
آمال خليل التي لا تملّ. كنتُ أنتظر أمام سرايا بنت جبيل مع مجموعة من الإخوة وصول وزير الداخلية اللبناني، حيث كان يريد الاطلاع على لوجستيات وتدابير قوى الأمن الداخلي لبدء عملية الانتخابات البلدية. ووجدتُ آمال تقف مع إحدى الزميلات الصحافيات تحت أشعة الشمس، فسألتها مستغرباً عمّا جاء بها في هذا الهجير، مؤكداً لها أنّ الأمر لا يستحق كل هذا العناء. فقالت لي بهدوء إنها تريد تغطية زيارة الوزير وإنجاز تقريرها.
لم أكن أعلم أنّ ذاك الهجير كان برداً وسلاماً أمام نار الفقد التي ستشتعل لاحقاً. فقد قتلوكِ، والوزير الذي كنتِ تنتظرينه ربما لم يعلم أنكِ استشهدتِ، أو ربما علم ولم يبالِ، أو ربما علم وأدار رأسه، وربما طأطأ رأسه لأنه لا يستطيع شيئاً، شأنه شأن الرئيس الذي لا يستطيع تصليح حنفية ماء أو قسطل.
هكذا يرحل الأنقياء في وطني، يذوبون كحبّات الملح في جرح الأرض، بينما يبقى المسؤولون في أبراجهم العاجية يمارسون طقوس العجز المعتادة. فما نفع اللوجستيات والتدابير حين يسقط القلم وتجفّ الدماء على رصيف الواجب؟ وما قيمة الكراسي حين تعجز عن حماية من ينقل الحقيقة بصدق ويقين؟
كانت آمال تخطّ بوجودها حكاية التزام لا ينطفئ. تقف في وجه الشمس لا لتراقب موكباً عابراً، بل لتوثّق نبض الناس في الجنوب الصامد. لكن يد الغدر كانت أسرع من تقريرها الأخير، فغابت شمسها، وبقي الوزير والرئيس والوطن المذبوح يتفرّجون على نزيفنا المستمر. لقد ذهبتِ أنتِ، وبقيت الهياكل الخاوية التي لا تملك من أمرها نفعاً ولا ضرّاً. بقيت المكاتب الفخمة والألقاب الرنانة التي لا تستطيع أن تعيد نبضاً واحداً لقلب آمنَ بالكلمة حتى الرمق الأخير.
واليوم، كلما مررنا أمام سرايا بنت جبيل (إذا بقيت)، سنراكِ هناك، واقفة بشموخكِ المعهود، تبتسمين لذاك السؤال العفوي، وتؤكدين لنا بصمتكِ الأبدي أنّ الحقيقة تستحق كل هذا العناء، وأن رحيلكِ كان الصرخة الأصدق في وجه نظام لا يتقن سوى الانحناء.

