه وخطوطه الصفراء والحمراء
ولأنها حرة، تجاوزت آمال أي انتقاد أو ملاحظة أو قلة إمكانات أو تخطيط إداري أو استراتيجية عمل للتحوّل الرقمي. وطلّقت الصحافة الكلاسيكية بأمّها، ثم أدخلت إلى »الأخبار« صحافة الموبايل. صنعت عالماً صحافياً خاصاً من سيارة وهاتف ذكي ومايكروفون. وتتوجه وحدها لمقابلة الناس، تحمل بيد هاتفها وبالأخرى المايكرفون. تكلّف نفسها وتنتج المواد وترسلها وتتابع نشرها بقلة صبر.
ورغم مسيرتها الصحافية الطويلة، حافظت آمال على حماسة البدايات، وغذّت موقع الجريدة بأخبارها العاجلة، وسباقها الصحافي مع الموت. حتى سارعت، أمس، لإرسال الخبر العاجل الأخير إلى مجموعة الأخبار على واتساب، بعدما نجت من الاستهداف الأول في الطيري: «أنا منيحة، في استهداف لسيارة قدامي في الطيري، حطوا عاجل».
بخفّة، تنقّلت آمال بين مارون الرأس، الخيام، بنت جبيل، عيتا الشعب، مركبا حولا، ميس الجبل، وكفرشوبا... شارعاً شارعاً، وزقاقاً زقاقاً، جمعت قصص الصامدين كما جمعت الرصاص من أرض المعركة، لتحجز لنفسها زاوية في ذاكرة الجنوب المقاوم. ودخلت آمال بيوت الجنوبيين، كنسمة ربيع، بسيطة في هندامها وتسريحة شعرها ومشيتها وحديثها. وشاركتهم خبزهم، وتنقّلت في حقولهم.
نجحت في خلق علاقات طيبة مع الناس، وإنتاج القصص الصحافية الإنسانية، التي ستبقى إرثاً لها. »يسواني ما يسواهم«، قالت لكل من نبّهها من «التهور» في زياراتها إلى الجنوب. أحبّت الناس فأحبوها وشعروا أنهم كلهم أصحاب العزاء. وعشقت الجنوب حتى انطبق عليه شعر عمر الفرا، و«صار يعرفها تراب الأرض، وعطر منابع الريحان، وتعرفها نجوم الليل وشمس الصبح، ولون شقائق النعمان».

