
لم تكن «آمال خليل» مجرّد مراسلة تنقل الخبر، بل كانت صوت الجنوب حين يختنق، ونبضه حين يتعب، وذاكرته التي ترفض أن تُنسى. لم تكن آمال عابرةً في طرقات الجنوب، بل كانت ابنة كل قرية، ورفيقة كل بيت، وشاهدةً على كل وجع. كأنها، بالفعل، ارتوت من تلك الأرض حتى صارت جزءاً منها.
في الجنوب، عاشت آمال رسالتها لا كمهنة، بل كقضية. مع كل عدوان إسرائيلي، ومع كل مجزرة، كانت هناك. لم تكن تنتظر هدنةً لتظهر، ولا تبحث عن أمانٍ لتتكلّم. كانت تسبق الخطر، تمشي نحوه، وتروي ما لا يُقال. كانت الشغوفة التي ترى في الحكاية واجباً، والقوية التي لا تنكسر أمام المشهد، بل تنقله كما هو: وجعاً خاماً، صبراً صلباً وثباتاً يشبه الجبال.
من حولا إلى الخيام، ومن خربة سلم إلى عيترون، ومن يارين إلى كفرشوبا… لم تكن تلك مجرد جغرافيا، بل مسار دقات قلبها. هناك، بين البيوت المهدّمة والحقول التي لا تزال تقاوم، كانت آمال تقف مع الناس. تنقل حزنهم، نعم، لكنها كانت أيضاً تنقل ما هو أعمق: كرامتهم، إصرارهم، وتلك القدرة العجيبة على الحياة رغم كل شيء.
حتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، حين ظنّ البعض أنّ بإمكانه إخماد صوت الحق، عرفت آمال أنّ الجنوب لا يهدأ. فالعدوان استمر، وبقي الوجع، والناس ظلّوا بحاجة إلى من يروي قصصهم. فكان «أهل الأرض» برنامجاً يشبهها: صادقاً، قريباً وعنيداً.
كانت تقول: «بقينا نحكي قصصهم… بقينا صدى صوتهم… بقينا مرايتهم بالزرع وبالحصاد، بالدمار وبالإعمار، بالنصر وبتشييعات الشهداء». وهذه الجملة وحدها تكفي لتختصر حياتها، لأنّها لم تكن فقط تنقل اللحظة، بل تحفظها.
في كل قريةٍ مشت فيها، وفي كل صوتٍ نقلته، وفي كل دمعةٍ وثّقتها، بقيت آمال كأنها وعد: أن الجنوب سيبقى يُروى وأنّ الحكاية لن تُقطع… ما دام هناك من يؤمن أنّ الأرض تُكتب بالدم وتُحفظ بالكلمة.

